تشغلني فكرة الطرقات حين اصطاد رائحة الموج والصحراء معا في شوارع دبي وهي تشعل حنينها الوارف، وتكنز مع بعض الهواء البارد المتبقي لهذا الشتاء الجاف ليلا، عليك أن تألف تلك المدينة تعتادها عن ظهر قلب، تتفق مع كل التغييرات التي تحدث ليلا لتجدها في الصباح مركونة لك بشكل عصري جدا،
في خاصرة الشوارع تصل بك فتنة الورود الممتدة لعدة كيلومترات إلى مخاض التأمل، الناس هنا يتناوبون منهم من ينام باكرا كالعمال الكادحين الذين يشكلون مئات الآلاف وينتقلون في باصات ضخمة في الصباح ليعجنوا الاسمنت على شكل ناطحات تلامس السحر بينما الزمن لا مساس له أمام البناء، وآخرون مثلي يعرفون لون الليل.
إنها فتنة المدينة التي تصر أن تمد يدها للتحولات، بينما تصطف في أركانها لوحات إعلانية ضخمة للمشاريع أو الشركات الكبيرة، تجد بداخلها أحيانا وجوه لنساء أو رجال بأحجام كبيرة جدا تشعرني كم أنا قزم أمامهم، تمنيت كثيرا بان يكون لدي وجه بهذا الحجم، وأحيانا أجد في تلك اللوحات فضاء المشاريع الضخمة والأبراج، فتسقط عيناي على أحد الطوابق لأتوسل حلمي بأن يشتري لي شقة واحدة أعيش فيها بقية حياتي مع نافذة افتحها على المدينة التي أحبها بطريقتي.
كل الطرق تبنى على عدة مسارات، تبتعد المسارات إلى البداية في كل مرة، تضج بك الوجوه من مختلف جنسيات الدولة، تدخل معك الاتجاهات والأشياء الصغيرة، تشاركك الإشارات الحمراء، البيوت، المقاهي، والمطاعم، مترفعة خلجاتنا مع المدينة حين يدهننا الزحام،
وأتساءل وقتها لماذا كل شوارع المدينة هي البداية، تمر على شارع الشيخ زايد لتفقد الإحساس بالزمن وتدنوا عيناك في بهجة المكان، إنها السيارات المتربصة ببعضها توزع قلقها بين الوجوه، بينما زجاج الأبراج تحيك لك حواف الشمس أو الضوء ليلا.
تنتحب رقعة الطرقات كما الشطرنج وهي تتلون بالسيارات، شاهدت الكثير من اللقطات التلفزيونية للقاهرة ونيويورك وغيرها من المدن، فانا أتفاعل دائما مع الزحام، فهو يجعلني اقرب لعنوان مجموعتي الشعرية »زحام لا أحد فيه« التي أرسلتها إلى دائرة الثقافة في الشارقة منذ شهور حيث يغزوها الغبار الآن ربما، كل هذا من أجل أن تنشر،
بينما الأصدقاء وقراء موقعي الإلكتروني ينتظرون توقيعي الذي لم يتغير منذ أول حب طفولي في حياتي قبل عشرات السنوات على الكتاب، لنعود إلى المدينة فهي رفيقتي وأنا أحبها كما أحب أكل الفاصوليا التي يحبها الفقراء، مشيت بين الطرقات كل ليلة حين كنت من سكان الشقة رقم 314 قبل سنوات، وقطعت مرارا شارع الرقة إلى الطرف الآخر حيث محل الانترنت،
أثناء عملي في دبي إف إم رافقت بداخلي الصور اليومية من الشرطي الذي كان يحرس بعينيه الوجوه ويطالع في كل صباح وجهي ليتأكد من صلاحيته ويسمح لي بدخول مبنى التلفزيون، إلى زملاء العمل الجميلين ومشاركتنا الفطور اليومي والصحف.
كنت اركب التاكسي، الناس لا ينتبهون لركاب سيارات الأجرة كثيرا، لذا كانت حصيلتي في التمعن في الوجوه مربكة، بينما أحاديثي مع السائقين كانت أكثر رحابة، فهم أكثر الناس معرفة بالمدينة ونزوحها اليومي في التفاصيل، كتبت الكثير من القصائد والأعمال مع صوت الموسيقى التي لا تهدأ في شقتي، كنت وحيدا سوى من صوت قطرات الماء من الأنبوب الداخلي.
في دبي أحب أن أكون بطريقتي، اعرف بحر جميرا، اعرف أي موج لديه صوت يشبه نبض قلبي، اعرف بالضبط كيف أحول الرمل إلى ملهى للصمت، وارسم المحاق، كتبت هناك في نفس الفضاء مسرحيتي »اليوع كافر« وهناك أيضا فكرت كثيرا في رأس الخيمة وفي غرفتي التي تطل نافذتها على الجدار وفي عشرات الكراتين الصغيرة التي تحمل دفاتر كتاباتي وذكرياتي.
في دبي لا شيء يشبه الآخر، كما في المدينة سيارات الإسعاف وهي تهطل بصوتها، هناك أيضا حدائق، ومراكب، وكراسي، وصورة كبيرة للمغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان تفيض بي شرفا كوني إماراتيا كلما مررت من هناك.
www.alwjh.com