الصالونات الأدبية والتجمعات الثقافية الشعبية، حالة تولد حراكا أدبيا ومعارك ثقافية وتباينا في وجهات النظر، تكون حديث العامة وليس الخاصة من المثقفين بما يثار من قضايا أدبية وثقافية والبحث عن خلفيات أو قضايا مشابهة بغرض الوجود في دائرة تلك المعارك.. وبرجوعنا إلي الماضي نجد أن المعارك الأدبية التي كان يشغلها طه حسين والعقاد والمازني وغيرهم من جيل العمالقة،

وكانت صفحات الجرائد والمجالات ساحة نزال بين هؤلاء الرواد، وإن كانت معاركهم في النهاية لا تخلو من ود دفين، واحترام متبادل بينهم، لأن الهدف في النهاية هو محاولة الوصول إلي نقطة تلاق بينهم.. المعارك الأدبية بطبيعتها كانت تنتهي إلي نتائج ترضي جميع الأطراف، ولم يكن النصر فيها أو الهزيمة هما الفيصل، ولما كانت المعارك الأدبية تثري مناقشات الأدباء والمفكرين حول موضوع أو قضية معينة، وترتقي بمستوى ثقافة قرائهم،

فقد كانت تمثل ظاهرة في الماضي، أما الآن فتكاد تكون معدومة إن لم تكن كذلك فعلاً .. فهل يعد هذا تعبيراً عن ركود ثقافي أم ماذا .. وما هو تفسير ظاهرة اختفاء الظاهرة ؟! يرى الناقد د. صلاح فضل أن المعارك الآن أصبحت شخصية وتافهة، ولا تستثير اهتمام الناس، وينظر إليها على أنها حماقات لا قيمة لها، في نفس الوقت الذي يجعل من الصعب جداً ترجمة الصراعات الفكرية الكبرى إلي معارك أدبية .

ويضيف «فضل« : ستظل هذه الصراعات شاغل النخبة دون أن تشق طريقها للجسد الثقافي للشعب، نتيجة لحالة التهميش والاضطراب، والتغيرات الاجتماعية، وبوسعنا أن نقول إن لكل عصر مظاهره التي تتجلي منها حيويته وتفاعلاته الديناميكية، لأن عصرنا الحديث لم يعد ملائماً لنوع المعارك التي كانت تنشب قديماً بين الأدباء، وتختلط فيها القضايا الحقيقية بالشخصية، إن المعركة الكبرى الحقة التي تتحدى جميع المثقفين الآن أن ندخل العصر الحديث بشروطه وتضحياته، وروحه النقدية،

أو نظل أسرى للنموذج السلفي للعصور الوسطي، لا نريد للتاريخ أن يعود للوراء لنعيش في القرون السابقة، وهذه هي المعركة المصيرية التي يتعين على كل واحد منا أن يحدد موقفه بالنسبة لها . محاولات غضه ليس من الغريب أن نجد أديباً كبيراً اليوم يلقي بجام غضبه وسخطه على شاعر صغير لا حول له ولا قوة، كل ما قدمه للحياة الثقافية هو قصائد قليلة تعد على الأصابع .. ولا يجد الشاعر والناقد المصري أمجد ريان تبريراً لهذه المرارة والعنف إزاء كتابات لأدباء صغار مازالوا في محاولاتهم الأولى الغضة .

ويؤكد «ريان» أن المعارك الأدبية الصغيرة تختفي الآن حتى الفرقعات الحامية التي تعوّد الصحافيون وبخاصة الصغار منهم أن يشعلوها اختفت تماماً، ولكن هذا الصمت، وهذا الخوف هو لصالح معركة كبرى بدأت بالفعل على أرض الواقع الثقافي، وهي معركة التغير الكبير الذي يشهده واقعنا اجتماعيا وفكرياً وثقافياً فالإنسان يسعى نحو حاجته الشديدة لإثبات وجوده الإنساني، وبحثه عن أدوات جديدة، تسعى نحو طريق مختلف للمعرفة، والإبداع الأدبي والفني يدخل الآن إلى منطقة جديدة .

لحظات فارقة ويقول الناقد عبد القادر حميدة : إننا نعيش لحظات فارقة، تغيب فيها المعارك الثقافية الكبرى التي كانت تدور في أزمان سابقة بين طه حسين والعقاد، ومحمد مندور، وغنيمي هلال ولويس عوض .. تلك المعارك التي حققت كل ما نسميه بآفاق التنوير وفي ظل ذلك كله، لم نعد نملك، ونستطيع أن نطل من خلاله على العالم إلا بعض الإبداع الجيد والثقافة الحرة .

ويرى « حميدة « أن تهميش الإعلام المرئي لكل ما هو ثقافي جاد، والاكتفاء بالبرامج السريعة الترفيهية اليومية وحشد كافة مشاعر المتلقين بما يغيب الوعي، جعل هذه الثقافة، وهذا الإبداع على الهامش، وكذلك تهميش الحركة السياسية لكل ما هو ثقافي، وعدم استعانة السياسي بالمثقف لخلق جغرافياً ثقافية فكرية لدى المتلقي، بالإضافة إلي غياب حركة نقدية حقيقية تركز مشروعها النقدي حول ما تنتجه المخيلة الإبداعية من فكر وإبداع، ومحاولة هذه الحركة النقدية تقريب هذه الفعاليات وفي غياب هذا الدور يحدث عدم التأثير وعدم الفعالية .

غياب النقاد

أما الناقد د. ماهر شفيق فريد فيقول : أعتقد أن الإبداع الفني اليوم يقل من حيث الكم والكيف عما كان يكتب بالأمس بل لقد ظهرت أعمال هامة في الشعر والمسرح والقصة لأدباء الستينات والسبعينات والثمانينات، ومن ثم لا يمكن القول بأن الطرح الإبداعي ليس على مستوى النقد .

ولا نستطيع أن نبرئ النقاد من تهمة الشللية، فهناك شلل في كل مكان يتفاوت حظها من الموضوعية والنزاهة، وهناك أيضاً نقاد ذو ضمير فجروا قضايا أدبية، وبعثوا قيما نقدية هامة، والمسألة في النهاية تعتمد على حيوية المناخ النقدي، وارتفاع الإبداع إلى مستوى النقد ووجود جمهور قارئ يرغب في متابعة المعارك الفكرية والنقدية .

ويبرر د. فريد أن غياب المعارك الأدبية يرجع إلى غياب النقاد الكبار عن الساحة، هناك بشائر خير، ونقط مضيئة، ولكن لا أملك رغم ذلك إلا أن أقول رحم الله مندور، ولويس عوض، وغنيمي هلال، وزكي نجيب محمود، وعبد الحميد يونس، وأنور المعداوي، فمنذ رحيلهم عن هذه الدنيا .. اضطرد الهبوط في مستوى النقد إلا من عصم ربك، فالبعض يسمي ثرثرته دراسة نقدية .

أما الناقد والمترجم د. محمد عناني فيرى أن المعركة التي تشغله هي الثقافة في القرن القادم، ويتمنى أن ينشغل بها كل المفكرين والمتحدثين فهي قضية المستقبل، بمعنى أن نسأل أنفسنا .. هل نتقدم إلى الغد أم نتقهقر إلي الوراء؟.

خدمة «وكالة الصحافة العربية»

القاهرة ـ «البيان»