تنتشر وتتركز ثقافة القتل والإرهاب في العديد من الأقطار العربية مهددة بالانتقال إلى بلدان ما زالت آمنة من هذا المد الأسود تحت أي شعار أو صيغة كان. وحتى نكون منصفين لمعرفة الأسباب التي أوصلت الأمة إلى هذا الحد من الانهيار، لا بد من مكاشفة ونقد ذاتي لكل قطاعات الحياة المعيشية والاقتصادية والسياسية، وسقف الحريات، والعدالة الاجتماعية،

ومناهج التربية والتعليم، وخطط التنمية البشرية، والبطالة، والخطاب الإعلامي، وحرية الاعتقاد، وخطابنا الديني، وحرية الأديان والطوائف، والجوع، والمرض، والجهل، وعلاقة الطفل بالبيت والمدرسة والمجتمع، إلى آخره في قائمة لا بد أن تشمل كل دقائق حياتنا مهما صغر حجمها.

من جانبنا لا بد من المراجعة لإستراتيجية الثقافة العربية.

- ماذا نريد؟

- إلى أي مدى يكون خطابنا الثقافي متأصلاً مع متطلبات مجتمعنا مساهماً في بناء عقلية عربية متطورة ومتفاعلة ومنفتحة على ثقافات العالم؟

مدى صلابة هذه الثقافة في مواجهة الآخر في إطار العولمة التي ستعم الوطن إن أردنا أو لم نرد.

لماذا تنتصر في مجتمعاتنا ثقافة الموت والبطش والقتل والإرهاب، تحت شعارات دينية مظللة، على الرغم من أن ديننا الإسلامي الحنيف يرفض هذه الثقافة بعدة نصوص قرآنية، وأحاديث نبوية شريفة، مما يعري الأسباب التي يتكئ عليها أصحاب هذه الثقافة، فالإسلام دين محبة وتسامح ويتعايش مع الأديان الأخرى بتوازن واحترام، فكيف يمكن قتل المسلم بلا سبب «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه».

حتى ثقافة التضحية، رفضها ديننا الحنيف، «وفديناه بذبح عظيم».

لماذا لا تنتشر ثقافة الحياة في مواجهة ثقافة الموت.

ما هو مستقبل هذه الثقافة التي تتراجع أمام العبوة الناسفة والمدفع والرشاش والقنابل الموقوتة. لماذا يفجر الشاب نفسه مفضلاً الموت على ثقافة الحياة والتمتع بها، والدين يأمرنا بالتوازن الحياتي «اعمل لدنياك كأنك تعيش أبداً، واعمل لآخرتك كأنك تموت غداً»، بل حتى أن المنتحر يدخل في عداد المغضوب عليهم يوم الدين، أضف إلى ذلك أن الله حرم قتل نفس دون حق «ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق».

هل الخلل في مستوى سقف الحريات، وانعدام ثقافة الحوار الديمقراطي، بانعدام المنهج التربوي، الإعلامي الذي يؤسس لهذه الثقافة؟! لماذا يتراجع دور البيت وأثر الوالدين.. هل الخلل في البيت أم في المدرسة؟! أين هي المؤسسات التي تؤسس لمجتمع مدني متوازن ومتكافئ ولماذا تساهم عدة جهات في تهميش أو قتل هذه المؤسسات إن وجدت، لأن إلغاء مؤسسات الدولة تعني تركيز السلطة بين الفرد الحاكم الذي يلغي بدوره كل الأصوات إلا صوته الذي يظل يلعلع في الإذاعات وأجهزة الإعلام، ويصبح كابوساً لا مهرب منه.

أين هي المؤسسات البرلمانية التي هي انعكاس لثقافة الحوار ولمنهج المؤسسات، لماذا تظل هذه البرلمانات ضعيفة ومهمشة على الرغم من ادعاءات معظم السلطات العربية بالمنهج الديمقراطي وبحرية الانتخابات التي تمارس بخديعة ما حتى في اختيار الرئيس الذي طالما ينتخب بنسبة 99,99% وبالتالي يسقط صنمه عند هبوب أول ريح عاصفة.

والأغرب من كل ذلك أن المؤسسة العسكرية ذاتها التي حكمت الوطن العربي حوالي قرن من الزمن هي الأخرى ضعفت وهزلت بعد أن فقدت قضيتها الأساسية التي كانت تتكئ عليها وهي القضية الفلسطينية. ثقافة واحدة هي التي ظلت لازمة لعقولنا على الرغم من سطحيتها وفشلها عبر عشرات السنين، ألا وهي ثقافة المؤامرة الجائرة على الوطن، وكان العالم كله يتآمر علينا دون أن نعرف لماذا؟

ولعل من لا معقولية الصورة السائدة هي سيطرة السلطة الدينية في العديد من المجتمعات بخطاب متطرف خطير، يبدأ مع الفرد ابتداء من رياض الأطفال والابتدائية الأولى فينتج جيلاً متطرفاً هو الآخر، ليس معتمداً على التطرف الديني فحسب بل والتطرف الطائفي الذي ظهر تياره واضحاً،

بل أصبح الخط القادم لحروب أهلية منتظرة في بلدان هيئت لهذه الثقافة الطائفية المتطرفة العمياء. إذن لا بد من مراجعة كل الأسئلة التي يمكن أن تطرح في إطار البحث عن استراتيجية ثقافية عربية ستساعد كثيراً في توازن مجتمعاتنا وانهزام ثقافة القتل والإرهاب، التي لن تهزم بالسلاح أبداً، واسألوا التاريخ.

abdulelah_q@hotmail.com