في الصباح دس السم لجميع كائناته، طوق سماءه العالية بالأسوار، وتوقف عن نفسه. جفف عينيه من الوميض، عروقه من الدهشة، مسح وجهه عن المرآة. ولعله ابتعد عن المسافة، اختصر دواته على مسودة مرتبكة، ورشق حروفه على حائط من القش والطين. أو ربما اقتصر على الكون، حين تملى إبهامه، وحاول أن يطارد نفس سيجارة، الدوائر المتلاشية مررت ريحاً عاتية، الحروف الأخيرة حملت أطراف حديث عن الحب.
ومراراً تعثر في الأسئلة، وتوهم أن السماء فوق رأسه، وأن رأسه فوق كتفيه. وأنه سيغري طائر الشعر بنظرته الساهمة. حاول اقتفاء نفسه، تحجرت ملامحه، عرف أن حكمة بوذا في ضحكته، وأن السهروردي قتل في عامه الثامن والثلاثين. وأنه يكبر السهروردي بعدة شهور، وأن حياته باءت بالفشل، وأنه لا ذرية لمحيي الدين ابن عربي، ولا نسل للأنبياء.
قال إنها دار الفناء، وإنه أبقى على نفسه، وقال إنها دار الشقاء، وإنه بكى على نفسه، وقال صحا الولد على شيبه، وقال إنها كانت تتكور على نفسها، وإنها تتدثر بغطاء من صنع يديها، وإنها تنام على صوفا من المعدن ووسادة ناعمة، وأنها تفيق على صليل الروح، وقال إنه لا سبيل إلى وصف عينيها،
وقال في عينيها سيرتها، وقال لم يبق الحزن على شيء، وقال إنها دار بلاء وابتلاء، وقال طار الفتى عالياً، نام على غيمة، وفاق على غمة، وقال إنها دار الندم، وقال إنها بذرة العدم، وقال إن روحه جفت، وقال إن خطاه كفت، وقال إنه تعين عليه هذا الحجم، وقال ما تبقى شيء، وقال إنه توقف عن كل شيء.
في المساء أطفأ السراج عن حارته القديمة، كي يستريح الأموات والأحياء. جرى على لسانه حديث ذو شجون، استعاد نفسه لبرهة، وجاز حنينه وهو يتلصص إلى عدة أعوام سابقة. بعد قليل، أسقط العالم من حساباته، دخل طور الحكمة. سحب نفساً عميقاً من سيجارته، وتجلى.
أولاً، اعتذر عن هفوة القلب الأخيرة، واعتبر الشعر زلة في اللسان، وضاق ذرعاً بالموسيقى التي تحيطه، فاستأذنهم بأغنية حزينة، دارت به الدنيا واختلطت عليه الوجوه والأمكنة، جفف لسانه من الكلام، وعاد إلى بيت أهله، كان التنور مسجوراً، ورائحة الخبز الحار، وأثر الطحين، وطيف الأموات والبخور، وكان الفطور العائلي، وسهرة القنديل والمدفأة.
ومن الصور التي تخطر على باله. فيلم أنا بافلوفا وحلقة النار التي تحيطها وهي ترقص بقرية مصابة بالطاعون. تلعثم صديقته ليلى وعذوبة النمش الخفيف على خديها، والقبلة الأولى التي أوقعت بها على السرير.
الوميض العميق والحزن الكبير في عيني أمه، وحكايتها عن ست الحسن وسن الغول. وأشياء أخرى عديدة، كالميدالية التي تلقاها من نضال، وعبارة ابنة القلب في قصيدته الأولى، ولعبة البوراكو مع صاهود، نفس خديجة على الطعام، كلماته القديمة المحفورة على درج البيت، حذاء عصام البالي، وصندوق طه الأخضر.
بعد قليل لمح أحد الحاضرين دموعه، فاستعاده بسؤال عن الجدوى، وحديث عن آخر القتلى، ابتسم.. حاول أن ينهض، شعر بدوخة في الرأس، ونار في باطن القدم. قال إنه غيض من فيض، وإنه ذهب إلى آخره وما من شيء، وإنه ذهب إلى سواه وما من شيء.
وقال إنه ولد في ليلة عاصفة، وإنه رأى في ليلة عاصفة، وإنه قال في ليلة عاصفة، وإنه صمت في ليلة عاصفة. وقال إنه ما رأى سكينة قط، وما رأى زينة قط، وإن لا به، وإن لا عليه، لكنه أراد ما أراد، فانتهى إلى ما انتهى إليه.
إسماعيل الرفاعي