قال جوست فونتين، اللاعب الفرنسي وأفضل هداف في مباريات بطولة كأس العالم لعام 1958 في جملة له: «عندما رأيت كيف يلعب بيليه جاءتني الرغبة بالاعتزال».
ويقول بيليه: «كانت بطولة كأس العالم لعام 1958 هي نقطة انطلاقي الحقيقية». فبتلك المناسبة ظهرت صوره على الصفحات الأولى من كبريات الجرائد العالمية. وكرست له آنذاك مجلة «باري ماتش» الأسبوعية، الأكثر شهرة وانتشاراً في فرنسا في تلك الفترة، مقالها الرئيسي الذي أعلنت فيه عن وصول ملك جديد إلى عالم كرة القدم.
أثارت تلك التسمية الكثير من الانفعال وبدأ المقربون منه ينادونه ب«الملك بيليه»، أما الأكثر قرباً وحميمية فأصبحوا ينادونه ب«الملك». يقول: «كان أصدقائي يقولون لي بأنني ملك بالفعل، ذلك أن الشعب هو الذي كرسني كذلك».
كانت رحلة العودة بعد أمجاد ستوكهولم طويلة جداً زمنياً، إذ «كنا نريد العودة بأسرع ما يمكن». وما أن فتحت أبواب الطائرة بعد الوصول إلى مطار «ريسين» في شرق البرازيل حتى انفجرت عاصفة من التصفيق في الخارج، رغم الأمطار التي كانت تنهمر، وحمل الجمهور اللاعبين على الأكتاف واحداً بعد الآخر، لكن ذلك كله «لم يكن شيئاً بالمقارنة مع ما كان ينتظرنا في ريو دي جانيرو بعد ساعات عدة»، كما يقول بيليه.
وكانت المفاجأة عند الوصول إلى ريو هي أن السناتور «اسيز شاتوبريان» مالك الصحف والإذاعة والتلفزة، قد استقبل جميع الوفد البرازيلي من لاعبين ومدربين وإداريين في مقر مجلة «كرو زيرو» أكبر المجلات البرازيلية آنذاك، وهناك كانت عائلاتنا تنتظرنا، كان أبي دوندينو، لا يقوى على الحديث من شدة الانفعال، وقبلتني أمي والدموع تملأ عينيها.
وقد حاولت عبثاً أن تسيطر على انفعالاتها وهي تقول لي بصوت مرتجف: مبروك ديكو ـ أول لقب أطلقه المقربون على بيليه وأصرت عليه والدته دائماً، لقد قالت لي بدموعها إنها قد اشتاقت لي كثيراً وان مدينة بورو كلها قد عاشت عيداً كبيراً بعد انتصارنا وان جيراننا كلهم قد غفروا لي ما كنت قد سببته من قطع أسلاك الكهرباء بعد أن جلبت كأس العالم للبرازيل.
وقد فهم بيليه، عند ذلك اللقاء بأهله أن والدته سيليست قد قبلت أخيراً أن يمكن للرياضة أن تكون مفيدة بالنسبة لأسرتها، أما أبوه فربما أن حسرته حيال عدم قدرته على استكمال مسيرته كلاعب كرة قدم محترف قد زالت في ذلك اليوم. «كنت سعيداً لرؤيته فخوراً بي إلى تلك الدرجة» يقول بيليه.
كان العيد في اليوم التالي بمدينة ساو باولو، «كان الحال شبيهاً بالجنون، إذ بدا أن البرازيل كلها قد جاءت تحتفل بأبطالها، كان الناس يصرخون ويرقصون ويغنون أثناء مرورنا أمامهم ويلقون القصاصات الملونة فوق رؤسنا كالمطر المتساقط من النوافذ، كان الجميع يريدون تقبيلنا والشد على أيدينا، وقد عبّر الشعب البرازيلي عن فرحته المستمرة خلال أيام عدة متتالية.
كانت تجربة مؤثرة وفريدة في الوقت نفسه، إذ أننا فزنا بكؤوس عالمية أخرى، ولكن كانت هناك مرة أولى فقط»، هكذا يصف بيليه ما عاشه في البرازيل بعد عودته الظافرة مع فريقه الوطني من السويد.
العودة الى البيت
وبعد جولة قام بها «بيليه» مع زملائه شركاء الفوز في السويد، «زيتو» و«بيب» توجه إلى مدينة «بورو» حيث توجد الأسرة. يقول: «كانت قد جاءت اللحظة الأكثر عذوبة بالنسبة لي بعد نهاية الواجبات الرسمية لحظة عودتي إلى بيتنا وإلى أسرتي». كان قد ترك «بورو» منذ عامين إلى سانتوس، وقد غادرها «مراهقا مجهولا» في الوقت الذي كانت فيه مسيرته المهنية كلاعب كرة قدم في بدايتها، وها هو يعود إليها و«ميدالية كأس العالم معلقة بعنقي»، كما يقول، ثم يضيف: «كان الأمر يكاد ألا يصدق، كان أكبر من أن يكون حقيقياً».
وعندما كان في طريقه بالطائرة إلى «بورو» كان يعاني من الاضطراب إذ لم يكن يعرف ماذا ينتظره هناك، وقال لنفسه ان المدينة كلها تنتظره في المطار، لكن تلك الفكرة بدت له مضحكة، مع ذلك عندما حطت الطائرة على أرض المطار كان الآلاف يصفقون له، وكانوا قد أعدّوا له سيارة، أعادوا دهنها من جديد خصيصاً للمناسبة، كي يقوم بجولة في المدينة.
حيث شاهد الكثير من الوجوه المألوفة بالنسبة له، لقد اقتادوه إلى ساحة البلدية، حيث نُصبت منصة كبيرة، ولقد ألقى رئيس البلدية كلمة هناك رحب فيها باسم السكان كلهم بابن المدينة «بطل العالم»، وقدموا له العديد من الميداليات، وكانت أمه قد سلمته واحدة منها، «كان يُفترض أن تتوجه بكلمة للحضور، لكنها لم تستطع الكلام واكتفت بتقبيلي والدموع في عينيها»، يقول بيليه.
وعندما انتهت كلمات الترحيب والتكريم كانت هناك «مفاجآت أخرى» تنتظره.. فلنقرأ ما يقوله عنها: «كانت هناك مفاجآة أخرى أكثر استثنائية بين جميع المفاجآت.. إذ على منصة أقل ارتفاعاً من التي كنا نجلس عليها كانت هناك كتلة متطاولة مغطاة بالقماش. أدركت في الحال انها سيارة (...) وتصورت شكل تلك السيارة تحت غطائها. فهل يمكن أن تكون سيارة مكشوفة؟
وتخيلت نفسي وأنا أقودها على شاطئ البحر في سانتوس، لكن كان علي أولاً أن أحصل على رخصة القيادة، عندما رفعوا الغطاء كم كانت دهشتي كبيرة، وكذلك خيبتي، لقد وجدت أمامي دراجة بثلاث عجلات كانت شعبية جداً آنذاك».
عندما استيقظ بيليه في اليوم التالي وجد الدراجة أمام البيت إذ كان أحد موظفي البلدية قد جلبها خلال الليل. «لقد جلست في معقد السائق، إنها لي، لي أنا مع اني لم أكن قد بلغت سن الحصول على رخصة القيادة، لكن هذا سيأتي في الوقت المناسب.
لقد أدرت المقود ولعبت دور السائق مثل طفل يتسلى بلعبته الجديدة. مع ذلك كنت قد قررت ماذا سأفعل بها» كما يروي.
كان قد قرر أن يعطيها لأبيه، لم يقبل «دوندينو» في البداية، وأصر بعناد أنها هدية «بيليه» وليست «هديته».. وعندما هدد بيليه أنه سيبيعها، كي يمارس ضغطاً على أبيه ليقبلها، قال هذا الأخير: «حسنا، اقبل الاحتفاظ بها لكنك أنت مالكها وسوف تأخذها معك إلى سانتوس بأسرع ما يمكن».
كان ذلك الفوز بكأس العالم قد غير جذرياً من حياة أهل «بيليه» إذ أصبحوا من بين المدعوين إلى احتفالات ما كان لهم أن «يضعوا فيها قدمهم» من قبل، وكان ذلك يقتضي امتلاك أمه لـ «ثوب سهرة» وأبيه لـ «بزة رسمية». «كان التغيير بعيدا إلى درجة أنه كان من الصعب قليلاً بالنسبة لهما التأقلم معه، كما يؤكد بيليه.
وماذا عن بيليه نفسه؟
يقول: «إن شخصيتي تكونت في الرياضة، واليوم يريد الكثير من الشباب الوصول إلى الشهرة فقط، وعندما يبلغونها تتغير طباعهم تماماً، ولا ينتابني الشعور بأنني قد تغيرت بعد فوزي بكأس العالم، كنت دائماً، ديكو، من سكان سانتوس مع أصدقائي أمارس ما أحبه أكثر من أي شيء آخر، أي ألعب بكرة القدم».
وبعد بطولة العالم كانت هناك بطولة ساو باولو التي كان فريق سانتوس قد فاز بها عام 1956 ثم انتزعها منه فريق بالميراس في العام التالي، كانت البطولات على أساس المناطق، ذلك أن مساحة البرازيل الشاسعة جعلت من غير الممكن تنظيم «بطولة وطنية» كانت النتائج التي حصل عليها فريق سانتوس مع بيليه مذهلة وصلت أحياناً إلى 10 ـ صفر و9 ـ1 و 7 ـ 1.
يقول بيليه: «لقد سجلت 58 هدفاً في 37 مباراة مما ساعدنا إلى حد كبير للفوز في البطولة». ثم أخذت كرة القدم البرازيلية بعداً عالمياً، و«فجأة أصبح الموديل البرازيلي» أي «لعب كرة القدم على إيقاع السامبا» آخر موضة في عالم هذه اللعبة الشعبية.
الحب الأول
وبعد عدة أشهر من كأس العالم كانت هناك مباراة مهمة لفريق سانتوس ضد فريق نادي «كورنثيانز» وبما أن اللقاء كان صعباً جرى وضع اللاعبين في «معسكر» كي لا يهتموا بأي شيء خارج اللعبة، مثل الفتيات مثلاً. «بالطبع من السهل أكثر القول بعدم الاهتمام بالفتيات أكثر من فعل ذلك، على الأخص بالنسبة للاعبي كرة القدم البرازيليين، صدقوني» يؤكد بيليه.
وذات مساء بعد العشاء اقترح بيليه الذهاب لمشاهدة مباراة بكرة السلة كانت تجري بين فريقين نسائيين بقاعة الألعاب. احدهما من سانتوس والآخر من ساو باولو. يقول بيليه الذي ذهب إلى القاعة برفقة أربعة من زملائه: «جاءت عدة لاعبات كرة سلة للدردشة معنا، سوى واحدة لم تتحرك عن مقعدها، وقد فاجأتني وأنا اتملاها من بعيد؟ فخفضت نظري بانزعاج. وعندما رفعت رأسي كانت بجانبي، وقالت:
« ـ مرحباً، أنت بيليه، أليس كذلك؟
ـ نعم، أنا هو( مسروراً لأنها عرفتني).
ـ كن لطيفاً مع فريق كورنثيان، غداً».
أمضى بيليه اليوم التالي وهو ينظر إلى منصة المشاهدين أكثر مما ينظر إلى الملعب لعله يراها، لكنها لم تأت.. مع ذلك التقاها صدفة بعد ذلك وعرف انها من سكان سانتوس، وعرف أنها تعمل في مخزن لبيع الاسطوانات الموسيقية، ولم يتخلف عن الذهاب لرؤيتها وعندما سألها لماذا طلبت منه أن يكون لطيفاً مع فريق كورنثيان، أجابته: «لأنني من أنصاره. ثم انني لا أحب كرة القدم كثيراً».
ورغم هذه البداية «غير المشجعة» وافقت على أن تراه بعد ذلك بشرط واحد يصيغه «بيليه» بالجملة التالية: «إذا أردت حقيقة التحدث إليها، بسبب أنها لا تزال صغيرة على مرافقة الصبيان، فعلي الذهاب إلى بيتها في يوم سبت». ويضيف: «وكشاب شجاع، أطعت. هكذا رأيت نفسي ذات يوم أمام بيتها بعد أن لمّعت حذائي وقلّمت أظافري ونظفت نفسي بينما كان الفرح يطفو على وجهي».
كان أهل «روز» وهذا هو اسم الفتاة، لطفاء. لكنهم رغبوا بأن تبقى علاقة بيليه بابنتهم غير علنية» كي لا تزحم الصحافة حياتهم.
ويؤكد بيليه أنه أراد الزواج منها. يقول: «لقد أردت أن تصبح زوجتي، لا شك في ذلك»، لكن الخدمة الإلزامية في الجيش البرازيلي أبعدته عنها.
في الحلقة الأولى
يروي بيليه عن ولادته يوم 23 أكتوبر 1940 في بيت متواضع مبني من أحجار القرميد التي جرى جمعها من هنا وهناك وهو معرّض للانهيار في أي لحظة، وقالت جدته إنه يوم ولادته كان طفلاً صغير الحجم جداً، وقال عمه جورج: «بكل الحالات أنه أسود تماماً»، أما والده فقد أمسك بساقي بيليه النحيلتين وقال: «سوف يصبح لاعب كرة قدم كبيراً».
ويروي بيليه كيف تغيرت حياة العائلة نحو الأفضل بعد أن أصبح والده عام 1944 لاعب كرة قدم في نادي بورو لكرة القدم وموظفاً في الحكومة المحلية مما يعني إيجاد مصدر دخل ثابت للعائلة.
كما يروي بيليه كيف أنه بدأ يعمل ماسحاً للأحذية وهو بعمر 7 سنوات لمساعدة عائلته الفقيرة، لكن مشكلته أن والدته اشترطت عليه العمل في حيهم فقط وعدم الذهاب للأحياء الراقية، وكان نصف سكان الحي من الحفاة، ولذلك كان يطرق الأبواب لتلميع الأحذية. ويروي بيليه بداية ولعه بكرة القدم وتأسيس فريق يضم أصدقاءه من أبناء الحي الذين كانوا يلعبون الكرة حفاة في الشارع.
في الحلقة الثانية
يروي بيليه كيف كان يذهب لتشجيع والده اللاعب، وكيف أضاع والده فرصة تسجيل هدف فشتمه أحد المتفرجين فرد عليه بيليه وشتم المشجع الكبير مما تسبب في حدوث معركة في الملعب بين المشجع وأنصاره وبين المدافعين عن بيليه ووالده.
كما يروي السبب وراء إطلاق اسم بيليه عليه وهو الاسم الذي كان يطلق على أحد حراس المرمى في فريق سارلورينو الذي كان يلعب مع والد بيليه، ويتذكر كيف أن والده وجميع أصدقاء والده بكوا بعد خسارة البرازيل في نهائي كأس العالم 1950 فذهب بيليه إلى والده وقال له: ذات يوم سأفوز بكأس العالم من أجلك!
ويسرد بيليه في الكتاب بداية ممارسته الكرة كلاعب في فريق الناشئين ودور الديمار أول مدرب في حياة بيليه، ثم تحول بيليه إلى نادي سانتوس وبداية الفوز بالألقاب ثم الاستدعاء للمنتخب الوطني والفوز بكأس العالم 1958 وهو بعمر 17 عاماً.
