.. «هل عشت الحب والقصيدة..؟ إذن فالموت لن يأخذ منك شيئاً» حينما يحاصر النعش صوتك ويستغرقك الدمع على ملعقة الصمت، وتمسك لوعة النخل وجمرة الشعر معاً.. فلا يمكن حين ذاك، أن تستريح إلا هناك.. فكم هو جميل أن تعتنق الشعر في الشعر، صواب يقودك إلى الصواب بعد أن ضاق بك الوطن المنفى والمنفى معاً.. لكن حاشا لوطن القصيدة أن يضيق..

لن تدخل بغداد إلا بعد الموت وخرجت مع الموت إلى الموت، وعدت مع الشعر إلى الحياة، نعش من الشعر فوق جنازة القصائد.. أيها اليوسفي.. كم هو جميل أن تكون شاعراً من العراق.. لكن الأجمل أن تكون عراقاً في شاعر.. هذا ما كان عليه الشاعر العراقي الراحل يوسف الصائغ الذي رحل عن عالمنا قبيل أشهر في دمشق، فغابت ضحكة أخرى من بساتين العراق، ونخلة دمع حزنى من جنائن السماء المضيئة بشعرنا العربي الجميل..

قال يوماً.. «ها أنا واقف

فوق أنقاض عمري.. أقيسُ المسافة

ما بين غرفة نومي.. وقبري

وأهمسُ:

وأسفاه.. لقد وهنَ العظم

واشتعل الرأس.. واسودّت الروح

من فرط ما اتسخت بالنفاق

سلام على هضبات الهوى

سلام على هضبات العراق..»

فليس من السهل أن تكثف بوصلة البحث في محاولة اكتشاف هذا النص المفخخ بالعزلة وما يرسمه طارق الحزن على تلك الوقائع المؤلمة التي امتزجت بدم الشاعر في نصوصه الأخيرة.. ولعل ثلاثية الموت والفقد والوجع هي التي تسيدت بواطن هذه النصوص وحملتها إلى تلك القناطر الأخيرة التي ستوصل حلم الشاعر إلى هناك، حيث الخلاص الحقيقي الأوحد لطائر الروح وما يصاحبه من أنين إنساني يُعمقُ هتاف الشاعر ويقوده بعيداً عن سلالة الألم المرسومة فوق حقول القصيدة..

قمح من بكاء، أو فضة من دمع مأكول، وألف حرف من القطيعة والشوق والوصول هذا ما أراه في استشراف الشاعر بالموت وللموت وهو يرسم تلك الصورة البكائية على سطح فؤاده العاطل عن المعجزات، وفي الوصول إلى ميسم الحقيقة وأسرارها المفزعة..

ضمور الذات وامتزاج الألم وشيخوخة الروح وذلك الإرث الثقيل من الهم والقلق والعنف والتشظي قد حلم الشاعر ما يطيق، لذا أطلق نداءه الأخير لعله يصطاد هناك ذلك الجمال الخفي الذي توفره له عشبة الخلود الضائعة من بين يدي كائنه البشري.. إنه لقاء الموت بالموت الذي جاء أسطورياً لذلك الحالم الذي تنهر يوماً بماء دجلة ونام وحيداً تحت بساتين العراق البعيدة، وأطلق من هناك روحه الطفل وهي تلتهم تفاحات حزنه العراقي الطويل.

ولكن من بين ثنايا العزلة والتمرد على أنقاض العمر المضرّج باليأس والصبر الجريح ومن خلف نزعة النص الدرامية التكوين وتجلياته التي اشتعلت بفعل دلالة تلك العناصر المطلة على مأساة الحياة التي رافقت مسيرة الشاعر والنص معاً عبر صورة الحنين المنزوع من فؤاده المكدّس بالأمنيات وصورة ذلك الرثاء الموجع للذات من طقس انتظار الموت في كل لحظة (ففي الشعر تكون العواطف الشخصية العميقة كقاعدة مرتبطة بشكل لا فكاك له من المشكلات الاجتماعية والأحداث البارزة، وموضوعة على خلفية حياة الشعب بكامله).

فيطل علينا نداء الشاعر مفتوناً بصراخ رومانسي يغلف جسد قصيدة الصدق متخذاً من الحكائي وسيلة لاختزال النص ومكنوناته في ذلك الهتاف البعيد لكائن الحب المحلّق عبر أبواب العمر المتآكلة، وذلك السؤال الإنساني المغلّف بالأمل البعيد.. (أما كان يمكن..؟).

شعرية النص هنا قامت بالأساس على تلك التفاصيل المعمقة المرتبطة بتلك العوالم النصية والمتخيل الرمزي المرتبط ، وبلا شك بدلالة طبيعة المرحلة الراهنة وما رافقها من هزات سياسية واجتماعية وإنسانية ومن خلال ذلك الدفق التعبيري والشعور البريء المسافر عبر أغوار تلك المسافة التي تقطن ما بين هضبات الوطن الجريح وذلك الحزن الذي بلغ الرشد قديماً..

بين الشوارع المهجورة الحالمة، وذلك القمر الذي لا يموت فوق أغصان الطفولة وكاهن الحب الذي لا يتعب يوماً رغم قحط نافذة الحلم وارتفاع سارية العذاب... لكن في أزمنة الشاعر المحترقة، كل شيء يتعب... الحب يتعب والحلم والصبر والهناءات، ريثما يطل الدفء من مسافة أخرى معتمراً ضحكة امرأة جديدة أو نخلة جديدة تخرج من نعش الشاعر وترسمه بين كفن القلب وحطب المسرة وعصفورة الضوء التي غازلت يوماً ما غياب ذلك الراقد في طمأنينة السماء.

(ترى أما كان يمكن إلا الذي كان، ما كان يمكنُ إلا الذي سيكون؟

بلي..

لكن خمسين عاماً من الحب،

لابد تتعب

والصبر يتعب

والحلم.. والوهم..

هذا العذاب البريء..

في وداع حبيبٍ مضى..

وانتظار حبيبٍ يجيء..).

إنه الرثاء، الذي يعيدنا إلى مجموعته الشعرية (سيدة التفاحات الأربع) التي أهداها إلى زوجته بعد رحيلها أواخر السبعينات، تلك المرأة التي أحبها كثيراً، فخرجت قصائد المجموعة مزدحمة بموتها، الذي هو موته، ولكن على شكل قصيدة.

قبلها بسنوات أصدر مجموعته الملحمية (اعترافات مالك بن الريب) وفيها تلك القصائد الموزعة بين الأسطورة والحلم والحياة للروح وللوطن، وللبرتقال الحزين في أرض فلسطين الحبيبة.. يرسم يوسف الصائغ، فيشتعل اللون بجمر القصيدة..

يكتب الشعر، فتشتبك الألوان بسبابة الدمع والهموم، حزن قديم يتجدد في مائدة الإبداع على شكل رواية أو قصة، لوحة أو مسرحية.. فيبعثر نهر أوردته هنا وهناك بحثاً عن طائر الرثاء المسكون بالفجيعة، والمحمول على طين ذاته المنفلق بريح النخلة وشمس الشقاء والضمير، فالعوامل الداخلية في حياة الشاعر وما يصاحبها من قلق في التساؤل والعزلة والمحنة والانصهار، لطالما بنت صندوقها الخشبي المعتم على حنطة جسده منذ أمد بعيد..

حيث الالتحام بطائر الضوء الذي يحمل بين جناحيه الصامتين، مفاتيح العبور إلى سحابة الهدوء.. ألفة في الخطاب تكسوها قيثارة تلك الأزمنة المرة وجنوحها النازف بالخلاص البعيد.. بعيداً عن حمى التوتر والقلق في بحثه الدائم عن حلمه الذي غيبته دقائق محنته القابعة في الاغتراب والتشظي والنزوح..

ممسكاً بالشعر وبالموت معاً، ينام يوسف الصائغ.. تاركاً لنا ما بين موته القديم ونعش القصيدة، أفقاً ستورق فيه وبلا شك، خضرة تلك النصوص المحدقة بأكف الشمس والنائمة فوق بسملة المساجد وأحداق الكنائس ومروج الأضرحة، حيث خاصرة الوطن المبتل بالشعر ونار الشعر.. وطن جريح.. وطن عنيد..

وشاعر يمضي مشرعاً بالحياة، وبين يديه المطفأتين، باقة من تفاحات بعيدة وسؤال أبدي لا يموت.. (وحتى ينهض نصب الحرية ثانية).. حتماً سنسمع من هناك صوته المرصود بأقمار الكتابة وطين الشعر ونار الأمل، وهو يصرخ.. (اما كان يمكنُ..؟)........ وداعاً يوسف

قاسم سعودي