محلّقة بعيداً كما خيال كاتبها وخصب روحه الإنسانية؛ ارتأت مسرحية «عيناها» للكاتب والمخرج الإماراتي صالح كرامة أن تحط الرحال هذه المرة في «قاهرة المعز لدين الله الفاطمي» عبر نافذة مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي في دورته الثامنة عشرة التي ستنطلق في سبتمبر المقبل ـ إن شاء الله وإن خمدت نيران الشرق الأوسط ـ حيث اختارت فرقة «رؤية» المصرية للفنون المسرحية أن تقدم «عيناها» ضمن المهرجان بإعداد وإخراج حديث للمخرج «سلامة إمام» فيما يؤدي أدوار النص مجموعة من شباب المسرح المصري الجاد: مدحت سالم، نعمة بدير، نهلة بدير، أسامة محمود، رفيدة إبراهيم.

في اتصال هاتفي من القاهرة قال المخرج المصري سلامة إمام إنه لا يستطيع أن يتخيل مقدار القوة التي جعلته يدخل في عراك مع هذا النص المتفجر الذي أخذ يقوده باتجاه الموت الشخصي، وأن الأقدار استطاعت أن تجعله ضمن العدد المتواجد في الذين يؤكدون على أن هذا النص تكمن قوته في دواخله وبين سطوره، وأضاف: عندما استملت نص «عيناها» -وأهدي لي من قبل صديق- دخلت في صراع مع القوة الملتهبة في داخله.

تلك القوة التي تجعل أي مخرج يتجرع أنفاسه في التصدي له، والنص يقع ضمن دائرة ضيقة لبعض النصوص التي تجعلك في منتهى القطيعة مع من حولك وتضعك أمام نفسك وجه لوجه مع الحقائق اليومية، ومن خلال التدريبات اليومية مع الممثلين؛ اكتشفت أن «عيناها» تقودني نحو الجنون وأن هناك قوة تجذبني إليها بصورة غير قابلة للتصديق، قوة قابلة أن تهوي بك من أعلى دون قرار.. تقودني أنا والممثلين إلى الدخول في غياهب غابة من التساؤلات، والنص بعد هذا وذاك؛ يطرح فكرة التخلص من الألم ومواجهة العاصفة.

وأضاف سلامة إمام في حديثه -الذي يعتبر بمثابة شهادة تضاف إلى شهادات النقاد والكتاب العرب تجاه أعمال صالح كرامة-: إن «كرامة» من خلال هذا النص؛ وبقية نصوصه، يضعك أمام مجريات الحياة ويؤكد على الهم اليومي الذي يشبه الشوكة، فكانت جميع شخوصه تتأزم وتفرك ذراعك مع كل انحناءة وأنت تتبع هذا البصيص، وأحياناً أجد نفسي غارقاً في النص الذي أجده أكبر من الاستيعاب.

وعندما انخرطتُ في التدريبات مع الممثلين أحسستُ أن الممثلين -أيضاً- قد وقعوا في الفخ، أي أنهم تقاطعوا مع شغفهم اليومي واحتفلوا بالنص الذي سيمثلونه، وباعتقادي؛ فإن النصوص الخالدة تظل نصوصا تلامس الصدق، ونص «عيناها» من نوعية هذه النصوص التي تجعلك تتفرج على نفسك من داخلها وتقلبها ولا تجد لها حلاً.

وتعود لتكرر المحاولة؛ فإن «كرامة» بصدقه استطاع جذب الرقة في محاولة السير عبر هذه المخاضات؛ فالبطلة «شوك» - شخصية المسرحية الرئيسية- التي ترفض محاولة البقاء وترفض الاستسلام، وكذلك «ربيع» و«ذيب» و«سمير» - شخوص النص الذين يقعون في دوامة غرباء المدينة- كل هذه الشخصيات جعلت من نفسها معبراً نحو ترنيمة حزينة.. عندما يمسك «ربيع» رأسه ويبحث عن الخلاص ولا يجده، ويواسيه صديقه «ذيب» كل هذه محاولات، لكي نصل إلى أزمة المثقف الحقيقي مع نفسه في محاولة موجعة في كيفية القبض على جمرها.

خلود النص

حين سألنا المخرج سلامة إمام عن سير عمل البروفات وتأثر الممثلين بالنص؛ أجاب بحالة من الشغف تجاه ساحرته «عيناها» فقال: إن كل الممثلين يتساءلون دوماً «أين هذا الكاتب؟ هل سيأتي ليخلصنا من وجعنا؟ لقد لامسنا نص «عيناها» حتى كدنا نهذي به «أما رؤيتي حول النصوص العربية المسرحية الحالية فأعتقد أنها تحتاج في هذه المرحلة؛ حتمية المواجهة مع النفس وليس العوم فوق المشكلات وإسقاطها كما في الستينات والسبعينات؛ فعن طريق الكتابة الحديثة -الذي ما نسميه الوجع مع الإرهاصات، وبعد كل النكبات يبقى التساؤل: أين نقف؟!

ماذا بعد هذا الجيل؟! هنا، نستطيع أن نضع الحصان قبل العربة، وبذلك أستطيع أن أقول إن نص «عيناها» كان حريصاً كل الحرص على تأجيج هذا الوجع، وبعث ثورته في النفس، ووضع الممثل أمام مسؤولية نفسه، وليس من خلال التوحد الذي يقوم به المخرجون، هكذا تقوم الحياة التي ينسجم معها النص.

وفوق هذا كله أنه قادر على النبش في جوف الممثل من خلال المقدرة الفائقة في انتقاء الجمل القصيرة ذات البعد المسماري بعيداً عن الخطابية الوعظية؛ بل ينساب النص في مواجهة مع النفس، فكان «كرامة» موجوداً مع كل همسة وكان بعض الممثلين يذرفون الدمع وهم يقولون جملهم لأنها مست جراحهم، وباعتقادي فإن نص «عيناها» نص خالد ويحتمل الدراسة والبحث ويحتمل الموت أيضاً لأنه جزء من الحياة، علماً أن هذه هي المحاولة الثالثة التي يتم فيها التصدي لنص «عيناها» خلال سنتين.

إلى أغلى الراحلين

أما كاتب «عيناها» المؤلف والمخرج المسرحي الإماراتي صالح كرامة؛ فقد أعرب عن سعادته وثقته بأن يأخذ نصه بالتحليق بعيداً وينال ما يستحقه من وجود في فضاء المسرح بصورته الكونية في تنقله بين عواصم العالم العربي والعالم.

وقال بهذا الصدد: سبق أن تم عرض بعض نصوصي في مسارح عربية متعددة في بيروت وبغداد والقاهرة، وأقول إني سعيد بعرض «عيناها» في مهرجان مهم كمهرجان القاهرة، ليس لاعتبار شخصي بل لأنه يخص الكاتب والمسرح المحلي الذي بدأ يحلق خارج الدولة، وبهذا الخصوص أشكر الدائرة الثقافية في الشارقة التي أسهمت بنشر نصوصي وتعريف المسرحيين العرب بها، كما أني أهدي عرض «عيناها» في مسرح القاهرة إلى صديقي وأستاذي الراحل عوني كرومي الذي أفقدني رحيله بهجة الحياة وفرحة مسرح كنت أشاركه معها، أما عن النص وتواجده في الساحة المحلية؛ فأقولها وبكل أسف ان الساحة لم تستوعبه.

وربما سيأتي الوقت الذي ستراه فيه بعين وذهن آخر، أما آخر أعمال «كرامة» فتحدث عنها قائلاً: أعمل حاليا على نص جديد بعنوان «في البيت» ويدور حول فلسفة الحب التي تقع بين امرأة من طبقة ثرية وأحد لاعبي السيرك الفقراء والإشكاليات الإنسانية التي تنبع من قصة الحب هذه، كما قام المخرج الأوروبي «كورنارد كلارك» بإخراج قصة «القافلة» التي كتبتها منذ سنوات وتحويلها إلى فيلم سينمائي جرى تصويره في الصين وسيشارك به المخرج في مهرجان دبي السينمائي المقبل.

مقاربة شعرية

في مشهدية عالية، ورحيل في فضاء لامتناهي؛ تنادي بطلة «عيناها» (شوك) رفاق دربها للرحيل عن المدينة التي غزاها الغرباء، فتقول: «دعونا نرحل.. سنأخذ معنا بخار المرايا، وأحلام منتصف الصيف وأغاني نيسان، وسنتمسك بالصمت، ريثما ينادي البحر أصحابه، سنأخذ البحر معنا، سنأخذ رائحة القهوة، سوف نأخذ معنا ما خف حمله من الذكريات.. دخان القلوب المحترقة».

وكأن صالح كرامة يحاكي في رومانتيكية مدهشة وموجعة في آن، نشيج الشاعر العراقي -الذي أسس للمنافي- بدر شاكر السياب في رائعته «أنشودة المطر» وكأن «عيناها» هي ما أخبر عنه ابن البصرة الفيحاء:

عيناك غابتا نخيل ساعة السحر

أو شرفتان راح ينأى عنهما القمر

عيناك حين تبسمان تورق الكروم

وترقص الأضواء.. كالأقمار في نهر

يرجه المجداف وهنا ساعة السحر

كأنما تنبض في غوريهما النجوم

بين «عيناها»- صالح كرامة و«عيون ابنة الجلبي» ـ السياب؛ ثمة مفارقة تقود دوماً نحو غزو «الغرباء» وجمر المنافي وعذابات العزلة.

أبوظبي ـ محمد الأنصاري: