فمن حق «حلب» اليوم أن تشعر بالسعادة وهي تحتفل، وعلى مدى عام كامل بكونها عاصمة للثقافة الإسلامية بعد «مكة المكرمة»، وبعد أن حشدت كماً فكرياً ومعرفياً متكاملاً، وأعادت ترميم وتأهيل المباني الأثرية والتاريخية فيها، والتي تمثل نموذجاً بديعاً للمدن الإسلامية،

فكان أولاً اختيار افتتاح «الجامع الأموي الكبير» من قبل رئيس الجمهورية، إيذاناً ببدء فعاليات الاحتفالية في مارس الماضي، من دون نسيان مكانة قلعتها الشهيرة وأبوابها وأسواقها وخاناتها وجوامعها وكنائسها وحماماتها وبيمارستاناتها وبيوتها الأثرية، التي تشي عن عصور من المجد، تتالت عليها الفترات: الحمدانية والسلجوقية والزنكية والمملوكية والعثمانية، مما جعل «اليونسكو» تسجلها كأهم مدينة إسلامية تحتفظ بعمارتها القديمة.

وإذا كانت هذه الاحتفالية ستشمل إلقاء أكثر من مئتي محاضرة وإقامة عشر ندوات دولية، إلى جانب إقامة أكثر من عشرين معرضاً متخصصاً في الفن التشكيلي والتصوير الضوئي والصناعات التقليدية والأزياء التراثية والمخطوطات والوثائق والطوابع، إلى جانب المهرجانات الفنية والمسرحية والسينمائية وطباعة الكتب والنشرات الإعلامية.

فلا بد أن أتوقف عند الندوة التي خصصت لابن خلدون بمناسبة مرور 600 عام على وفاته، وليته يستطيع العودة ليرى الأمم الضعيفة كيف تقلد القوية في المأكل والمشرب والأخلاق السيئة والعادات الشاذة، أو تلك الندوة التي أقيمت حول الحياة الفكرية أيام الأيوبيين، والتي أبرزت بشكل ساطع، كم كان عصر «صلاح الدين الأيوبي» عصر علم ومعرفة،

ولم يكن عصر ركض وراء خرافات غربيَة ابتدعها رجال مهووسون، أو لنرى الحقائق ساطعة ونحن نتابع ندوة عن «حقوق الإنسان في الإسلام»، قبل أن يطلع علينا «السيد البيضاوي» بموسيقاه النشاز عن الحرية والديمقراطية في «غوانتانامو» و«أبو غريب»، كما لم ينس القائمون على هذه الاحتفالية أن يقدموا لنا «وصلات» فكر أصيل عن «الفارابي» الذي ألف كتاب «الموسيقي الكبير» في بلاط سيف الدولة الحمداني، وعن أصول المدرسة الحلبية في الموسيقى ورحلة الموشح من الأندلس إلى الشهباء،

كما كان للأدب حظ وافر، فما قاله الشعراء عن حلب لا يعد ولا يحصى.. من أيام بيت المتنبي إلى الصالونات الأدبية، وسير البحتري والمعري وابن العديم، وعبد الرحمن الكواكبي وعمر أبو ريشة وإبراهيم هنانو وكامل الغزي وسعد الله الجابري وأسماء كثيرة عاشت في حلب أحبت ناسها وهواءها وترابها، تماماً كما فعلت «أغاثا كريستي» حين أقامت في حلب سنوات طوال، أبدعت خلالها أشهر أعمالها البوليسية، حتى أن «لامارتين» لم يتردد بتسمية حلب ب«أثينا الآسيوية»، بينما أحب «رامبليز» أن يناديها «لندن الصغرى».

ولأنني أعرف «حلب» من قبل أن أتعرف على نباهة «لامارتين» و«رامبليز»، وأعرف أهلها الطيبين الذين تبرعوا بما يزيد على 200 مليون ليرة، لإظهار مدينتهم بالصورة اللائقة، كما زينوا طرقاتها بأعلام الدول المشاركة، مع عبارات الترحيب التي ترافقك أينما حللت.. فيكفيني أنني عدت لزيارتها لأكتب عنها وأستعيد أيام طفولتي الأولى، لكنني أعترف أنني لم أفلح يوماً في البوح والتعبير عن حنيني الدائم إليها.

alomawi@albayan.ae