غيب الموت صباح الثلاثاء الرابع من يوليو الجاري في برلين، الفنان التشكيلي الفلسطيني الرائد (إسماعيل شموط) بعد رحلة طويلة من العطاء الفني التشكيلي المنوع، كرسه بكامله، لقضية شعبه وأمته النازفة منذ قرابة ستين عاماً وحتى اليوم، وقد رافقته في مسيرته الحافلة هذه، زوجته الفنانة التشكيلية (تمام الأكحل) فكانت بذلك رفيقة دربه وحياته وفنه ونضاله.
آخر أعمال الفنانين الزوجين المبدعين إسماعيل شموط وتمام الأكحل، شاهدها جمهور دمشق قبل حوالي ثلاث سنوات، في المعرض المشترك الذي شهده المتحف الوطني بدمشق، تحت عنوان (فلسطين ـ السيرة والمسيرة) كما زار هذا المعرض حلب والإمارات العربية المتحدة... وغيرهما، وذلك قبل أن ينتهي به المطاف في فلسطين، مشكلاً (نواة متحف الذاكرة الفلسطينية) في (أبو ديس) جوار القدس العربية المحتلة.
يعتبر الفنان إسماعيل شموط من أبرز وأهم الفنانين التشكيليين الذين أرخوا بفنهم للجرح الفلسطيني النازف منذ بدايته وحتى آخر مرة مسك فيها الريشة والألوان. ولد الفنان شموط في مدينة (اللد) عام 1930. التجأ عام 1948 إلى مخيم خان يونس بقطاع غزة. درس الرسم والتصوير في كلية الفنون الجميلة بالقاهرة ما بين عامي 1950 ـ 1956، تابع بعدها دراسته في أكاديمية الفنون الجميلة بروما.
تزوج عام 1959 من زميلته الفنانة التشكيلية تمام الأكحل. شغل منصب أول أمين عام لاتحاد الفنانين التشكيليين الفلسطينيين، وألو أمين عام لاتحاد الفنانين التشكيليين العرب. له عدد من المؤلفات الفنية والثقافية والتراثية. أقام العديد من المعارض مع زوجته، كما حصلت أعماله على العديد من الجوائز الفلسطينية والعربية والدولية.
واكب الفنان شموط بأعماله الفنية نكبة فلسطين منذ بداياتها الأولى وحتى رحيله أول أمس، وهو مواكبة صادقة وعاشقة لأرضها وتراثها وشعبها وأمتها، تقدم نفسها بكثير من الوضوح والنبل والنقاء، في مئات اللوحات الصغيرة والجدارية التي خرجت من بين أنامله الموهوبة البارعة والوفية لموضوعاتها ووسائل التعبير عنها.
من أبرز خصائص ومقومات تجربة إسماعيل شموط انتقائه للموضوع المؤثر، وحشده لعناصر وأشكال كثيرة من جدارياته، والصدق والانفعال الواضحين في معالجة لوحاته، إضافة إلى التنوع المشهدي الذي يلجأ إليه، في غالبية منجزاته الفنية التي تعتبر خير مؤرخ موثق، للقضية الفلسطينية، بمراحلها وتحولاتها كافة، بدءاً من النزوح والتشرد وفقدان الأرض والأهل، وانعكاسات ذلك، على وجوه المسنين والشباب والأطفال:
ألماً، وحزناً، وضياعاً، ودهشة، وانتهاءً بمظاهر الكفاح والنضال والصمود، من أجل استرداد الوطن والأرض والحقوق، والتي تمثلها ثورة شعبه البطل التي أخذت أكثر من شكل وصيغة، هذه الثورة التي بدأت شراراتها مع بداية النكبة، وها هي مستمرة حتى يومنا هذا.
لقد صور الفنان شموط، في فنه الواقعي التعبيري المتكامل رسماً وتلويناً، موضوعاً ومعالجة، وبكثير من البراعة والنبل والإخلاص، ثورة شعبه العظيم: في انتفاضة المقاتلين من الرجال والنساء، ثم في ثورة أطفال الحجارة، وفي وقار الشيوخ، وتجذر النساء في الأرض، وتطلع الشباب إلى المستقبل، بانكبابهم على الدراسة والعمل وصنع حياتهم الجديدة، بجوانبها السياسية، والاجتماعية، والاقتصادية، والثقافية. كما صور الشهداء الذين سقطوا ويسقطون يومياً، من أجل أن تنهض فلسطين عزيزة، حرة، كريمة... الشهداء الذين يعودون أبداً ودائماً، إلى وعي الأمة وضميرها وذاكرتها.
لقد جسدت أعمال الفنان شموط ملحمة الشعب العربي الفلسطيني بلغة فنية واقعية تعبيرية مختزلة، ثرة الألوان، حاشدة العناصر، غنية الرموز والإشارات، ما جعلها تتمكن من الإحاطة بكافة ملاح وتفاصيل القضية الفلسطينية، وإبراز خصوصيتها وعظمتها وفرادتها.
مزج الفنان شموط في أعماله، بين الرمز والواقع، مؤكداً على التمسك اللامحدود لشعبه بأرضه وموروثه الحضاري الضارب في القدم، وعلى إرادته الصلبة بالدفاع عن قيمه وحقوقه ومستقبل أطفاله. لقد عكس الفنان شموط بفنه الملحمي، مشاهد متداخلة وغنية بالتفاصيل: الإصرار المدهش لشعبه الجبار، على النهوض من دماره، وبناء حياته الجديدة الكريمة الحرة، فوق أرضه المتجذر فيها كالشجر العتيق، رغم حجم التحدي الصهيوني وشراسته، وقسوة الظروف المحيطة به وبقضيته.
لقد التزم الفنان شموط قضية شعبه منذ تعرف على وسيلة تعبيره، والتزم بخط مواز، اللغة الفنية القادرة على إيصال هذه القضية بشكل واضح وصادق، إلى أكبر شريحة ممكنة من المتلقين، وهكذا يكون قد التزم الفنان الرائد إسماعيل شموط الشكل والمضمون في فنه: الشكل المقروء والمفهوم القادر على التواصل مع الناس، والمضمون الوطني والقومي النبيل. هذه المقومات والخصائص مجتمعة، تجعل من إسماعيل شموط، فنان القضية الفلسطينية الأول بامتياز، وعاشق بلاده المتيم والنبيل.