تهريب بيليه ولاعبي منتخب البرازيل من المطار بعد الخسارة في كأس العالم 1966
أبحاث تثبت إن أصل بيليه من انغولا أو نيجيريا بأفريقيا
الأبوة تغير مجرى حياته والفوز في المكسيك يمسح خيبة مونديال انجلترا
تسجيله الهدف رقم 1000 في نوفمبر 1969 تحول إلى مهرجان في الملعب وخارجه
عندما وصل الفريق البرازيلي إلى لندن للمشاركة في كأس العالم 1966 فاجأه كون السيارات تسير على جهة اليسار مما بدا غريباً جداً بالنسبة للبرازيليين الذين لم يتوقفوا عن الضحك.. كما لم يتوقف بيليه الذي لم يكن يعرف شيئاً تقريباً من اللغة الانجليزية عن الإجابة على كل ما يقال له: »يس. يس. ثانك يو.. ثانك يو«.
فازت البرازيل بصعوبة في المباراة الأولى ضد بلغاريا بهدفين مقابل صفر.. وكان الهدفان البرازيليان من ضربتين حرتين سدد الأولى بيليه والثانية غارنشيا الذي كان قد أصيب قبل فترة وجيزة بجروح إثر حادث دراجة.
لكنها انهزمت في المباراة التالية ضد هنغاريا ـ المجر، واحتلت المرتبة الثالثة في مجموعتها بعد هنغاريا والبرتغال.. لذلك كان ينبغي الانتصار على البرتغال من أجل التأهل للدور التالي،
وأيضاً ان تفوز عليها بفارق يزيد على هدفين. ويصف بيليه الفريق البرازيلي بأنه كان »متماسكاً جدا وقوياً على الصعيدين التكتيكي والمعنوي«. ولكن كانت البرتغال هي التي انتصرت بثلاثة أهداف مقابل هدف واحد.. وبالتالي أقصيت البرازيل عن مباريات كأس العالم.
يقول بيليه »لقد عدنا مخفوضي الرأس وليس بيدنا شيء. وذلك قبل ان يردد الحكمة القائلة: »ان الغطرسة تسبق الخراب والغرور يسبق السقطة« ويضيف: ان فريق البرازيل لعام 1966 يشكل تجسيداً جيداً لهذه الكلمات.
وفي المطار بلندن تأخر اقلاع الطائرة عدة ساعات بحجة ان هناك أسباباً فنية ولكن في الواقع كان يراد الوصول إلى مطار ريودو جانيرو في البرازيل بعد منتصف الليل تحاشياً لاحتمال أن يكون هناك استقبال غير محبب
وما ان رحلت الطائرة إلى مطار افضل حتى جرى تحويل لاعبي ساو باولو، بما فيهم بيليه، إلى وجهتهم بطائرة كانت جاهزة للإقلاع بحيث بدا الأمر مثل »عملية عسكرية سرية جداً« كما يقول بيليه قبل أن يضيف »ولكننا في عام 1970 غسلنا عار خيبة الأمل لعام 1966«.
عام الخيبات
لم يقدم عام 1966 لبيليه سوى خيبات الأمل منذ البداية حتى النهاية، وقد سجل في تلك السنة عدداً أقل من الأهداف، أما على الصعيد المالي فيقول بيليه »تحسنت أعمالي عندما قررت تأسيس مكتب حقيقي للاهتمام بها،
وكان صديقي بيبيتو يتولى إدارته بمعاونة تسعة موظفين وخمسة محامين وخبيرين في المحاسبة ومسؤول عن الإعلانات وسكرتيرة، وكان علي أن أتخلى عن جميع استثماراتي السابقة كي أسدد ديوني«.
أما عام 1967 فقد أعطى له أجمل وأروع الهدايا وهو طفلاهما الأولان، هوور وزماري، كانت ابنة صغيرة أطلق عليها اسم »كيلي كريستينا« يقول بيليه عن أبويه: »كانت الأبوة كشفاً بالنسبة لي، لقد كانت شفاء من أوهامي حيال كرة القدم ومن الضغط المستمر للمباريات ولهذا الدوري أو ذاك.
وحتى بعد مباراة فاشلة أو هزيمة ساحقة كنت أستعيد كل فرحي عندما أعود إلى المنزل وأتسلى مع طفلتي التي كانت ابتسامتها المشعة تجهل كل أشكال حرمان عالم البالغين«.
بعد عدة أشهر أقام بيليه لعدة أيام في افريقيا، وما شاهده هناك دفعه للتأمل بهويته وبموقعه في العالم، لقد لعب في السنغال وساحل العاج والغابون والكونغو. »غيرت تلك التجربة رؤيتي للعالم وبالمقابل رؤية العالم لي«.
كان استقبال الجمهور الافريقي في كل مكان رائعاً للفريق البرازيلي وقد اضطرت البلدان المضيفة غالباً إلى اللجوء لرجال الشرطة من أجل ضبط الجماهير »بدا أن الجميع في افريقيا يريدون رؤيتنا ولمسنا وكأنهم كانوا يريدون التأكد من أننا بشر حقيقيون«.
يقول بيليه: »بما أنني أسود برازيلي فهذا يعني أنني من سلالة الأفارقة الذين اقتادوهم إلى أميركا اللاتينية كعبيد. وفترة العبودية ليست بعيدة جداً فجيلي في عائلتنا هو الجيل الحر الثالث فقط. وجدتي امبروزينا التي توفيت وعمرها 90 سنة عام 1976، تمثل الجيل الأول، فأهلها كانوا من العبيد، وكانت البرازيل هي آخر بلد في القارة الأميركية يلغي هذه الممارسة البربرية عام 1888«.
وبالاعتماد على تحقيقات أجراها صحافيون يرى بيليه أن أصوله تعود إلى أنغولا أو نيجيريا، وان اسم »دوناسيمونتو« أي اسم عائلته، كان هو اسم مالك المزرعة التي كانوا يعملون فيها، لكن جميع الأعراق والأجناس تختلط في البرازيل من سود وهنود وأوروبيين وغيرهم،
وبالتالي لم تكن هناك خطوط فصل واضحة مثلما هو الحال في الولايات المتحدة مثلاً، ويؤكد بيليه أنه نادراً ما عانى من الأحكام العنصرية بسبب لون بشرته فالناس في البرازيل لا يعاملون الشخص على أنه »أسود أو أبيض« وإنما حسب موقعه وشهرته.
اعتقال السكرتيرة وخيبة الحارس
لقد فهم بيليه من خلال زيارته لافريقيا أن صعوده ونجاحه كان بمثابة أمل للأفارقة، وانه بالإضافة إلى كونه لاعب كرة شهيرا فإنه كان أيضاً »رجلا أسود شهيرا«. ولكنه واجه حالة »العماء العنصري« في افريقيا للمرة الأولى.
ويروي انه كان يهم، أثناء زيارته للسنغال، للدخول إلى الفندق، عندما طلبت عاملة الاستقبال »البيضاء« من رجل شرطة أسود أن يخرج أولئك »المتوحشين« الذين كانوا يلحقون به من المعجبين.. رفض الشرطي الأمر وقام بإلقاء القبض على عاملة الاستقبال نفسها ورفض بيليه طلب مدير الفندق للتدخل من أجل إخراجها من السجن بعد أن أهانت أولئك الذين يعتبر نفسه منهم.
ويروي في نفس السياق أيضاً أنه عندما سجل هدفاً في مباراة بالسنغال أخذ حارس المرمى يجهش بالبكاء دون أن يستطيع التوقف، مما أرغم المدرب على استبداله بآخر، وعند نهاية المباراة ذهب بيليه إلى غرفة تغيير الملابس حيث كان اللاعبون السنغاليون لمواساته وإفهامه أن الأمر لا يتعدى لعبة كرة قدم.. ولكنه لم يقبل الاستماع له..
وقد فهم بيليه فيما بعد أن ذلك الحارس كان قد قال لأصدقائه قبل المباراة: »بيليه هذا، يعتقد نفسه الأفضل، سترون أنه لن يستطيع تسجيل هدف ضدي.. لا يهم إذا سجل الآخرون، أما هو فلا«.
ويروي بيليه أنه كان يحلم قبل كأس العالم في انجلترا عام 1966 بأن يتسلم ذلك الكأس من ملكة بريطانيا في ويمبلي، لكن اللاعب الكبير بوبي مور هو الذي استلمه من يدها.. أما بيليه فقد قابلها عام 1968 عندما كانت في زيارة للبرازيل، إذ جرى تنظيم مباراة »استعراضية« في ملعب »ماراكانا« على شرفها.
كان هناك إذن لقاء بين »الملك« الذي لا يملك أي تاج وبين »ملكة حقيقية هي »اليزابيث الثانية« وقد أعطى وزير الخارجية البرازيلي درساً في »البروتوكول« لبيليه بحيث يبقى مستقيماً في وقفته أمامها وينتظر أن تبادره الكلام حتى يتحدث معها وأن يبدي لها دائماً احترامه الشديد،
أي »إجمالا« تفريغ ذلك اللقاء من أدنى حرارة إنسانية«. لكن بيليه نسي الدرس كاملاً عند لقائه الملكة قبل المباراة. يقول: »ما أن دخلت الملكة حتى اقتربت مني مع ابتسامة كبيرة وحدثتني بلطف وقالت إنها مسرورة جداً لرؤيتي شخصياً وأن زوجها الأمير فيليب شديد الإعجاب بي«.
الهدف رقم 1000
وبتاريخ 19 نوفمبر 1969 »أي يوم العيد الوطني البرازيلي، كانت هناك مباراة بين فريق سانتوس وفريق فاسكو دوغاما. وكان ملعب »ماراكانا«، الأكبر في العالم آنذاك، متخماً بالمتفرجين الذين قدموا لمشاهدة الهدف رقم 1000 لبيليه.
ولكن لاعبي النادي الخصم كانوا مصممين على أن لا يتركوه يسجله في ذلك اليوم.. لكن أحد أولئك اللاعبين عرقل بيليه أمام مرماه فمنح الحكم ضربة جزاء لسانتوس.. وتقرر أن يقوم بيليه بتسديدها.
يقول: »للمرة الأولى في مسيرتي كلاعب كرة قدم أحسست بمثل ذلك الضغط وأخذت أرتجف: كنت وحدي فكل زملائي تراجعوا للوراء وتركوني أركز تفكيري«. ويفتح بيليه هنا قوسين ليصف طريقته في تسديد ضربات الجزاء: »إن فن النجاح في التسديد على الهدف هو فن وضع الكرة حيث لا ينتظر حارس المرمى الذي يحاول أن يتوقع دائماً أين سيسدد اللاعب الخصم«.
انطلق بيليه نحو الكرة لتستقر بعد لحظات في شبكة حارس مرمى نادي فاسكو دوغاما.. وقال بيليه أمام الصحافيين بأنه يهدي هذا الهدف رقم 1000 لأطفال البرازيل ثم »ملأت الدموع عينيه« وحمله بعضهم على أكتافهم كي يدور حول الملعب وهو يرفع الكرة نحو السماء.. وقدمت له مجموعة من المشجعين سترة رياضية تحمل الرقم 1000 لبسها على الفور لتستأنف المباراة بعد توقفها مدة 20 دقيقة.
بعد الهدف رقم 1000 تركز التفكير ببطولة كأس العالم لكرة القدم عام 1970 في المكسيك. كان مدرب الفريق الوطني البرازيلي هو »زاغالو« وقد قال له بيليه بصراحة: لست حريصاً على أن ألعب بأي ثمن.. وإذا كنت ترى أن هناك لاعباً آخر قد يكون أفضل مني فلا تتردد أن تفعل ما ينبغي عليك فعله. لا أريد معاملتي كصاحب خطوة.. أطلب منك فقط أن تكون صريحاً معي«.
كانت تشيكوسلوفاكيا هي الخصم الأول للبرازيل في بطولة كأس العالم عام 1970، سجّل التشيكيون الهدف الأول وعادل البرازيليون بعد عشرة دقائق ليحرز بيليه هدفاً ثانياً عند الدقيقة 60 من كرة طائرة سددها قبل أن تلامس الأرض. وانتهت المباراة بأربعة أهداف مقابل هدف واحد.
كانت المباراة التالية ضد إنجلترا حامل اللقب. وقد جرت في عز الظهيرة، »من أجل الاستجابة لمطالب القنوات التلفزيونية«. بدت مباراة صعبة وأنذرهم المدرب »زاغالو« بأنهم لن يرقصوا هذه المرة »السامبا« حتى الفوز. وبعد عشرة دقائق من بداية المباراة سدد بيليه ضربة برأسه على زاوية المرمى الإنجليزي، فانبرى لها الحارس غوردون بانكس وحول بأعجوبة مسار الكرة.
يصف بيليه ذلك بالقول: »كان عملاً رائعاً حقيقياً، وبلا شك أجمل صد للكرة خلال مباريات تلك البطولة.. وأغلبية البطولات في تاريخ كرة القدم«. فازت البرازيل في تلك المباراة بهدف لصفر.. ثم انتصرت بعد ذلك على الخصم الثالث في مجموعتها أي رومانيا.
وانتصرت البرازيل في مباراة ربع النهائي على البيرو بأربعة أهداف مقابل هدفين.. بعد أن كان لاعبو البيرو قد هزموا بلغاريا والمغرب.
الثأر
في مباراة نصف النهائي كانت المجابهة مع الأورجواي التي هزمت روسيا. تذكر بيليه وعده لأبيه عام 1950 عندما خسرت البرازيل في المباراة النهائية ضد الأورجواي مما دفع والده للبكاء فوعده بأن يفوز بكأس العالم من أجله.
يقول: »الأورجواي إذن. وقفز إلى رأسي وعدي لأبي عام 1950، وكذلك قفزت لرأسي ذكرى تلك الهزيمة الرهيبة في ملعب ماراكانا«. حافظت الأورجواي على تفوقها بهدف سجلته حتى قبل نهاية الشوط الأول بدقائق قليلة،
حيث أحرزت البرازيل هدف التعادل بعد أن كان لاعبوها قد بدأوا المباراة وهم في حالة توتر منعتهم من اللعب كعادتهم.. لكن الأمور تغيرت تماماً في الشوط الثاني حيث سيطر اللاعبون البرازيليون تماماً ومارسوا »كرة قدم سريعة وفعّالة وذكيّة« حسب توصيف بيليه لتنتهي المباراة بفوز البرازيل بثلاثة أهداف مقابل هدف واحد للأورجواي.
وفي دور نصف النهائي الآخر انتصرت إيطاليا على ألمانيا بأربعة أهداف مقابل ثلاثة بعد اصابة اللاعب الألماني »بيكنباور« من الملعب، وهذا ما يعلق عليه بيليه بالقول: »إن خروج بيكنباور من اللعب إثر خطأ رهيب اقترفه احد المدافعين الايطاليين جعل المباراة تميل لصالح الإيطاليين. أن خمسة أهداف من أصل الأهداف السبعة جرى تسجيلها خلال الزمن الإضافي«.
الإيطاليون مشهورون بدفاعهم الصلب والمتماسك »القفل«. لكن هذا لم يمنع بيليه من تسجيل الهدف الأول بعد 18 دقيقة من بداية المباراة. وانتهت المباراة بفوز البرازيل بأربعة أهداف مقابل هدف واحد لإيطاليا.. وبعد انتهاء تلك المباراة قال المدافع الإيطالي تارسيزو بورنيشب: وكنت أردد لنفسي أنه ــ أي بيليه ـــ رجل من لحم ودم مثلي. ولقد كنت مخطئاً في ذلك«.
وعندما كان بيليه تحت »الدوش« يغتسل بعد المباراة بعد عناء اللعب، استعداداً للعودة إلى الملعب من جديد واستلام الكأس من يد الرئيس المكسيكي وجد صحافيا بجانبه كان قد نجح في التسلل حتى وصل إليه عبر قاعات تبديل الملابس ومرافقها. وقد تعرّف عليه في الحال، حيث كان أحد الذين أطلقوا إشاعة أن بيليه يعاني من مشكلة في النظر، بسبب تسديدة بعيدة عن المرمى.
يقول بيليه: »لقد ركع عند قدمي وهو مبلل بالماء، وطلب مني أن أغفر له ما كان قد كتبه«. هكذا عاد الفريق الوطني البرازيلي إلى بلاده وهو يحمل معه كأس العالم للمرة الثالثة.. وللمرة الثالثة كان بيليه أحد أعمدة ذلك الفريق.
عرض ومناقشة د. محمد مخلوف ــــ باريس


