التراث بحر زاخر بالنصوص الإبداعية المختلفة من قصص وأشعار وأساطير، وفي السنوات القليلة الماضية أصبحت الكتابة عن التراث،وعلى النسق التراثي تجارة رابحة، فتزايد اتجاه الأدباء إلى استلهام التراث وصناعة نسق مواز لنسق النصوص التراثية، لكن الملفت للنظر هو تعدي البعض على التراث بالاقتباس المشين،أو النقل دون الإشارة إلي المصدر الأصلي وهو ما يعتبر سطواً مع سبق الإصرار وحول انتشار ظاهرة العودة إلي التراث يرى بعض النقاد أنها ترجع إلى شعور المجتمع الأدبي بالفجيعة في جيل يحاول الإبداع منذ ربع قرن، لأن ثقافة كتّاب هذا الجيل بدت متواضعة، فعلت الصرخة من ضحالة التكوين الثقافي للأدباء.
وكان رد الفعل لما كثرت الأسماء مع هشاشة الحصاد هو محاولة بعض الجادين من المبدعين تفادي هذا النقص،الذي أتهم به غيرهم،فعادوا إلى الروافد الثقافية الأصلية خاصة الجانب التراثي منها، لكنهم للأسف وقعوا في خطأ آخر يتمثل في أمرين هما، حصر القراءة في مجال بعينه والانبهار بالمقروء.
ولذلك ترى كاتباً ما مفتوناً بشخصية تراثية معينة أو حقل ثقافي واحد،كما يمكنك القول أن القراءة في الموروث الصوفي أصبحت «موضة» ويمكن تفسير هذه الموضة نفسياً، فنحن نعيش في عصر مكشوف، ومحاولة للاعتصام بمنطقة مغلقة لها بعض الخصوصية لا يجدها الكاتب إلا في الدراسات الصوفية، وكأنه بذلك يمنح ذاته إحساساً بالتحصين النفسي من الانكشاف، والظاهرة لا تخلو من إيجابية ملحوظة، لكن يجب ألا يتوقف الأمر عند مجرد استدعاء التراث إنما ينبغي أن يتجاوز ذلك إلى توظيفه فنياً.
الكاتب المسرحي يسري الجندي يرى أن التعامل مع التراث عامة أو التاريخ خاصة تحكمه أكثر من ضرورة: أولاً: العلاقة التي لابد منها بين الماضي والحاضر والمستقبل ثانياً: قضية الشكل الفني المنفرد الذي نسعى إليه في الإبداع عموماً وفي الدراما خصوصاً، فالتفرد تساعدنا عليه عوالمنا الخاصة التاريخية والتراثية أما القاص يوسف الشاروني فهو يرى أن المبدع يجب ألا يقطع صلته بتراثه، ليس بهدف اتخاذه مصدراً للإبداع وإنما للمعرفة عامة، فالتراث هو ذاكرة الأمة.
ومن يفقد ذاكرته يفقد شخصيته لكننا للأسف نلمح بعض الأدباء يقتبسون قصصاً بأكملها من التراث، وهناك نصوص تتخذ نفس النسق التراثي، وهذا ادعاء ويعتبر من وجهة نظري سرقة ويعتقد الروائي محمد جبريل أن الرفض المطلق للتراث العربي كانت له آثاره السلبية، من حيث فقدان الشخصية الفنية المميزة، ومن حيث التبعية للفكر الغربي، وبالتالي فإن الدعوة إلي الارتباط بالتراث وإحيائه والتواصل معه في الأعمال الفنية المعاصرة، هي دعوة صحيحة وإيجابية.
لأنها تمثل خطوطاً مؤكدة في سبيل استرداد الذات وإعادة اكتشافها، ليس هذا مجرد حديث نظري بل طبقه هو في محاولاته لاستلهام التراث العربي والإسلامي والفرعوني في العديد من الروايات منها «إمام آخر الزمان - من أوراق أبو الطيب المتنبي - قلعة الجبل - سيد القرية - زهرة الصباح» ويدعو جبريل النقاد والدارسين إلى مناقشة استلهامات التراث في الأعمال الإبداعية المعاصرة، فنحن نحاول أن يكون أدبنا في عمومه تعبيراً عن الذات وليس تقليداً للآخرين، بشرط أن نتعامل مع التراث بطريقة الاستلهام وليس السطو.
الأقنعة
ويضيف الناقد شوقي بدر يوسف: إن الكاتب يتعامل مع التراث أو الأسطورة أو التاريخ،كما يتعامل النحات مع الخامة أي يجب أن يتعرف أولاً على مفرداتها وعناصرها،ثم يعكف عليها ليصنع من قانون الكتلة والفراغ معادلاً موضوعياً لبعد من أبعاد رؤيته للحياة أما لماذا يستلهم الكاتب التاريخ أو التراث أو الأسطورة فلأنها حية في وجدان الذات الجماعية وتصلح كجسر يعبر عليه المبدع ليصل إلى وجدان القارئ برؤى معاصرة، عندئذ يتحول التراث أو التاريخ أو الأسطورة عند الكاتب إلى مجموعة من الأقنعة.
يحاور الكاتب من خلالها القارئ أو المشاهد، لكن هناك فرقاً كبيراً بين استلهام التاريخ وبين السطو على التاريخ، فهذه الأعمال التي تقلد مفردات التاريخ، وتصطنع لغتها تكون أعمالاً زائفة تخاطب السائح الباحث عن «الأنتيكة» أما استلهام التاريخ بالمعنى الحقيقي فيعني بث الحياة في هذه الكيانات، التي تنتمي للماضي لتنطق بدلالات خاصة للحاضر، وأيضاً للمستقبل.
القاهرة ـ حازم خالد:

