شكّل بيليه مع أبناء حيه فريقهم الرياضي لكرة القدم. وكانوا يلعبون في الشارع، خاصة شارع بيته حيث كانوا يبدلون ملابسهم في ساحته قبل أن يخرجوا في صف متناسق واحداً بعد الآخر إلى أرض الملعب مثل فريق حقيقي إلى ملعب حقيقي.

كان اللعب يستمر حتى حلول الظلام، «وكنت أنا الذي يحدد لكل لاعب موقعه، فأنا كنت من يحتفظ بالكرة عنده، كنت الرئيس، وكي أكون أميناً، كنت ديكتاتوراً صغيراً يرتدي سروالاً قصيراً»، يقول بيليه ليؤكد أن رغبته كي يصبح لاعب كرة قدم كانت قد غدت واضحة. وكان ذلك بمثابة كارثة بالنسبة لأمه بأن يكون في المنزل لاعبان اثنان، الابن والزوج.

معركة بسبب بيليه

كان بيليه شديد الإعجاب بوالده الذي أصبح مدربه الأول. «كنت أحب كثيراً أن أمضي الوقت معه، لقد صنع مني لاعب كرة قدم وإنساناً بنفس الوقت». يقول بيليه قبل أن يروي أنه كان مرة يتفرج على مباراة يشارك فيها والده الذي وجد نفسه ذات لحظة أمام مرمى الخصم وحده، لكنه أضاع تلك الفرصة الذهبية ولم يسجل هدفاً وما كان من متفرج إلى جانب الطفل بيليه إلا أن صرخ قائلاً: «ماذا.. دوندينو ذو الساقين الخشبيتين! عد إلى بيتك!». لم يتحمل بيليه إهانة والده أمامه.

يقول: «رغم صغر سني شتمت أم ذلك الرجل. وعندما استدار نحوي كنت قد أمسكت بيدي حجر من القرميد وتهيأت لضربه به». فهدد الآخر قائلاً: «اذهب من هنا قبل أن أقصف عمرك». انبرى في تلك اللحظة رجل ضخم أسود، ربما كان من أصدقاء والد بيليه كما يشير، وقال لذلك الرجل: «إذا مسست شعرة واحدة من رأس هذا الفتى فسوف أهشم وجهك».

وكانت النتيجة هي «مشاجرة عامة، وضربات بالأيدي والأرجل، كانت الحرب. وقد حاول رجال الشرطة التدخل من أجل تهدئة الخواطر، لكنهم نجحوا فقط في أن يتلقوا بعض الضربات الضائعة. وتلقى ذلك المشجع الذي كان في أصل المشكلة ضربة مبرحة من الطفل بيليه، لقد غسل شرف دوندينو».

ويروي بيليه أن والده قد علمه أنه ينبغي على الرياضي أن يتقبل الشتائم مثلما يتقبل التصفيق، فهذا جزء من «المهنة» وأحسن طريقة للرد على الإهانة هو تسجيل هدف ضد فريق الذين صدرت عنهم. وكانت الحكمة التي يرددها والده باستمرار تقول: «لا يكفي أن يتقن الرياضي اللعب، بل عليه أن يسلك أيضاً الطريق الصحيح، وأن يحالفه الحظ قليلاً».

لكن من أين أتت تسمية «بيليه»؟

إن البرازيليين يعشقون إطلاق الألقاب، وكان جورج، عمه، قد أطلق عليه أولاً تسمية «ديكو». وحيث لا تزال والدته تدعوه حتى الآن كذلك. وكان «زيتو» أحد لاعبي فريق سانتوس، قد أطلق عليه لقب «ثمازولينا»، وكان ذلك عنوان أغنية برازيلية شهيرة. أما تسمية بيليه فقد كان يكرهها كثيراً في البداية ويفضل عليها مثلاً تسمية اديسون ـ تيمناً بمخترع الكهرباء توماس اديسون ـ فهي أكثر جدية.

وكان كل مرة يسمع فيها أحدهم يناديه: «بيليه» يثور غضباً، بل وصل به الأمر أن وجه لأحدهم لكمة على انفه، يقول: «لقد توجب مرور وقت طويل كي أقبل ما لم أكن استطيع إرغام الناس على تسميتي كما أريد. أما اليوم فإنني أحب كثيراً هذا الاسم الذي كان يثير لدي غضباً شديداً في السابق».

بيليه حارس المرمى

لا أحد يعرف بالدقة مصدر اسم «بيليه»، أما التفسير الذي يرجحه صاحبه فهو قوله: لقد بدأ كل شيء مع أحد الذين كانوا يلعبون مع والدي بالفريق نفسه في سارلورينو، كان حارساً للمرمى أطلقوا عليه لقب (بيليه) لسبب معقد جداً وذي طبيعة برازيلية عميقة»، كان الاسم الحقيقي لذلك الحارس هو «خوسيه لينو»، وكان قد بقي حتى سن الثانية بعد ولادته لم يلفظ كلمة واحدة، مما أثار هلع أهله.

وكانت أول كلمة نطقها هي «بيلي» بعد صمت فبقيت التسمية لاصقة به، وكان «بيليه» الحقيقي يحلم عندما كان صغيراً أن يصبح حارس مرمى، ولا يتوقف عن تشجيع حارس المرمى الذي حمل ذلك الاسم عند صدّه لأية كرة، وهكذا انتقلت التسمية إليه، هكذا أصبح «ابن دوندينو» كما كانوا ينادونه عادة «بيليه» الشهير.

ويعود بيليه إلى عام 1950 عندما نظمت البرازيل بطولة كأس العالم لكرة القدم، كان عمره آنذاك تسع سنوات، ويوم 16 يوليو كانت المباراة النهائية بين البرازيل والأرجواي، وكان والده دوندينو قد دعا أصدقاءه للحضور إلى البيت لمتابعة سير المبارة عبر الإذاعة، فالتلفزة لم تكن موجودة بعد، وللاحتفال بـ «الفوز» فالبرازيل كانت هي الدولة المنظمة وهي الأوفر حظاً، وكانت قد «سحقت» السويد بسبعة أهداف مقابل هدف واحد واسبانيا بستة أهداف مقابل هدف واحد.

بدأت المباراة بشكل جيد بالنسبة للبرازيل إذ سجل اللاعب «فرياس» الهدف الأول أمام 175 ألف متفرج وهو رقم قياسي، رغم أن الملعب لم يكن قد تم بناؤه كاملاً، انفجر الفرح عندها في منزل بيليه وقفز الناس في كل الاتجاهات، لكن الأورجواي سجلت بعد قليل هدف التعادل من دون أن يهز ذلك قناعة البرازيليين بالفوز، وقبل إحدى عشرة دقيقة من نهاية المباراة سجلت الأورجواي هدفها الثاني، هدف «الفوز» بالبطولة، قال دوندينو الأب لابنه وهو يرتجف: «لقد خسرت البرازيل، لقد خسرت البرازيل».

طلب «بيليه» من والده ألا يحزن، فبادرته الأم بالقول: «اترك أباك هادئاً، فهو بحاجة كي يكون وحيداً»، يقول بيليه: «وللمرة الأولى في حياتي رأيت أبي وهو يبكي، وفعل أغلبية أصدقائه مثله، كان ذلك صاعقاً بالنسبة لي إذ ترعرعت وأنا أعتقد بأن الرجال لا يظهرون انفعالاتهم بالدموع»، ثم يضيف: «ومن أجل رفع معنويات والدي وعدته بما يلي: ذات يوم، سأفوز بكأس العالم من أجلك».

ويذكر بيليه أنه دخل بعد ظهر ذلك اليوم إلى غرفة والديه ووقف أمام صورة للسيد المسيح كانت معلقة على الجدار، وخاطبه قائلاً: «كيف أمكن ذلك؟ ماذا فعلنا كي نستحق ذلك؟ كنا نملك أفضل فريق فلماذا خسرنا؟». ثم أضاف: «هل تعرف، لو انني كنت في أرض الملعب ما كنت تركت البرازيل تخسر الكأس.. لو كنت فيه ما كانت البرازيل قد خسرت، ولو كان والدي في الملعب، لكان سجل ذلك الهدف الذي نقصنا».

بداية البطولات والأموال

ويحدد بيليه أحد المنعطفات التي عرفتها حياته كلاعب كرة قدم عندما قررت بلدية مدينة «بورو» تنظيم دوري للأندية الصغيرة في الأحياء، وكانت المشكلة هي أن المشاركة في ذلك الدوري كان مشروطة بأن يمتلك كل أعضاء الفريق أحذية رياضية، ولم يكن ذلك الشرط متوفراً في فريق بيليه، لكن أحد التجار في الحي، وهو أب لثلاثة من لاعبي الفريق أنقذ الموقف، ولكنه اشترط عليهم التدرب بشكل منتظم وتغيير اسم النادي بعد أن أصبح أفراد فريقه ليسوا حفاة.

انتصر ذلك الفريق في الدوري، حيث حضر المباراة النهائية آلاف عدة من الأشخاص، وفاز «بيليه» بلقب أفضل هداف. يقول: «كان يوماً رائعاً، لا ينسى، وليس فقط من أجل الفوز أو من أجل التهاني التي وجهها أبي لنا فحسب، ولكن أيضاً بسبب ذكرى الجمهور وهو يردد دون انقطاع للمرة الأولى: «بيليه.. بيليه».

وفي عام 1954 استجد حادث آخر ترك بصماته على حياة بيليه كلاعب كرة قدم، وذلك عندما قرر فريق نادي «اتليتيك بورو» تكوين فرق للناشئين، مع مدرب اسمه «والديمار» الذي كان أحد نجوم الكرة البرازيلية وأطلقوا عليه تسمية «الراقص»، وكان قد شارك في عام 1934 مع الفريق الوطني البرازيلي ببطولة العالم لكرة القدم التي نظمتها إيطاليا.

ولكن البرازيل أقصيت من الدور الأول من قبل إسبانيا بثلاثة أهداف مقابل هدف واحد، وكان «والديمار» أحد أشهر لاعبي البرازيل خلال سنوات (1930 ـ 1940)، وكان قد اختير كأفضل هداف في الدوري البرازيلي لعام 1933، وكان له أخ اسمه «بيترونيلو» وهو لاعب كرة قدم شهير أيضاً، ويصفه بيليه بأنه «فنان» إذ يرى الكثيرون أنه مخترع حركة «الدراجة» في كرة القدم.

يقول بيليه «تلك الحركة البهلوانية ـ الدراجة أو ما يسمى «الدبل كيك» ـ لضرب الكرة وهي طائرة والتي قيل بأنني أنا مخترعها كانت موجودة قبل عشرين سنة من سماعي لاسمها». ثم يستدرك «بيليه» قائلاً: «ربما انني لم أخترعها ولكنني سجلت طناً من الأهداف بواسطتها. وكان رفاقي يعتبرونها حركة صعبة جداً، ولكنها كانت فقط هي التي تميزني عن الآخرين».

لقد وقع بيليه، بتشجيع من والده، عقداً «بكل ما تتضمنه هذه الكلمة من معنى» مع فريق الناشئين بنادي «اتليتيك بورو».. هكذا إذن «سوف يدفعون لي مبلغاً من المال كي ألعب بكرة القدم.. كان ذلك منعطفاً هائلاً بالنسبة لي».

وهنا يتذكر «بيليه» انه كان قد «تقاضى أجراً» في السابق كي يلعب بكرة القدم إذ اقترح عليه ذات يوم شاب اسمه «لانداو مانديوكا» أن يلعب لصالح ناديه.. لم يكن بيليه يرغب في ذلك، فقال للشاب بهيئة «رفض دبلوماسي»: كم يمكنك أن تدفع لي؟ فذهب وجمع مبلغاً تافهاً من أعضاء النادي وعاد إلى «بيليه» كي يقدمه له قائلاً: هذا كل ما استطعت جمعه . فقبل أن يلعب عدة مباريات لـ «حسابه». يقول بيليه: «افترض أن ذلك كان عقدي الأول. وهو صفحة أخرى من ذكريات الطفولة».

كان دخول اللاعب السابق «والديمار دو بريتو» في حياة بيليه نعمة كبيرة ولحظة حاسمة.. وأصبح فريق الناشئين لا يقهر في ظله كمدرب. كانت القاعدة الأولى التي يرددها والديمار تقول بأنه كي يصبح اللاعب فعالاً عليه أن يتعلم كيف يتلقى الكرة بقدميه الاثنين وبرأسه وبصدره، وأن يتلقى تمريرة ويعرف كيف يرسل تمريرته إلى حيث يشاء بشكل دقيق. لا يكفي أن يعرف اللاعب كيف يراوغ وأن يتعلم بعض «الحيل».. وإنما أولاً أن يعرف الأول كيف يستقبل الكرة.

ويؤكد بيليه أن تعلم ذلك قد لا يكون ممكناً. فإما أن يمتلك المرء تلك الموهبة أو لا يمتلك. يقول: «أما أنا، فقد كنت أمتلك ذلك الحدس. وكنت أترقب ما سيجري مع الآخرين خلال أجزاء من الثانية. وحتى أثناء مسيرتي المحترفة كانوا يسألونني: كيف رأيت الكرة قادمة نحوك؟ وكنت أجيب: لا أعرف، لقد رأيتها، وهذا كل شيء».

أموال إضافية

ذات يوم اكتشف «والديمار» أن بيليه كان لا يزال يلعب مع فرق أخرى فما كان منه إلا أن «علق» مشاركته في اللعب. وكان درساً حفظه جيداً ولم يلعب مع أي فريق آخر. لكنه تابع «عملاً آخر» وهو بيع قطع الحلوى في محطة القطار للمسافرين الجائعين. ويروي انه سجل ذات مرة هدف الفوز في المباراة النهائية بدوري لكرة القدم..

فما كان من مشجعي النادي إلا أن أخذوا يرشقونه بالقطع النقدية التي حاول جمع أكبر كمية ممكنة منها كي يعطي «غنيمته» بعد ذلك إلى أمه.

كانت الأمور تسير كلها بشكل جيد بالنسبة لمسيرة بيليه كلاعب محترف. لكن الأمر لم يكن كذلك بالنسبة للبرازيل فبطولة كأس العالم ذهبت عام 1954 لسويسرا. وكان المنتخب الوطني البرازيلي قد أقصي من البطولة في الدور الرابع في مباراة «لا تنسى» مع هنغاريا ـ المجر ـ وحيث طرد الحكم ثلاثة لاعبين برازيليين، بل وتم توجيه الاتهام لكابتن الفريق الهنغاري، اللاعب الشهير «بوشكاش«، الذي لم يشارك في المباراة بسبب إصابته في المباراة السابقة، بأنه ألقى من الخارج زجاجة على لاعب قلب الوسط البرازيلي «بينهيرو».

ويقول بيليه انه أمضى عدة سنوات رائعة مع فريق الناشين «باكينهو». ويتذكر مباراة محددة تلخص برأيه «السيطرة الجماعية» التي مارسها فريقه و«ما حققه من تقدم على الصعيد الفردي». كانت مباراة في بداية البطولة الوطنية ضد فريق نادي الناشئين «فلامينغو» في ساو باولو. وعندما نزل اللاعبون من الحافلة أراد بيليه أن يشتري لنفسه كمية من الفول السوداني بينما دخل زملاؤه إلى الملعب.

وعندما وصل إلى الباب بدوره منعه رجل ضخم من الدخول ورفض أن يقتنع بأنه أحد أعضاء الفريق الضيف. إذ رآه «هزيلاً إلى درجة لا يمكنه معها أن يشارك في مباراة للكبار». لاحظ زملاؤه غيابه وجاء أحدهم للبحث عنه. يقول بيليه: «وعندما رآني البواب وأنا ألعب أذهلته الدهشة من براعتي ومن قامتي. لقد انتصر فريقنا بـ 12 هدفاً مقابل هدف واحد.. وقد سجلت وحدي سبعة أهداف».

مرحلة سانتوس

بعد فترة قرر والديمار ترك فريق ناشئي نادي «أتليتيك بورو».. مما كان بداية نهاية ذلك الفريق.. وكانت فرصة تحويل «بيليه» إلى نادي أفضل على يد والديمار نفسه الذي حضر إلى منزل بيليه وتحدث طويلاً مع أهله بشأن تحويله إلى فريق مدينة سانتوس.. وهكذا بدأت سنوات تجربة «سانتوس».

كانت نصيحة مدربه السابق له هي أن يلعب كما كان يلعب في مدينة بورو وكأنه يتسلى مع رفاقه.. وركز في القول له: «من الطبيعي أن تحس ببعض القلق في البداية، لكن لا تخف ستجد نفسك محاطاً بأناس نابهين.. ثم حذره من الدخول في لعبة الصحافة.

وقال له: «افتح اذنيك جيداً. هناك شيء آخر هام جداً عليك ان لا تستمع للإذاعات ولا تقرأ صحيفة». وأضاف : «احذر خاصة عشية أيام المباريات من قراءة الصفحات الرياضية في الصحف، وكذلك احذر البرامج الإذاعية الخاصة بكرة القدم».

فهم بيليه من نصائح والديمار له بأنه يوليه ثقته كاملة إذ ما كان له ان يقامر بشهرته لو لم تكن تلك الثقة موجودة. وكانت الكلمات الأخيرة لوالديمار هي ما يلي: «ممنوع التدخين. وممنوع الكحول وممنوعة النساء وإياك من رفاق السوء». يقول بيليه: «لم يكن الامتناع عن التدخين يطرح اية مشكلة بالنسبة لي وكذلك الكحول»..

وينقل عن والده انه بعد ان ظن بإمكانية تعاطيه التدخين والكحول، قال له وهو يحدق في عينيه: «انت موهوب بالنسبة لكرة القدم. بل قد يمكنك ان تصبح نجماً، ولكنك لن تصل أبداً الى ذلك اذا دخنت أو تعاطيت الكحول، فبدنك لن يستطيع تحمل ذلك، ثم أخذ الأب كمية من المال من محفظته وقدمها لابنه قائلاً: اذا أردت التدخين فعليك ان تشتري سجائرك بنفسك، ولا تسطو على سجائر الآخرين».

لكن ماذا بالنسبة للفتيات؟ يقول بيليه: «كيف يمكن عدم التفكير بهذا؟ ان مثل هذا الطلب من فتى يمشي نحو سن السادسة عشرة انما هو ضرب من الهذيان، ولا يتردد في الاعتراف بأنه كان «زير بنات». ويروي انه عندما أحب الفتاة الأولى جاء والدها الى صفها في المدرسة وقال لها أمام الجميع: «ماذا تفعلين مع هذا العبد؟» كانت تلك هي التجربة العنصرية الأولى في حياة بيليه.

لم يبد بيليه أي رد فعل، ولم توجه له الفتاة الكلام بعد ذلك.. يقول: «كان هناك عدة فتيات أخريات مثل ايفون وسميرة ونوزنها، أخت صديقي الياباني».

ويسهب بيليه في انتقاداته للأهل الذين يخبئون رأسهم في الرمل، حيال غرائز ابنائهم.

يقول: حتى في مطلع هذا القرن الحادي والعشرين أعرف ان الكثير من الناس يتضايقون من مواجهة هذا الموضوع. هذا مع ان الأهل في موقع يسمح لهم بمعرفة مدى الاضطراب الذي يواجهه المراهقون، فالغريزة موجودة من أجل ايقاظ المشاعر وليس هناك خطيئة حيث يوجد الحب.

وفي سانتوس وجد بيليه نفسه فجأة الى جانب المحترفين من أمثال جايير دار روزا بنتو الذي كان قد شارك في مباريات بطولة العالم لعام 1950 وهيليو وفورفيغا وبيب الذين كان قد جرى استدعاؤهم للعب مع الفريق الوطني البرازيلي. وكان هؤلاء قد فازوا ببطولة ساو باولو عام 1955 وجددوا انتصارهم في العام التالي 1956، ويتذكر بيليه كيف كان يرتعش قبل دخوله الى الملعب للمرة الأولى «كانت ساقاي من القطن»، على حد قوله لكن بيب الذي اصبح صديقاً له باستمرار بعد ذلك شجعه واكد له بأن الزملاء رائعون، سترى.

وبالفعل عندما أصبح بيليه على أرض الملعب طار خوفه واستطاع ان يراوغ فورفيغ مرتين، مما أعجب المدرب لولا كثيراً اذ قال له بعد نهاية ذلك الاختبار: لقد احببت كثيراً طريقتك في اللعب، ثم أضاف: بعد قولي هذا عليك ان تقوي نفسك اذا أردت الدخول الى الفريق الأول.

هنأ الجميع بيليه على مهاراته في اللعب بما في ذلك المهاجم الكبير ديل فيشيو، مع ذلك وجد لولا ان فأراً صغيراً مثلي لم يكن جاهزاً للتواجد مع النمور، يقول بيليه الذي كان عليه ان يلعب اذن مع الناشئين مع متابعة تدريبه مع الكبار. كان عمره آنذاك خمسة عشرة سنة فقط، ويتذكر انه في مباراة نهائية خلال دوري محلي آنذاك قرر الحكم منح فريقه «ضربة جزاء» وكلفه رفاقه بتسديدها، لكنها اخطأ الضربة وطارت الكرة على ارتفاع عدة أمتار فوق العارضة.. وكلف ذلك فريقه الخسارة.

وقابله مشجعو النادي بالصفير «وفي قاعة تغيير الملابس انفجرت بالبكاء خجلاً من العار الذي كنت سببه وكنت مستعداً للتخلي عن كل شيء والهرب من سانتوس. كان رد فعل طفولي ولكنه كان جدياً».

وفي اليوم التالي استيقظ باكراً وحزم امتعته. لكن منعه زميله «سابيزنهو» من الخروج لاسيما وانه لا يمتلك الإذن بذلك وهو قاصر ثم قال له: «الجميع يخطئون. المهم ان لا يؤدي ذلك الى انهيارك وانما ان تستخرج منه الدروس» هذا ما يعلق عليه بالقول: «انقذني سابيزنهو في ذلك اليوم». هذا الزميل مات غرقاً بعد ذلك أمام عينيه ولم يستطع ان يفعل شيئاً.

اللعب مع الكبار

يذكر «بيليه» أن المباراة الأولى التي لعبها مع فريق سانتوس للكبار كانت مباراة ودية مع فريق إحدى مدن المنطقة. وقد سجل يومها أربعة أهداف من أصل الأهداف الستة التي سجلها فريقه مقابل هدف واحد للفريق الخصم. ولاحظ الصحافيون يومذاك أداءه الجيد.. مما ساهم في أن يصبح أحد أعضاء فريق الأحد عشر لاعباً الكبار.

بعد شهر من التدريب المستمر، لعب بيليه رسمياً مع الكبار مباراة «لا تنسى». كان ذلك يوم 7 سبتمبر 1956. لقد بقي على خط التماس طيلة النصف الأول من المباراة، ثم أدخله المدرب «لولا» في الشوط الثاني. يقول: «لقد سجّلت على الفور تقريباً هدفي الرسمي الأول ـ الهدف رقم واحد من مجموع يزيد عن 1280 هدفاً».

ويضيف: «كنت مجنوناً من الفرح وأخذت أقفز بكل الاتجاهات.. كان عمري بالكاد 15 سنة، وقد سجلت هدفاً بين المحترفين. كان ذلك أكبر من كل أحلامي». وعندما كان زملاؤه يقبلونه ويهنئونه ألحّ على رأسه السؤال التالي: «كيف يمكنني أن أخبر والدي بذلك؟».

ويتحدث بيليه «بخصوص ذلك الهدف الأول عن حارس مرمى الفريق الخصم المدعو «زولار» الذي صنع لنفسه فيما بعد بطاقات تعريفية شخصية كتب عليها: حارس المرمى الذي سجّل بيليه في مرماه هدفه الأول». يقول بيليه: «يبدو أن ذلك الحدث قد قدّم له من الفرح بمقدار ما قدّم لي».

تتالت المباريات التي شارك فيها بيليه، وصعد نجمه أكثر فأكثر.. وكانت مباراته الأولى في «ريودي جانيرو» منعطفاً في مسيرته المهنية. إذ لعب في الملعب الرئيسي الذي شهد خسارة البرازيل لكأس العالم أمام الأوروجواي عام 1950. ويصف ما جرى في تلك المباراة بالكلمات التالية: «سجلت الهدف الأول بينما كنت محاطاً بثلاثة مدافعين أمام مرماهم. وسجّلت الثاني بعد مراوغة عدد من اللاعبين. أما الثالث فقد كان طلقة مدفع من خارج منطقة الجزاء. هذه الأهداف الثلاثة أظهرت للجميع ما يمكنني أن أفعله بحكم اختلافها».

وهكذا وجد نفسه يوم 24 مايو 1958 في الطائرة التي تقل الفريق الوطني البرازيلي إلى أوروبا للمشاركة بمباريات كأس العالم في السويد. كانت البرازيل في عداد دول المجموعة الرابعة إلى جانب النمسا وإنجلترا والاتحاد السوفييتي.

وقد فازت البرازيل بسهولة على النمسا بثلاثة أهداف مقابل صفر وتعادلت مع انجلترا بدون أهداف، وكانت المباراة الحاسمة مع الاتحاد السوفييتي الذي كان قد فاز أيضاً على النمسا وتعادل مع انجلترا.. كان الرهان إذن هو الحصول على المرتبة الأولى في المجموعة الرابعة.

كانت تلك هي المباراة الأولى التي شارك فيها بيليه. «كان عمري 17 سنة وكنت أصغر لاعب في البطولة كلها. وكان المتفرجون قد اندهشوا أيضاً لرؤية «مراهق أسود يصل مع فريقه.. ويحمل أيضاً الرقم 10». ويذكر أنه نظر يومها إلى خصومه وفكّر:«إنهم ضخام..

ولكن حتى الأشجار الضخمة يمكن اجتثاثها». وفازت البرازيل بهدفين سجلهما اللاعب «فافا» في مرمى الحارس الروسي الشهير «ياشين»، الملقّب ب«الطائرة» ثم انتصرت البرازيل على ويلز بهدف سجله بيليه «ذلك الهدف الأهم في مسيرتي لأنه أعطاني الثقة الكاملة بنفسي».

ثم فازت البرازيل في مباراة دون نصف النهائي على فرنسا بخمسة أهداف مقابل هدفين.. سجّل بيليه ثلاثة من أهداف البرازيل في الدقائق 52 ثم 64 ثم 75 من المباراة. «لقد كشف بيليه الحقيقي عن نفسه أخيراً» كما يقول ويضيف: «كان لدي إحساس بأن لي جناحان».

وبتاريخ 29 يونيو 1958 كانت المباراة النهائية مع السويد التي بدت الأوفر حظاً بالفوز. وقد سجلت الهدف الأول بعد أربع دقائق من بداية المباراة. وعند الدقيقة التاسعة سجل «فافا» البرازيلي هدف التعادل ثم تبعه بلحظات «غارنشيا» تسجيل الهدف الثاني.. ويقول بيليه :لم تعرف البرازيل الهزيمة أبداً عندما لعبنا، غارنشيا وأنا معاً».

وعند الدقيقة 11 من الشوط الثاني سجْل بيليه هدفاً بعد مراوغة بهلوانية. وهو يصفه بالقول: «فليذهب التواضع إلى الجحيم فقد كان هدفاً جميلاً بالفعل وهو أحد الأهداف المفضّلة لدي. كنت شاباً ولم يكن أحد قد سجل هدفاً بحركة مماثلة». وانتهت المباراة بخمسة أهداف للبرازيل، سجل بيليه اثنين منها مقابل هدفين للسويد.

عندما أعلن الحكم نهاية المباراة، ألحّت على رأس بيليه فكرة واحدة هي: «ينبغي أن أروي ما جرى لأبي».. لقد بكى الجميع بدموع الفرح.. فبعد خيبات بطولتي كأس العالم1950 ثم عام 1954 «ها نحن نفوز بالكأس للمرة الأول». يقول بيليه ليؤكد أنه لا يزال يعيش نشوة أحاسيس ذلك اليوم.