لعب بيليه مع فريق الجيش أثناء أدائه للخدمة العسكرية الإلزامية واختير في شهر نوفمبر 1959 بين الأحد عشر لاعباً الذين سيشاركون في البطولة العسكرية لكرة القدم في أميركا الجنوبية. وفي المباراة مع الجيش الأرجنتيني في ريو تعرّض للطرد من الملعب للمرة الأولى. يقول: «لقد عرفت الطرد للمرة الأولى في حياتي من الملعب. كان أحد اللاعبين الأرجنتينيين قد قرر أن يزعجني ويلاحقني ويحاول شدّي في كل مناسبة.

بعد فترة فقدت صبري وضربته بقدمي على قصبة ساقه، مما أثار مشاجرة عامة». ويضيف «هناك دائماً نوع من التوتر بين البرازيل والأرجنتين». وانتهت تلك المباراة بفوز البرازيل بهدفين مقابل هدف واحد. ويروي «بيليه» أنه أثناء سفرته الثانية إلى أوروبا، بعد السفرة الأولى التي قام بها في إطار بطولة كأس العالم، قام برفقة فريقه بزيارة مصر أيضاً و«زار الأهرامات وركب على ظهر الجمل هناك». وكانت الطائرة قد حطّت قبل ذلك في بيروت، حيث هددوه بالخطف.

لماذا؟ يقول: «قبل الذهاب إلى القاهرة، وأثناء هبوط الطائرة في بيروت، اجتاح جمهور غفير المطار وهدد بخطفي إذا لم نقبل اللعب ضد فريق لبناني. وتوجب على رجال الشرطة أن يتدخلوا بحزم كي تستطيع الطائرة الإقلاع من جديد إلى مصر». في مطلع سنوات الستينات كان «بيليه» في أوج ازدهاره في الملاعب، بعد فترة نقاهة إثر إصابته بجرح بسيط في الكتف.

ويروي أنه في شهر سبتمبر من عام 1961 سجل 33 هدفاً في ست مباريات «حتى أنا صعب علي تصديق ذلك». وكان قد سافر في شهر يونيو مع فريق سانتوس إلى أوروبا. وكان قد وصل بعد الفريق إلى مدينة «بال» السويسرية.. فما كان من المسؤولين عن تنظيم المباراة سوى أن قاموا بلصق شريط على الإعلان في الشوارع وكتبوا عليه: «لقد وصل بيليه، وسوف يشارك في اللعبة. واضطر إلى اللعب رغم أن كتفه لم يكن قد شفي تماماً. وسجّل خمسة أهداف بينما سجل زميله «كوتينو» هدفين وفاز الفريق البرازيلي بثمانية أهداف مقابل هدفين.

يقول بيليه: «اجتاح المشجعون السويسريون الملعب وحملوا فريق سانتوس على الأكتاف. وكان من بين الذين حملوهم لاعبان أسودان على أساس أنهما كوتينو وأنا، بيما كنا نحن قد أصبحنا في قاعة تبديل الملابس. وعندما أدرك السويسريون خطأهم أنزلوا اللاعبين عن أكتافهم ورددوا باللغة الفرنسية: هذا ليس بيليه، هذا ليس بيليه».

ثروة وطنية

لقد أصبح بيليه «أيقونة وطنية» حقيقية في البرازيل.. وصدر كتابان عن قصة حياته، بل شارك هو نفسه في فيلم وثائقي عن حياته يحمل عنوان: «أنا بيليه». واهتمت النوادي الرياضية كلها به بينما انهالت عليه العروض السخية من الأندية الأوروبية. وعرض عليه نادي «انتر ميلان» عقداً بقيمة 40 مليون كروزيرو، أي ثروة حقيقية. لكنه رفض ذلك العرض، ثم ما كان لنادي سانتوس أن يتركه بفعل ذلك. وكان البعض يرون وهم يضحكون بأن البرلمان البرازيلي قد أعلن أن «بيليه ثروة وطنية غير قابلة للتصدير».

ويروي بيليه أنه عندما قدم نادي «سانتوس» للمشاركة في دوري بتورينو بإيطاليا، كان بصحبة رئيس ناديه على مأدبة عشاء دعاهم إليها أمبرتو انيللي، مالك شركة فيات لصناعة السيارات ورئيس نادي جوفنتوس، وقال له: «هل أنتم مستعدون للتفاوض حول تحويل بيليه إلى تورينو؟» فأجاب البرازيلي: «بيليه غير قابل للتفاوض..

وهو أغلى من قدرة شرائه» فقاطعه انيللي قائلاً: إذا بدأنا بمليون دولار؟ وهذا ما يعلق عليه بالقول: «لا يمكنكم أن تتخيلوا ما كان يمثله ذلك المبلغ آنذاك». ورفع «انجيلي» العرض إلى ما يعادل عدة عشرات من ملايين الدولارات.. ولكن لا فائدة.. هذا مع العلم أن فريق «سانتوس» كله كان يأخذ خمسة آلاف دولار كي يلعب في الخارج.

فضل بيليه البقاء في البرازيل، حيث كان دخله جيداً وبدأ بتقديم الدعايات لبعض المنتوجات.. وبدا أنه أصبح غنياً جداً ويحكي أنه تلقى ذات يوم رسالة جاء فيها: «عزيزي بيليه، أتمنى أن تشتري لي سيارة جديدة وآخر طراز. فأنا سائق سيارة أجرة وعلي تبديلها». ولم يتخلف بيليه أبداً عن مساعدة أهله وأصدقائه.

الاستعداد لكأس العالم كانت التحضيرات لبطولة كأس العالم لكرة القدم عام 1962 على قدم وساق، وكان البلد المضيف هو تشيلي.

وقد اقتضت القواعد المطبقة على أن تلعب البلاد صاحبة اللقب المباراة الأولى. يقول بيليه: «كان الحدث الأهم بالنسبة لي في عام 1962 هو الإحساس ببعض الألم في ثنية الفخذ بسبب العدد الكبير للمباريات التي لعبتها»، وكان صديقه في اللعب «غارنشيا» يردد القول له: «لا انك لن تتخلى عني أليس كذلك؟»، لقد تصرف كصديق حقيقي، وقبل المباراة الأخيرة في المجموعة الثالثة بين البرازيل وإسبانيا طلب بيليه من طبيب الفريق أن يعطيه «مسكنا» كي يلعب.. لم يقبل الطبيب وكانت اجابته قاطعة: «عليك أن تتابع العلاج وانتهى النقاش، إنني لن أعطيك مهدئاً للألم لأن هذا قد يخرب حياتك، اعرف أن هذا هو كأس العالم وأنك لاعب استثنائي، لكنني لن أغير رأيي».

حاول زملاؤه أن يرفعوا معنوياته والتأكيد له: «أن الأمر بسيط وسينتهي، فلا تقلق». ولكن كان العلاج يقضي أن يبقى ممداً لمدة خمسة أيام، هكذا شاهد مباراة البرازيل وإسبانيا على شاشة التلفزيون، يقول بيليه: «عندما أحسست بأنني أمتلك القوة الكافية للوقوف واجهت مفاجأة سيئة جداً إذ لم تستطع ساقي حملي، خشيت أولاً أن يكون بقائي دون حراك مدة طويلة قد جعل وضعي أكثر سوءاً، لكنني كنت بعد ذلك بثلاثة أيام أقف على ساقي، لحسن الحظ. لم تكن ساقي تؤلمني كثيراً واستعدت الأمل بأنني قد ألعب من جديد ذات يوم.. وأخذت أتدرب بهدوء بواسطة كرة واستعدت شيئاً فشيئاً ثقتي بنفسي».

وبتاريخ 10 يونيو 1962 واجهت البرازيل انجلترا في الدور ربع النهائي وانتصرت عليها بثلاثة أهداف مقابل هدف واحد، ثم واجهت تشيلي يوم 13 من الشهر نفسه في الدور نصف النهائي.. كان بيليه على خط التماس ولا يفكر إلا بشيء واحد هو أن يسمح له مدربه باللعب في المباراة النهائية إذا تأهلت لذلك، ويصف بيليه بكثير من الحماس والمودة زميله وصديقه في اللعب غارنشيا بالقول انه «زعيم وهداف ومراوغ لا يضاهي ولاعب ذو تواضع كبير بهرت تسديداته ومهارته في الملعب العالم كله».

لقد سجل «غارنشيا» هدفين في تلك المباراة مع تشيلي قبل أن يطرده الحكم من اللعب بسبب رد فعله العنيف على المضايقات المستمرة الصادرة من اللاعبين التشيليين حياله.. ولم يقتصر الأمر على طرده، بل أنه عندما كان يهم للخروج من أرض الملعب ألقى أحدهم زجاجة فارغة عليه أصابته في رأسه مما سبب جرحاً استوجب عدة غرز ولكن رغم ذلك تأهلت البرازيل للمرة الثانية من أجل خوض المباراة النهائية لبطولة كأس العالم التي كانت قد فازت بها قبل أربع سنوات في السويد عام 1958.

كان الفريق الخصم الآخر الذي وصل إلى الدور النهائي هو الفريق الوطني التشيكوسلوفاكي بعد أن فاز، خلافاً لجميع التوقعات، على الفريق اليوغسلافي في الدور نصف النهائي بثلاثة أهداف مقابل هدف واحد. يقول بيليه: «نظراً لأن الألم كان قد اختفى تماماً تقريباً ألححت على أن أشارك مع زملائي في التدريب الأخير قبل المباراة، وكان ذلك بمثابة اختبار جيد من أجل اتخاذ القرار بمشاركتي في المباراة الحاسمة».

عودة الاصابة

يتذكر بيليه أن زميله في اللعب «باول امارال» كان إلى جانبه عندما هم بتنفيذ ضربة حرة يقول: «أحسست عندها بذلك التمزق المعروف عند ثنية الفخذ، لكن كان الألم في تلك المرة أكبر بكثير مما كنت قد عرفته سابقاً. لقد فهمت على الفور أن مباراة البرازيل ـ تشيكوسلوفاكيا سوف تجري بدوني، إذ كنت بالكاد أستطيع المشي».

كان حزنه كبيراً في تلك اللحظة كبيراً، «لقد بكيت دموعاً حارة وليس بسبب الألم البدني الذي كنت أعاني منه فحسب، بل بسبب ما كان يحتويه ذلك من الظلم، إذ كنت قد ناضلت يوماً بعد يوم من أجل النادي الذي ألعب فيه، ومن أجل بلادي ومن أجل الجيش أثناء خدمتي فيه وها أنا أجد نفسي على خط التماس «خارج الملعب» قبل المباراة الثانية الأكثر أهمية في حياتي» يقول بيليه: لقد أحسست بحالة من الضياع الكامل وطلب من المسؤولين عن الوفد أن يسمحوا له بالعودة إلى بيته كي يضمد جراحه، لكنهم أفهموه بأنه يمكن أن يكون مفيداً وحتى لو لم يشارك في اللعب فمجرد وجوده يشكل دعماً معنوياً كبيراً لزملائه على أرض الملعب، ثم أفهموه بأن وجوده في البرازيل لا يخدم في شيء..

وأضاف «باولو» حجة أخرى من أجل بقائه عندما قال: «إذا تابعنا التكتم وزرع الشكوك حول إمكانية مشاركتك في اللعب، فإن هذا سيجعل خصومنا مترددين حول تشكيل الفريق الذي سيلعبون به حتى اللحظة الأخيرة، حتى لحظة دخولنا إلى الملعب، اقتنع «بيليه» بالحجج المقدمة وقبل بالبقاء. كان محكوماً عليه بعدم اللعب لكنه شارك بنشاط في جميع الاجتماعات وقدم آراءه وشجع زملاءه الذين سوف يخوضون «معركة» الحصول على كأس العالم لكرة القدم للمرة الثانية.

يقول مع ذلك: «لقد آلمني كثيراً كوني مرغماً على أن أنظر إلى ما يجري على الملعب دون أن أستطيع عمل أي شيء، وحضور المباراة من الخارج مثل أي متفرج كان صعباً جداً بالنسبة لي». أبدى اللاعبون البرازيليون شجاعة كبيرة للاحتفاظ بالكأس في بلادهم، وكانت النتيجة هي ثلاثة أهداف لصالح البرازيل مقابل هدف واحد لتشيكوسلوفاكيا، كانت فرحة بيليه كبيرة بالفوز، لكن كان هناك ما يشغله بنفس الوقت.

الشك

يقول: «كان دور أماريلدو، الذي لعب بديلاً مني، حاسماً إذ انه سجل هدف التعادل بعد دقيقتين من الهدف التشيكي عند بداية اللعب، فهل سوف يصبح بيليه جديد؟

ورغم فرحي بانتصار فريقنا لم أستطع منع نفسي من أن تساورني بعض الشكوك حول مكاني في المنتخب الوطني، بل وحتى حول مستقبلي كلاعب كرة قدم».

ويضيف بيليه: «كان عمري 21 سنة وكنت عندها معروفاً في العالم كله لكنني لم أنس مع ذلك أصولي ولا الدروس التي لقنني إياها أهلي والتي أرشدتني دائماً وهي أن أكون مهذباً ولطيفاً مع الجميع ومستقيماً ومسؤولاً، ومتواضعاً ودؤوباً ومتفانياً في كل ما أفعله. هذه المبادئ التي أنقذتني عام 1962، أنا مدين بها لأهلي». ولا يتردد في أن يؤكد ضمن نفس السياق أنه لم يتغير رغم الحفلات والبهارج والمجد، وهذا ما جعله قادراً على تجاوز الإحساس بالحرمان الذي عانى منه أثناء مباريات كأس العالم لعام 1962.

ويعيد بيليه شفاءه العاجل إلى أهله وأصدقائه وزملائه في فريق نادي سانتوس. «لقد أظهر الجميع دعمهم لي عندما كنت في الشيلي وعند عودتي إلى البلاد كان البرازيليون حاضرين إلى جانبي». وكانت عودة بيليه الظافرة إلى اللعب أثناء المباراة ضد فريق نادي «بينارول» من الاورجواي على بطولة نوادي جنوب أميركا جرت تلك المباراة في بيونس ايرس بالارجنتين وسجل بيليه فيها هدفين من أصل أهداف الفوز البرازيلية الثلاثة، ويومها اجتاح المعجبون الأرجنتينيون أرض الملعب عند نهاية المباراة وانتزعوا كل ثياب بيليه: «نعم، أقول جيداً كل ثيابي» يؤكد بيليه، وكانت تلك هي المرة الأولى التي يفوز فيها فريق برازيلي بذلك الكأس.

وقد أهل ذلك الفوز فريق سانتوس كي يلعب ضد فريق «بينفيكا» البرتغالي بطل أوروبا لعام 1962 من أجل كأس القارات، فاز فريق بينفيكا بمباراة الذهاب بثلاثة أهداف مقابل هدفين مما جعله الأوفر حظاً من أجل مباراة الإياب الحاسمة في لشبونة. ويصف بيليه تلك المباراة بالقول: «كانت دون شك أحد أجمل المباريات التي لعبها فريق سانتوس، ودون شك الأفضل في مسيرتي كلها».

سجل بيليه بعد انطلاق المباراة بقليل اثر تمريرة من زميله بيب هدفه الأول، ويقول عن هدفه الثاني: «كان هدفي الثاني متعة خالصة إذ راوغت خمسة لاعبين قبل أن أرسل الكرة إلى زاوية مرمى الخصم، مما أثار تصفيق مشجعي فريق بينفيكا أنفسهم». انتهت المباراة بفوز البرازيل بخمسة أهداف مقابل هدفين. «كانت مباراة بعثي من جديد في الملاعب» يقول بيليه.