هل يصل كتابنا ومبدعونا المحليون إلى نتاجات بعضهم البعض بطريقة سلسلة فيها شيء من التواصل الفكري والإبداعي الحميم، هل ما ينتج من أدب محلي مقروء مغر على الإقبال؟ هل يشكل هذا النتاج وبحجمه الكمي والنوعي فكراً وأدباً يتماهى مع بعضه البعض ليعيد تشكيل حالات الاستفزاز الإبداعي عن طريق التناص والانزياحات الجمالية؟
وهل صدور كتاب محلي جديد يعني حدثا مهما في الساحة الثقافية المحلية تحفز عملية الإقبال؟
أسئلة حملناها سلة واحدة إلى عدد من أدبائنا بحثا عن إجابات تضيء ما وراء قراءة المنتج الفكري والإبداعي في الساحة من جهة وتتقصى رواجه في الوسط الثقافي من جهة أخرى..
الشاعرة صالحة عبيد غابش أمين عام المجلس الأعلى لشؤون الأسرة بالشارقة قالت: ليس لدي كاتب بعينه أحرص على متابعته، وإنما العنوان ما يجذبني بالدرجة الأولى وليس الكاتب فالعنوان يشعرني بحاجة أن أعرف ما وراءه حتى لو كان رواية وليس كتابا فكريا فحسب؛ عادة العناوين تجعل عندي شيئا من التحفيز،
وأتمنى بالفعل أن يكون عندي القابلية لكاتب إماراتي، والسبب قلة الإنتاج وقلة الإصدارات المحلية من الكتب حيث توفر فرصة الاختيار، وحين يكون الإنتاج مكثفا أحيانا أقتني كتابا إماراتيا لأعرف إلى أين وصل كتابنا؛ فليس هناك مجال واسع للاختيار لأقول هذا الكاتب يشدني أو أن أقرأ هذا العنوان. وقد يكون التقصير راجعا إلى الكتّاب أنفسهم ولو بنسبة لأن الكاتب غير متفرغ، وليس لديه المحفز المادي وهو المهم.
والحل في تفريغ الكاتب، ونطالب وزارة الثقافة أن تفرِّغ مجموعة من الكتّاب لمدة عام على سبيل المثال لانجاز كتاب على أن يفرَّغ الكاتب كمنتج وليس كإداري، ولابد أن تظهر إصدارات تعبّر عن تاريخ وثقافة وحضارة الإمارات، ولا بأس أن يكون أديبا علما. ان من الصعوبة اشتراط مدة زمنية محددة على شاعر أو أديب مثلا ليضع ديوان أو رواية. الكاتب عندنا يستسلم للإحباط بسهولة وبالتالي يشعر باللاجدوى، وأنتقد في ذلك نفسي قبل سواي؛ لأنني في المنظومة ذاتها.
الحاجة للتواصل الداخلي
تعترف القاصة باسمة يونس مسؤولة النشر والتأليف في وزارة الثقافة وتنمية المجتمع بأنها تضع قراء الأدب المحلي في المرتبة الأولى بالنسبة لأولياتها على اعتبار أن الكاتب بشكل خاص مهموم بالقضايا المحلية، ومهتم بما يعايشه وهو صاحب تجربة، وتقول: نحن بحاجة إلى التعرف على الزملاء الآخرين والوقوف على ما توصلوا إليه من تطور في إبداعهم ولن يحدث ذلك إلا بالاطلاع على نتاجاتهم، فالكاتب والكتاب المحلي الأهم، وليس من الخطأ المقارنة مع الآخرين خاصة أن هناك من قد يبدأون ويشكلون مفاجأة للوسط الثقافي فلم لا نمنحهم الأولوية.
اقرأ الكتاب المحلي ولكن ليس كل كتاب يصدر يستحق القراءة فهناك من يكتب للنشر وآخرون يكتبون للقراءة، وهناك الغث وهو الأكثر، علينا ان نستقرئ الكتاب المحليين، ولابد من القراءة للجميع. ولا ينبغي الاعتماد على النقد الخارجي، وألا نخطئ في حق كتّاب الداخل نحن بحاجة إلى تواصل داخلي.
حتى وان وصلنا إلى حالة من الجدل والحرب الفكرية على المنتج الا انه لا ينبغي أن نتحامل ولا أن نجامل بل أن نتواصل ونلتقي كأدباء ذوي توجه وقضية مشتركة؛ وأن نتخلى عن الاستناد إلى ظهر أو رأي آخر قد يجامل أو يحطم. ومسألة القراءة المحلية تبقى هي أضعف الإيمان في ظل غياب مرفق محلي يضم هذا الفعل، وعلى اتحاد الكتاب أن يحاول صياغة مثل هذا المرفق وتنظيم ملتقيات بشكل جدي وواع، أعني اللقاء الإنساني الأولى من اللقاءات الأدبية، ويتخلله طرح مساجلات بعيدة عن الأمسيات.
الوحدة خارج السرب
من جانبها تقول القاصة نجيبة الرفاعي: لا ينبغي أن نتعالى على نتاج بعضنا البعض بإهمال التعامل معه، فمن خلال قراءتي للآخرين أستطيع الحكم على نفسي والقراءة للآخر هي عملية استفزاز إبداعية وتحد يدفع بمحاولة الوصول أو المجاراة وهذه أمور طبيعية عند مجاورة إبداع الآخر، ثم ان الاطلاع على تجارب بعضنا البعض يوفر خاصية منع التناول المتكرر للقضايا المطروحة وفرصة للرد عليها من زاوية أخرى مختلفة. أنا اقرأ لهم حتى لا أشعر بأني وحيدة وبعيدة عن السرب.
احترم ما يكتبون
الشاعر والإعلامي سالم الزمر يقول : أقرأ لمن أحترمه، وأكثر قراءاتي في المجال الأدبي وقليل منها في التاريخ. أقرا لأحمد محمد عبيد وهو الناشط في مجال البحث، كما أقرا في مجال البحث التراثي ومنه عمل لا بأس به يقوم به سلطان بخيت العميمي، بصراحة أقرأ لهم لان هناك صلات بيننا ولأني أحترم ما يكتبونه. في مجالات الشعر أقرأ النتاج الجيد والجيد قليل جدا. كما أن الإنتاج بحد ذاته قليل وأكثره غير جيد. وليس لدينا أجيال متتابعة في ميدان العمل الإبداعي أو البحثي، والبحثي أكثر ندرة وأقل جودة لأنه يحتاج أدوات ومعرفة وعلم وبحث جاد أكثر منه كتابة إبداعية.
هناك عدم تقدير للمجتهد الباحث، وهناك كثيرون يدعون الإبداع؛ لأن ادعاء الإبداع سهل؛ لكن البحث الجاد والمهتمون به قلة. والمجتمع والمؤسسات لا يقدران لا الباحث الجاد ولا المبدع الجيد وإنما التقدير لذلك القادر على تسويق نفسه، والمادي والمواكب للإعلام الاستهلاكي،
وكل إنسان قادر على تسويق نفسه بلغة تناسب لغة الوقت يشتهر ويجد له موطئ قدم، ومن يحترم نفسه ويعمل بصمت وينتظر من يقدره فقد يموت ولا أحد يقدره، والأمثلة كثيرة؛ فمن التفت إلى حمد خليفة بوشهاب في نتاجه الشعري والتراثي إلا أخيرا وبعد سنوات من وفاته انتبهوا ليضعوا له طابعا. ما هو التقدير الذي حصل من جانب الباحثين إذا كانوا موجودين؟ هل سلط على جهد بوشهاب في الشعر؟
أما التاريخ؛ فأين البحث في تاريخ الإمارات إنه غير واضح وغير ظاهر هناك أسماء محدودة. قد يكون التقصير من أنفسنا؛ لكن الواضح أنه ليس هناك محاولة جادة لإشاعة الثقافة الحقيقية المبنية على أصول البحث العلمي والأدبي الحقيقي؛ فهذه غائبة وغير موجودة، وإن وجدت فهي عبر جهود فردية لاتلقى العناية ولا التشجيع إلا نادرا.
غياب الترويج الصحيح
يعترف الباحث عبدالعزيز المسلم مدير التراث والشؤون الثقافية بدائرة الثقافة والإعلام بالشارقة بأن قراءته أفقية حيث يقوم بقراءة كتاب الأعمدة والزوايا بشكل ثابت إلا أنه لا يسعى لاقتناء كتاب بعينه وإنما يقرأ ما يهدى إليه، لقناعته بأن المنتج من كتاّبنا متشابه.
ويقول: إننا جميعا نسعى للازدياد المعرفي، ولا أتصور أن هذه الزيادة ستتحقق عن طريق قراءة بعضنا البعض وإنما الكتاب الخارجي هو الجدير بالاطلاع لأنه يحمل تجربة مختلفة جديدة، ونحن لدينا قصور في الاطلاع على الكتاب وليس لدينا قصور في المقالات. وذلك لأن الكتاب المحلي لا يُقدَّم بشكل تنافسي والترويج له قاصر، وموضوع حفلات توقيع الكتب لا تحظى بالوعي بأهميتها.
في الخارج توقيع الكتب أمر يعامل بتقدير كبير، وله شأن واهتمام واسعين. حين أسافر أعرف أني سأحضر أكثر من توقيع كتاب في احتفالية؛ لكن عندنا يصدر الكاتب كتابه ويقدم إلى الساحة على استحياء وهذا لا يعود للكاتب بقدر ما يعود للمؤسسة ودور النشر التي عليها مسؤولية إحياء توقيعه مثلا،
ولابد أن تقوم دور النشر بمثل هذه الاحتفالية، والمكتبة التي تقوم باستقبال الكتاب يجب أن تحتفي به، ولا تضعه على الرف، الكتاب بحاجة إلى برامج تسويق من خلال «بوسترات» ولافتات إعلانية متنقلة، وأن يقدم من خلال مواقع الكترونية.
الحضور في الكليات والجامعات
ويؤكد ذلك أيضاً الإعلامي عادل حسين مدير البرامج في الإذاعات العربية حيث يقول: الكتاب المحلي يفتقد أولا إلى طريقة عرض جيدة؛ علما أن الشكل الخارجي والإخراج له دور في جذب المتلقي وهو أحد عناصر الكتاب الجيد. ويتفق مع عبد العزيز المسلم في جانب التسويق باعتباره علما وفنا لابد من الاهتمام به، ومهما كانت المادة غنية وثرية لكن إن لم يطلع عليها أحد فما فائدتها للناس.
هذا إلى جانب دور الإعلام لإعلام الجمهور عن هذا الكتاب أو ذاك بالإضافة إلى أهمية حفلات التوقيع، علما أن الأماكن المناسبة لذلك متوفرة لدينا، ومزودة بالمكتبات على أن يتواجد أحد من كبار الشخصيات. ويتساءل: لم لا يستغل هذا الجانب للتشجيع على قراءة المنتج المحلي أو القراءة بشكل عام؟ لابد من تشجيع الجمهور وإقناعهم بحاجتهم.
أما الكيف فإنه يتحقق عن طريق حملة، وهي جزء من خطة التسويق. ما المانع أن يذهب الكاتب إلى الجامعات والمدارس ويدفع بكتابه ويتحدث عنه. في المرحلة الثانوية كانت مدرستنا تستضيف مشاهير الشخصيات العالمية أذكر منهم محمد علي كلاي وارمسترونج وعبد السلام جلود وغيرهم.
أما اليوم فلم أسمع عن كاتب أو شاعر أقام أمسية في كلية بينما يريد أن يصل اسمه. نحن شعب لا يقرأ كثيرا والكل يشكو من وقته وليس من همه، وعلاقاتنا أصبحت (تيك أوي) وانعكس على قراءتنا ـ ليس الكل بالطبع ـ ولكن معظمنا؛ لابد أن نقنع أنفسنا بضرورة القراءة وماذا أقرا ومتى وأين، ولا يجب أن تقتصر القراءة في المكتبة فقط.
تحقيق ـ فاطمة محمد الهديدي
