تقف كل الكلمات والتعابير عاجزة عن وصف ما يجري في لبنان من فظاعة ووقاحة تجاوزت كل حدود الأخلاق والضمير.. شهداء بعدد حروف الرثاء ودموع الأطفال والحزانى تملأ كل دواوين الرثاء التي ابتدعتها جاهلية أخلاقنا التي خجلت منها كل الضمائر الحية في هذا العالم الصامت عن الحق، الأخرس عن مقارعة الباطل حتى بالكلام.

نقف مسمَرين طوال الوقت نحصي الأنفاس التي كتمت مع كل صرخة وأنين، ونهلل لخبر ينعش الآمال بالنصر القادم على الشدائد، ولبنان الجميل صامد يتحدى الجحيم والإعصار، بإرادة الله والحياة وأبنائه البررة، تفزعنا مشاهد النسوة، أمهاتنا في الجنوب وبيروت وكافة المناطق اللبنانية وهن يستجمعن قواهن حتى ملَ الصبر منا، ولم تعد تكفي كل قرائح الشعراء والمبدعين، لابتداع لغة تجاري الصبر المولَه بالدمع والحسرات.

ما عسانا اليوم أن نقدم للبنان، وأهله، وأدبائه، ومبدعيه سوى الصمت الجليل، وكيف يمكن أن نعزي ونواسي شاعراً جميلاً مثل «شوقي بزيع»، بعد أن فقد اثنا عشر فرداً من عائلته دفعة واحدة، ماذا نقول له ونحن نراه يقف شامخاً كأرز لبنان يحدثنا عن أهله الذي عانقوا الشهادة وعادوا إلى التراب مرة أخرى، ليمتزجوا مع الحب والكرامة والفطرة الأولى، تاركين لنا عثرة الرثاء وواجب تقديم العزاء لكل الشهداء.

لماذا كتب علينا أن نتابع احتراق هذا البلد الذي ما زال رغم كل شيء، الرئة التي نتنفس منها إبداعاً وحرية، فكم من مرات ضاقت الدنيا بأدبائنا ومبدعينا، وعجزت المطابع العربية المتحفظة دائماً، فكانت دور النشر اللبنانية هي الملجأ الوحيد، ولا أريد أن أسهب في الحديث عن الدور الذي قدمته الصحافة اللبنانية في تقديم كثير من الأسماء العربية التي لم تفلح بلدانها في إبرازها بالصورة التي تستحق لأسباب كثيرة معروفة للجميع.

لبنان الكبير بمبدعيه ورواده يقف اليوم وحيداً، في وقت نحن بأمس الحاجة إليه.. إلى مرآة أرواحنا ونفوسنا التي تهوى الحق والحرية، وتخاف دائماً من الاعتراف والبوح، لبنان الذي قدم عبر تاريخه الطويل كل ما هو ناصع وجميل كجباله الشامخة، وروحه المتمردة على كل ما هو متخلف وجامد.. لبنان: جبران خليل جبران، وميخائيل نعيمة، والأخطل الصغير، وسعيد عقل، وسعيد فريحة، وفيروز، ووديع الصافي، وقائمة تطول مع القامات المبدعة التي لا تنتهي.

كم يلزمنا من الوقت لندرك أننا نخسر في كل لحظة صمت، آلاف اللحظات المبدعة الشفافة في حياتنا التي أعيتها الترهات واللهاث وراء سراب لم نجني منه إلا الوهم عبر سنين، وكم سيلزمنا من المساحيق والأقنعة لنخفي خزينا وعارنا الذي رضينا به من زمن بعيد سحيق.. أيام قررنا أن نكون تلك «النعامة» الحمقاء، الساخرة منَا ومن هزائمنا التي لا تنتهي، وهل قدر الإبداع والجمال أن يتحرق كل مرة، كي ينعم القبيح والمدَعي بنعمة التقدير المزيف، لكن رغم كل شيء، سيبقى «لبنان» قطعة من أرواحنا المعلَقة بسمائه الساطعة دائماً بالنجوم، ونورانية شهدائه، ووجه الله الذي لا يغيب.

alomawi@albayan.ae