ـ 1 ـ طغت التكنولوجيا على كل شيء في حياة الإنسان المعاصر، فبات يعيش ويعمل ويتحرك ويلبس ويأكل ويشرب بمعطياتها الأكثر من أن تحصى في حياته، فقد طالت التكنولوجيا وسائل حياته اليومية: في المنزل ومكان العمل ووسائل النقل والحركة ووصلت إلى صناعته وزراعته وثيابه.. وحتى عواطفه، ما خلق حالة من العزلة القاسية، بينه وبين الطبيعة والبساطة والفضاءات الرحبة النقية الرومانسية، التي كانت تحلق فيها روحه، فيتوازن بها ومن خلالها، مادة وروحاً.
ـ 2 ـ طغيان التكنولوجيا ومعطياتها الكثيرة على كافة مرافق ومظاهر حياة الإنسان المعاصر، جعل هذه الحياة باردة، معطوبة، قاسية، خاوية، وبائسة. ولأن الطبيعة، بخاماتها وموادها وأشيائها البسيطة، الجميلة، كانت ولا تزال، من أبرز وأهم المظاهر التي توفر للإنسان، الراحة الجسدية والنفسية، وتعيده إلى الحضن الحنون، والخلاص الجميل، والمتنفس الأنقى، للروح والأحاسيس والعواطف، أصبح الشغل الشاغل للإنسان المعاصر، تمتين علاقته بالطبيعة وأشيائها البسيطة المريحة، وتالياً، إدخالها إلى مسكنه، ومكان عمله، والشارع الذي يعبر فيه، وكل شيء في حياته، يمكن أن يحتضن شيئاً من الطبيعة، أو رجعاً من بساطتها المنعشة العذبة.
ـ 3 ـ لم يقتصر طغيان التكنولوجيا على حياة الإنسان في الدول المتطورة فقط، بل طاول أيضاً، حياة الإنسان في الدول النامية، وتلك التي في طور النمو، وحتى حياة إنسان الدول المتخلفة، حيث طالتها المعطيات التكنولوجية، بهذا الشكل أو ذاك.
وللتحايل على البرودة والقسوة التي تسم معطيات التكنولوجيا (رغم أنها سهلت إلى حد كبير، حياة الإنسان، ويسرتها وحوّلت العالم إلى قرية كونية صغيرة) أخذ الإنسان يوثق علاقته بالطبيعة، ويدخل مظاهرها المختلفة، إلى بيته ومكان عمله، ممثلة بالورود والأزاهير والنباتات الصالونية، والمتسلقة على الجدران، أو تلك التي تزين الشرفات والمداخل والساحات والشوارع وحتى أسطح الأبنية والعمائر.
كل هذا ولم يعوض الإنسان عن الحاجز الكبير والصلب والقاسي، الذي أقامته التكنولوجيا بينه وبين أمه الحنون «الطبيعة». من أجل هذا، بحث عن وسائل أخرى، أقدر على تحقيق التواصل المطلوب، بينه وبين الطبيعة وبساطتها المريحة المنعشة.
ـ 4 ـ في الدول المتطورة، خاصة الأوروبية، ظاهرة لافتة تمثل محاولة لعودة إنسان هذه الدول، إلى التواصل الحميمي والعميق، مع بيت الإنسان الأول «الطبيعة» هرباً من الحصارات القاتلة التي أقامتها الصناعة والتكنولوجيا، حول روحه وأحاسيسه، تسمى هذه الظاهرة «بيوت نهاية الأسبوع» التي أقامها هذا الإنسان، في ضواحي المدن الكبيرة، في الغابات، وعلى ضفاف الأنهار، والأمكنة التي لم تنتهكها بعد، اليد التكنولوجية الطويلة والقاسية.
وفي العادة تكون هذه البيوت بسيطة المواد والخامات والتصميم، تحيطها حديقة واسعة، وتقتصر موجداتها على الحاجات البسيطة القادرة على تسيير أمور الحياة اليومية، بعيداً عن المظاهر التكنولوجية الموجودة في بيت المدينة، كالتلفاز، والإنترنت، ووسائل التدفئة والتبريد الحديثة.. وغيرها.
بوساطة هذه البيوت المشابهة لبيوت الإنسان الأول، يحاول الإنسان الأوروبي المعاصر تمتين علاقته بالأرض والطبيعة البكر والبساطة التي وحدها، توفر للروح، الفضاء الرحب، للتحليق واستعادة توازنها، في عصر طغت عليه المادة، وكلسته العادة، وأصابته التكنولوجيا ببرودة قاتلة، وأنهكته الحروب والكوارث والأزمات وجشع الإنسان الذي لا يشبع، حملت هذه البيوت اسم «بيوت نهاية الأسبوع» لأن الإنسان يأمها في العطل، وخاصة عطلة نهاية الأسبوع.
حيث يستعيد فيها توازنه الروحي، وراحة أعصابه وفكره وجسده، كي يتمكن من متابعة عمله وحياته في المدينة المنتهكة بالآلة الباردة.