قلب الموسم المسرحي الصيفي الثاني الذي تنظمه جمعية المسرحيين بالدولة برعاية ودعم من صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة كل التوقعات التي أشارت العام الماضي وهذا العام إلى عدم إمكانية نجاح العروض المسرحية الجادة والخارجة من عباءة مهرجان أيام الشارقة المسرحية في التعاطي مع الجمهور المحلي والتواصل معه، كما قلب كل الآراء التي أصرت على أن نتائج الموسم المسرحي الصيفي الأول في العام الماضي هي نتيجة طبيعية لعدم نجاح أي تظاهرة فنية ثقافية في أشهر الصيف لغياب الجمهور.
فيوم الثلاثاء الماضي انطلقت أولى عروض مسرحيات الموسم الصيفي على مسرح مركز كلباء الذي استقبل مسرحية الضمأ لمسرح كلباء الشعبي ومسرح جمعية دبا الفجيرة للفنون الذي استقبل مسرحية «سفر عميان» وتلاهما يوم الأربعاء الماضي عرضان هما «مولاي يا مولاي» على مسرح دبا الفجيرة و«السردال» على مسرح كلباء، وتناوبت العروض بعد ذلك لتشمل تقديم عرض مسرحية «قوم عنتر» وسفر عميان على مسرح كلباء..
وهكذا بين مسرحي دبا الفجيرة ومركز كلباء الثقافي توزعت عروض الموسم فيما يشبه مهرجاناً مسرحياً مصغراً اقبل عليه الجمهور بكثافة واستطاعت العروض المسرحية التي تحظى بالإعجاب. ومن خلال الانطلاقة الناجحة لعروض الموسم الصيفي للمنطقة الشرقية يمكن رصد ملامح كثيرة في هذا المشروع الذي أراد له صاحب السمو حاكم الشارقة في العام 2005 أن يكون حافزاً لتعاطي الجمهور مع ثقافة المسرح كونه نافذة من نوافذ الإشعاع الفكري والإبداعي، وكذلك دعماً للفرق المسرحية الأهلية التي تمر عليها المواسم من دون حركة مسرحية فاعلة وأيضاً تعميم التجارب المسرحية المحلية الناجحة خلال مهرجان أيام الشارقة المسرحية والتي لا يشاهدها إلا نخبة من النقاد والجمهور النوعي.
ومن هذه الملامح أن المسرحيات التي اختارتها اللجنة لعروض الموسم الصيفي الثاني هذا العام استطاعت كسر الحاجز الوهمي الذي صنعه النقد السطحي من خلال مقولة إن الأعمال المسرحية المعدة للمهرجانات المحكمة لا تصلح للجمهور، كونها أعمال نخبة، كما كسرت حاجز مقولة إن الجمهور لا يبحث هذه الأيام إلا عن الأعمال المسرحية التي تحتوي على مزيد من الهزل والكوميديا الرخيصة.
فالأعمال التي قدمها الموسم هذا العام اغلبها أعمال جادة وتحمل مضامين فكرية وشعورية عالية لكن تقانة المسرحيين وقدرتهم على التعاطي مع الجمهور وتمكنهم من إنشاء علاقة فنية بناءة مع جمهور الصالة، وتعاطي الجمهور المتفاعل مع هذه النوعية الأعمال من خلال تأييده لها وإشادته بها كسرت حاجز المقولات الجاهزة والتي حكمت على أعمال المسرح المحلي بالموت وحكمت على الجمهور بعدم تقبله لها.
الملمح الثاني الذي يمكن رصده كذلك من انطلاقة الموسم المسرحي الصيفي الثاني هذا العام هو اعتماد جمعية المسرحيين على برمجة ناجحة للعروض بدلاً عن تلك التي كانت معتمدة في الموسم الماضي، فجدول العروض الجديد يوفر تكون حالة من التظاهر المسرحي في المدينة الواحدة، حيث تتوالى العروض كل نهاية أسبوع ولمدى ثلاثة أو أربعة أيام في مكان واحد مما يشكل ما يشبه المهرجان المسرحي المصغر والمتجول بين مدينة وأخرى. وهذا ما جعل الجمهور يتواصل بشكل يومي مع العروض.
والملمح الثالث أن جمعية المسرحيين كثفت هذا العام من إعلاناتها للموسم عن طريق وسائل إعلامية عدة وعقدت اجتماعات متكررة مع مندوب الفرق المسرحية الأهلية للوصول إلى صيغة مناسبة للإعلان عن العروض. أما الملمح الرابع والأهم فهو مرور هذه المهرجانات المسرحية الصغيرة على مدن الدولة بحيث ستشهد كل إمارة خلال الشهر الحالي والذي يليه موجات من العروض المسرحية المتنوعة في الأساليب والطرح.
إن انطلاقة مهرجان الموسم المسرحي الثاني هذا العام تبشر بإعادة الكثير من الحسابات على الصعيدين الجماهيري والمسرحيين أنفسهم الذين قطعوا أشواطاً كبيرة خلال الأعوام الماضية في محاولة الوصول بأعمالهم المسرحية النوعية التي كانت تنجح في المهرجانات ولا تلاقي نصيبها من الجماهيرية إلى نوع من الاستمرارية، وهذه الأخيرة من شأنها أن تبلور طقساً سنوياً للمسرح يتيح له فرصة كبيرة للانتشار وبالتالي المزيد من التفاعل والتعاطي مع فكر المسرح وفنونه.
الجدير بالذكر أن موسم العروض المسرحية الصيفية انطلق بناء على أوامر من صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة بهدف تفعيل ودعم أعمال الفرق المسرحية الأهلية، وذلك عن طريق توفير دعم مادي لهذه العروض يقدر بأكثر من 600 ألف درهم، تستلم كل فرقة مسرحية مشاركة في الموسم منها ما يقدر بـ 60 ألف درهم نظير ستة عروض مسرحية تقدمها الفرقة،
فيما يذهب بقية الدعم لتأمين سكن الفرق التي تتنقل عبر الإمارات بعروضها وجانب من الدعم يذهب لوسائل الإعلان والدعاية ومكافآت اللجان العامة في مجال التنظيم، وتعمل جمعية المسرحيين على تنظيم عمل هذه اللجان والإشراف الكامل على تسيير هذه العروض، كما يتم انتقاء العروض المشاركة في الموسم الصيفي من بين الأعمال التي تتميز خلال دورات أيام الشارقة المسرحية من خلال لجنة خاصة تقوم على فرز نوعية من الأعمال المسرحية المناسبة.
كتب: مرعي الحليان

