انتقلت لعبة كرة القدم من الإطار المحلي الضيق إلى الإطار الإقليمي بسرعة مذهلة قياساً إلى كل النشاطات البدنية الأخرى وبالسرعة نفسها انتقلت إلى المستوى القاري ثم العالمي ويذهب خيال البعض إلى الاعتقاد بوجود مشجعين ومتابعين من مجرات أخرى غير معروفة لنا إلى الفرق الممتعة بأسلوبها الكروي الساحر.
فإن للتقنيات والوسائل الحديثة في نقل المنافسات العالمية والقارية بسرعة كبيرة ومتطورة من خلال القنوات الفضائية (الكثيرة والمتعددة) دورها البارز في اتساع رقعة وعدد مشجعين وأنصار بعض الفرق المحترفة في كل أنحاء العالم وعلى سبيل المثال وليس الحصر أضحى مانشستر يونايتد الإنجليزي يملك جمهورا في كل أنحاء العالم، فهو في قارة آسيا وحدها يملك ما لا تملكه المنتخبات والأندية المحلية.
والأمثلة كثيرة كالصين وتايلاند والكويت وغيرها من الدول وكذلك الريال والبارشا في اسبانيا وميلان في إيطاليا وبايرن ميونخ في ألمانيا، وكل هذه الأندية تملك جماهير متابعة وبشغف منافسات هذه الفرق أكثر بكثير من المنافسات المحلية.
وهذا الأمر بتزايد سريع وملحوظ فالأندية المحترفة احتكرت كرة القدم من خلال تعَلُق الجماهير بالعروض الفنية الساحرة لهذه الفرق، ولم تترك إلا خياراً واحداً للآخرين لدخول المنافسة وهو الانفتاح والتطور الذي لابد منه لمجاراتها، إن التطور لا يعني بالضرورة وجود الريال والبارشا أو مانشستر وشلسي في كل بلد.
ولكن من حق الجماهير أن تشاهد كرة قدم ممتعة ومتطورة، إن الإثارة التي يخلقها التنافس على نقاط الفوز تختلف عن المتعة التي يشعر بها المشاهد والمشجع من خلال المستوى الفني الرفيع لمباراة كرة قدم وهي وحدها الكفيلة بإقناع جماهير اليوم، فالجمهور أصبح واعيا ومتذوقا إلى درجة المزاجية في مشاهدة أو عدم مشاهدة مباراة كرة القدم، ليس بوسع أحد اليوم إرغام الجمهور على الذهاب إلى الملعب أو الاستاد. فكرة القدم هي متعة مشاهدة وهي ذوق رفيع.
و السؤال المطروح الآن ،هل باستطاعة أندية العين والأهلي والوحدة لعب نفس الدور الذي تلعبه تلك الأندية الكبيرة لرفع مستوى الأداء إلى العالمية وما هو السقف الزمني الذي تحتاجه أنديتنا للعب ذلك الدور.
قانون الاحتراف يضع أنديتنا أمام مسؤولياتها التاريخية
الحقيقة أن الأنظمة الاحترافية في تلك البلدان الأوروبية هي التي ساعدت على الارتقاء بالمستوى الفني للعبة من خلال تطويع كل قوانينها لمصلحة اللاعب، فحرية الانتقال وتامين مستلزمات المعيشة وفرت للاعبين الاستقرار النفسي للتركيز على التدريب وتقديم أقصى ما يمكن في عمره الرياضي والذي يعد قصيرا بالمقارنة مع المهن الأخرى.
وبالمقابل فانه يعطي الحق الكامل للأندية في التعامل مع اللاعب بعد التعاقد معه، فحقوق الأندية تأتي في المقدمة أي أن اللاعب يتبع النادي في كل الأحوال حتى لو تعارضت الأمور مع أجندة الاتحاد أو جداوله لإعداد المنتخبات، وبهذه الصيغة قد ضمنت البطولات المحلية لتلك البلدان منافسة مستقرة ومتطورة والتي انعكست ايجابيا على أداء اللاعبين وفي كلا المكانين النادي والمنتخب، فالنادي يضمن للاعب مستوى عاليا من التدريب ويتكفل بعلاجه ومستواه المعاشي وبذلك فقد كسب المنتخب تشكيلة جاهزة بدنيا ومهارياً.
الاحتراف الهاوي يخلط أوراق الحقوق والواجبات
أما في بلدان الاحتراف الهاوي والذي تختلط فيه الحقوق والواجبات فغالباً ما تؤثر المشاركات الخارجية للمنتخب سلبا على المنافسة المحلية، ولا يمكن لإدارات الأندية بالتدخل حينها لان الوطنية ستدخل في الموضوع على حساب مستوى الدوري المحلي، ولهذا فإن الاحتراف هو تحد حقيقي لشخصية الأندية وقوتها، فالمنتخب بحاجة إلى لاعبين جاهزين ومستوى اللاعبين بحاجة إلى الأندية المحترفة لرعايته أي أن المنتخب هو من سيقطف ثمار الاحتراف وبتكاليف اقل بكثير من الأندية، فالالتزام بمواعيد البطولات المحلية يجب أن يكون أولوية لإدارات الأندية إذا ما أرادت التألق وتقديم كرة قدم بمستوى عال.
التدريب الاحترافي هو الأساس في رفع المستوى الفني
فرفع المستوى الفني هو الخيار الأوحد للاستمرارية في العطاء من خلال الاهتمام الحقيقي بكل مقومات نجاح المؤسسات الكروية في إعداد اللاعبين والفرق ولمختلف الأعمار والمستويات، وبالذات عنصر التدريب وبشقيه البدني والخططي، فالاثنان مهمان لرفع مستوى وأداء اللاعبين، كما أن العلاقة بينهما هي علاقة تبادلية أو توافقية، أي أن التطور في الجانب البدني يرافقه تطور حتمي في الجانب العقلي أو الخططي والعكس صحيح لأن التطور الخططي يحتاج بصورة مؤكدة إلى تطور في الجانب البدني وهذا الموضوع يرتبط ويعتمد بدرجة كبيرة على موضوع أشمل وهو قدرة الإنسان وأين تقف هذه القدرة.
ورغم اختلاف الأفكار والرؤى في إمكانية رفع مستوى اللاعبين بدنياً في البلدان المتقدمة كرويا إلا أن الشيء الجيد هو أن التدريب البدني لا يمكن حكره عن الآخرين ومن الممكن نقله بصورة تفصيلية عن خبراء الكرة المحترفين في مختلف أنحاء العالم لأنه مرئي وواضح للجميع.
ولكن المشكلة التي تكمن في التدريب العقلي والخططي فمن الصعب والعسير نقله لأن التطور الذي يحصل فيه سريع جداً ويكون عبارة عن فلسفة وفكر تدريبي يوجد في رأس أو عقل المدرب، وهو نتاج الموهبة بالدرجة الأساس بالإضافة إلى عوامل الخبرة الميدانية في العمل التدريبي.
إياد العقيلي