أفي كل يومٍ لكَ عروسٌ تغتصب، وتنتفخ أوداجك وتثور كما صوتٌ لا يدرك ما يجري في دوامات الليل السرية، بالأمس كانت القدس عروس عروبتكَ.. أهلاً.. أهلاً، ويهدى في ساعة شؤم رأس الثورة »بغداد« على طبق دموي لبغيٍ.. لا تعجب فرأس الصالح »يحيى« أو »يوحنا« كان على طبق من فضة مهراً لرياح التيه،
واليوم.. هذي بيروت أمست تستر جسدها بغبار الريح في ذبح أممي معلن، »وتنازع القوم بينهم.. ألقوا العصي« فإذا بالرابح فيهم كومة قش، ينادي: غامر.. جازف.. قامر، واترك للصمت المخزي صياح النساء، وتتحرك دكّة غسل الموتى.. أما أنتم لا تهتز لكم قصبة، يا بقية »داحس والغبراء« وبقية »تُبّع« وبقية حروب »الفُجار« وبقية أسماء نالت من رأس الثورة في أرض »الطف« وما زالت تحتسي الدهر كله.. شراب الذل بجماجم أطفال خربة الشام،
وتسوق قطيعاً ممن فقدوا في ليل الصبر كرامتهم، هذي بيروت، عروس الكون وإشراقة نور الله تحدق في سر الملكوت.. أي دموع قد بقيت لي فأسجيها، لقد جفّ الدمع بعيوني الوقحة لخراب حل ببغداد.. وما عدت أغني »بلاد العُرب أوطاني« ولا »وطني الأكبر«.. فكوني عاقراً بلاد الأرز.. لأن الحمل مخيف.
الأديب حارب الظاهري رئيس اتحاد كتاب وأدباء الإمارات تحدث بشجن عن بيروت وما يجري على أرضها من إجرام تندى له ضمائر البشرية؛ فقال: إذا لبنان ليس الذي أعرف! ولا هو تلك الطفولة المشرقة التي تثير الشغب على شبابيك الزمن،
إنه عزف البراءة ما بين لحن الوجع ورسم الحياة بألوان الضفاف وتجلي الأنهار وخصوصية البحر الجميل الذي يبرز على المساءات الناعمة! فما يلوذ بلبنان الجميل في مخملة نحو الانكسار! علمتنا السنين بأن الموت يفتح شهية للوجوه العذبة! فالأطياف وحدها تلوذ بالفرار وبيروت وحدها ذات العيون الجميلة ــ التي لا شبيهة لها ــ تسترخي على ناصية الصمت وتفتح مسامات قلبها للحزن وكأنها لا ترغب هذه المرة أن تعود وسط كيانات مبهمة!
بيروت تستمد موتنا الأول، لتقول ما أوحى لها أبو قاسم الشابي: »من لا يحب صعود الجبال يعيش أبد الدهر بين الحفر..«. أجل بيروت وضواحيها أصبحت سرا من أسرار حياتنا الذي يكذب واقعنا! فكلما نظرنا إلى المرآة نجد لبنان رمز من رموزا ثقافتنا التي لا يراد لها الحياة! فمن أراد أن يقتل أمة يقتل حقيقتها الثقافية!
وهكذا يُركِع الاحتلال »البصرة وبغداد« ويكمم أفواه القاهرة ودمشق العريقة المهددة، وسائر العواصم العربية إلى الانحدار! ليست المغامرة وحدها تصد عن اتجاه آلة الحرب إلى القلوب العربية! إنما الهروب والخيبة والعجز، فالطامة أصبحت ليس في صمتنا المريب وإنما في قولنا الذي هو رمز خوفنا! »ومن لم يعانقه شوق الحياة، تبخر في جوها واندثر« إنها صدمة العدم المنتصر كما قال الشابي!
انها شهية الموت ولبنان الجميل يزلزل ويراق دم أطفاله وكباره وينبئ ليله بخطر النهار فلا مأوى لا لبراءة ولا للجبال النظرة، فقد أضاعت آلة الحرب الحقيرة هوية أصدقائنا ومزقت عناوين الرفاق والأصحاب في بيروت والبقاع وشتورا وأذابت براكين الحقد الصهيونية الفرية، لقد قتلوا أحلامنا في لبنان ألف مرة ولو كنت فيها لما خرجت لأن لبنان ليس لنزهة وإنما تعيد الكتابة لي من جديد!
شاطئ صور وبيّاع العسل
يقول الشاعر الفلسطيني أنور الخطيب »ابن الجنوب اللبناني«: هل بدأ لبنان يفقد تفاصيله التي رسمها أبناؤه بكل حميمية وجلد، وهل ستأتي اللحظة، بعد كل الخراب الذي يجزه جزاً، ويقطع أوصاله، حين يمر مواطنوه وزواره ليقولوا: هنا كانت ضاحية تسمى الضاحية الجنوبية، وهنا كان جسر الكولا، وهناك كان جسر الأولي وبعده جسر الزهراني وبعده جسر القاسمية، وهل سيأتي وقت تتحول فيه مدارس ومعاهد وحدائق وموانئ ومساجد وكنائس إلى مجرد ذكرى مؤلمة.
أمر مرعب أن يعيش المرء تحت وطأة هذا التصور، والأمر الأكثر رعبا هو أنه يحدث في الواقع، بعدما بدأ لبنان يتعافى من جنون الحرب الأهلية التي استمرت ستة عشر عاما، وأصبحت لديه طرقات داخلية وخارجية و»أوتوسترادات« وجسور ومراكز ثقافية وأخرى للتسوق ومؤسسات ووزارات، أصبحت لديه دولة استعادت علمها ووحدتها رغم الانقسامات الداخلية، هل نحن في صدد أن تعود الأمور إلى الوراء أكثر من عشرين عاما، ويبدأ اللبنانيون البناء من جديد؟
بكى القلب حين علمت بأن طائرات الدولة العبرية قصفت ميناء صور، قبل خمسة أشهر كنت هناك، وقفت أراقب الصيادين الذين كانوا يخيطون شباكهم أو يصلحون ما اهترأ منها، وهم جالسون أمام قواربهم البسيطة، أحسستها تتكئ على بعضها البعض في المرسى، وشعرت أن كل مركب يبث شكواه للآخر: أما من نهاية لهذا التعب الطويل؟ نفس التعب الذي قرأته على ذلك الجنوبي الذي عرض علي شراء عسل: »أقسم بالإمام علي أن الحجة عملت العسل«، فاشتريت، إكراما لتعبه وللحجة.
صور، مدينة الفقراء والمساكين والتاريخ، قاومت الإسكندر في قديم الزمان، فعاقب سكانها أن صلب الآلاف من أبنائها ثم رحل، تاركا خلفه آثاره أعمدة وقبورا ونقوشا، يعاقبها »أولمرت« اليوم، فيقصف فقرها وحزنها وشحوب وجهها، كل ذلك، لأن قاطنيها يؤيدون المقاومة، فهم إما تابعون لحركة أمل أو تابعون لحزب الله، وبما أن الطائرات الصهيونية عجزت عن النيل من السيد حسن نصر الله، فإنها قصف صوته المنطلق من أشرطة تسجيل فوق عربات تقف بالقرب من ميناء صور.
كلما كنت أنطلق من صور باتجاه »الرشيدية والحنية والعزية والناقورة« كنت أشعر أنني ذاهب إلى فلسطين »ومرة كدت أن اصطدم بدوار وأنا أنظر مأخوذا نحو الناقورة، حيث يقبع خلفها الساحل الفلسطيني«، أما إذا انعطفت يمينا لأسلك الطريق المؤدية إلى »مارون الراس وبنت جبيل«،
أشعر أنني أعانق فلسطين، هنالك، يمكنني الوقوف واستنشاق عطر زهر الليمون القادم من بساتين فلسطين، وأرسل التحية إلى أقاربي، إلى خالي الذي لم أره في حياتي، هنالك، تتعانق الجغرافيا، وتتهامس التضاريس اللبنانية الفلسطينية، ويتوحد البوح، كأن لا حدود بين »النونين«، هنالك حيث تخلد اللحظة، ويتوقف الزمان.
قبل عشر سنوات أو أكثر قليلا، زرت تلفزيون »أليسار« في مدينة صور، لأسلم رسالة إلى مدير القناة، وهناك التقيت بالشاعر الجنوبي باسم عباس، ربطتنا بسرعة صداقة، وأجرى معي لقاء لمدة ساعتين، قدمني للمشاهد الجنوبي، ثم بعدها اشتركت في ندوة في تلفزيون المنار حول الأدب الفلسطيني امتدت لساعتين أيضا، أوقف تلفزيون أليسار بثه قبل سنوات،
وتم تدمير مبنى تلفزيون المنار قبل أيام، لتبقى الأصوات في الأثير، تتعرض لأنياب الوحش الصهيوني، كأن انتقاما حضاريا يمارسه العدو في لبنان، وإلا، لماذا يقصف ملامحه وانبعاثه ومراكز تواصله مع العالم، وكأن الحوار الذي تجريه القرى مع المدن يؤثر على وجود كيان العدو، فقطع كل طريق تصل بين تلك الأماكن، ليستحق عن جدارة لقب » قاطع طريق«.
صحيح بأن السير على الطرقات الداخلية أمر متعب، إلا أنها دائما تفضي إلى استراحات، ومن يمر أمام ميناء صيدا، ويمشي على الكورنيش الجديد، سيلحظ عدد الاستراحات التي تطل على البحر، هنالك جلست مع أحد الأصدقاء الطيبين، والذي نظر حوله، وتحدث كأنه حضر إلى لبنان بالأمس، كأنه لم يولد هناك، وقال: اللبنانيون يحبون الحياة، وأضاف »شو بدك يا أخي، لبنان حلو«.
منارة الحرية
شاعر سوريا علي كنعان كانت له محطات من الذاكرة تمتد لنصف قرن في لبنان، في أوائل الخمسينات من القرن الماضي رأيت بيروت لأول مرة، وفي أحد مشافيها الجبلية المخصصة لعلاج الصدور المعطوبة أمضيت ثلاثة فصول، أجمل ما في ذلك المستشفى مكتبة تشغل أول غرفة فيه وتضم نحو ثلاثة آلاف كتاب، إن لبيروت الفضل الكبير في اطلاعي المبكر على روائع لا تنسى من التراث العربي والعالمي، بدءا من شعراء المعلقات حتى طه حسين والمازني والشابي وجبران وعلي محمود طه، ومن إلياذة هوميروس ــ ترجمة البستاني ــ إلى طاغور والخيام ولوركا وغاندي وهكذا تكلم زارادشت.
كانت سوريا يومئذ تحت الحكم العسكري برئاسة العقيد أديب الشيشكلي، وكان لبنان وعاصمته منارة للحرية والعلم والإشراق، فضلا عن مكانته الطبية المتقدمة، مجلتا الأديب والآداب، منبران مهمان لاحتضان إبداعات الشباب والكهول معا، ومجلتا الدبور والصياد من أهم المجلات السياسية الناقدة بسخرية مرة في الوطن العربي، إضافة إلى المسرح والسينما، بعيدا عن ضيق أوصياء الرقابة ولجانهم العشواء.
لكن الصراع العربي والعالمي لانتزاع بيروت من مكانتها الاستثنائية المنفتحة على الكون أوقع بيروت في أول محنة دامية، بغية ضمها إلى أحد المعسكرين المتطاحنين وخاصة أثناء حلف بغداد. من أجمل المواسم الثقافية في بيروت، أنشطتها المسرحية ــ والرحابنة في صدارة المشهد ــ وأفلام السينما العالمية وتلك اللقاءات الحميمة بين الأدباء العرب: توفيق يوسف عواد، غسان كنفاني، سهيل إدريس، نزار قباني، يوسف الخال، بدر شاكر السياب، خليل حاوي، إلياس خوري، عصام محفوظ.. وعشرات غيرهم،
وفي بيروت، وقبيل شهرين من سنة الهزيمة الحزيرانية، تم انعقاد مؤتمر الأدباء الأفرو ــ آسيوي تحت رعاية الزعيم العربي الراحل كمال جنبلاط، وقد دعا جميع الوفود إلى صومعته في »المختارة« المعلقة كأعشاش النسور في قمة الجبال، وكان الشاعران محمود درويش ويفتوشنكو نجمي ذلك المهرجان.
ويوم ضاقت بيروت عن احتضان مثقفيها، خلال موجة أقسى من الصراع، كان لنا لقاءات خاطفة في منزل الفنان التشكيلي الفلسطيني المتألق مصطفى الحلاج، وفي إحدى السهرات التي ضمت الروائي حيدر حيدر والكاتب الجزائري العفيف الأخضر وعددا من الشعراء الشباب في ضيافة الحلاج، طالت أحاديث الثقافة وأحلام المستقبل بعد أن تعب المتصارعون من القتال الدامي وآن لهم أن يستريحوا.
مقاهي الحمراء.. كانت واحة لألوان من اللقاء والحوار وحتى مواعيد العشق الجميل، بيروت.. لا يمكن أن تستسلم لآلة القتل والحصار المحيطة بها، وهي ستنهض كطائر الفينيق وستبقى المنارة العربية الأولى والأخيرة على ضفة المتوسط الشرقية، وليلها المحكوم بالقتل والتدمير والدخان لا بد أن يزول، وإذا كان الكاتب العربي لا يملك غير الكلمة المقهورة العزلاء،
فالأمل يبقى كبيرا بأن يتحرك العرب جميعا لإيقاف الكارثة وتخفيف أهوالها وآلامها، كارثة بغداد تمت بسكوت عربي ومباركة عربية خرساء، والأمل سيبقى بأن نتحرك جميعا لطرد هذا الوحش الصهيوني الضاري وتقليم مخالبه.. أو إبعاد أنيابه المسعورة عن لحم أطفالنا.
اللبنانيون.. عشاق القمر
للمسرح في لبنان حكاية أخرى، يتحدث عن بعض ذكرياته فيها المخرج والمسرحي الإماراتي صالح كرامة: ماذا حلّ بهم »عشاق القمر« يولين حداد.. شادي حداد، زملاء الفن.. في ذلك الوقت الذي ظهر فيه القمر ولم يختف قبل سنتين أقسمتُ أحضر افتتاح مسرحيتي »عشاق القمر«.. فحضرتًُ وكانت بيروت تزفني ويستقبلني مطارها، وغدوت ضيفاً صادقاً في حضوري في ضيافة المسرحيين اللبنانيين..
هؤلاء الناس الذين يحتفلون بالحب وكانت أول كلمة أسمها، تلك اللهجة التي تشبه الموسيقى: »وينك يا خييّ« لقد اشتقت لهم الآن، في وهج اليوم وفتك القصف، ولو قدر لي لزرتهم وسط الجحيم، ولرحت أسأل عن »يولين« وعن »شادي« وكل أصدقائي في هذه المحرقة، وتحت هذا الدوي لا أحد منهم يجب عن سؤالي، ولكن ما يغدو لزاماً للحزن المميت لعلهم يأتون في الأيام القريبة المقبلة.
أين »عشاق القمر«.. أيها القمر، وأصدقائي الذين كنت سامرتهم في الضياع وفوق جبل الشوف وعجلون ودهاليز بيروت الحجرية، حين تراقصوا فوق خشبة المسرح ممهلين بقدومي إليهم، ومع مرور الوقت لا يرتد ناحيتي سوى صوت حنجرتي، وأنا أبحث عن أبطال مسرحيتي، عن هؤلاء المخبولين بسر الحياة وبعشق المسرح.. ماذا حلّ بهم!
منذ أن خرجت الحياة تتوكأ في بيروت، وأنا أحاول أن استمع لصوت هؤلاء الأصدقاء، لعلي أميز صوتهم من بين الموجودات والركام، فلا شيء سوى غبار كثيف يحجب صمت الليل ويضعني في نفس التساؤل السابق: أين كل هذا الليل وقد أفل!! ولم يعد يخطأ في الطريق إلا أقدام تزحف باتجاه الهرولة في التبليغ العلني عن محرقة أتت على كل من يحلم بأن »عشاق القمر« هم الآن لعلهم يجدون قارباً يتخبط بذراع واحد، يقودهم إلى مرفأ وحيد، ويبحثون عن إكمال الرحلة التالية التي سوف تعيدهم بما يشبه الشكر الإلهي على النجاة.
أبوظبي ــ محمد الأنصاري: