بينت منافسات المونديال بأن قابليات اللاعبين وإمكانياتهم ليست هي دائماً من يحدد الفائز في مباراة كرة القدم, فأسلوب اللعب المناسب قد يساعد اللاعبين الأقل مستوى مهاري في الفوز بالمباراة ونتيجة لتكرار هذا الامر فقد اصبح مقبولا بشكل او بأخر لجماهير الفرق القوية, الا جمهور السامبا, والذي يؤمن بأن الفوز يجب ان يحالف الفريق وهذا يعد من المستحيل في عالم الكرة المجنونة.
ولو نلقي نظرة سريعة بعين تحليلية على مستويات الفرق في هذا المونديال الاكثر تطورا على الاطلاق على المستويين الفني والتنظيمي باستثناء مستوى التحكيم والذي ما زال يواجة الانتقادات.
فإننا سنقف على اهمية الطرق التدريبية الحديثة وكذلك دور المدرب كقائد استراتيجي تتوقف على قراراته كل نتائج المباريات, ولايمكن بأي حال من الاحوال ان نغض الطرف عن الاخطاء القاتلة التي وقع فيها المدربون, فهي لا تقل ضررا ووضوحا عن الخطاء التحكيمية, لانها تسببت في نتائج سيئة لبعض الفرق ومستوى ضعيفا لفرق اخرى. وسنحاول المرور تدريجيا على تلك الاخطاء التي رافقت المنتخبات الكبيرة.
منتخبا الارجنتين واسبانيا الاكثر امتاعا
يتفق معظم المتابعين والمحللين على ان اكثر الفرق متعة في هذا المونديال هما الفريق الاسباني والارجنتيني, لانهما لعبا كرة هجومية ممتعة ولامتلاك الفريقين نخبة رائعة من اللاعبين, الا ان اخطاء اراجونس وبيكرمان كانت السبب وراء خروجهما المبكر من الدور ثمن وربع النهائي على التوالي.
ورغم امتلاك كلا المدربين الخبرة التدريبية الكافية لقيادة المباريات الحساسة الا انهما فشلا في قراءة المباراة وفي التغييرات على مستوى الافراد, فطرق واساليب اللعب بحاجة الى من ينفذها ببراعة وذلك لشدة المنافسة وتقارب المستوى, فعلى المدرب ان يكون حريصا ودقيقا في خياراته التدريبية.
فالأول اصر على اشراك راؤول كأساسي بديلا عن لويس كاريسيا وكذلك استبداله الغير مبرر لافضل لاعبي الوسط خافي واحتفاظه بخواكين المتألق لوقت متأخر من اللقاء, اما الثاني فقد احتفظ بالموهوبين ميسي وسافيولا, واستبدل ريكلمي ليجرد الفريق من كل امكانيات الحلول الفردية التي يتميز بها الفريق الارجنتيني لكسب اللقاءات,
بيريرا واريكسون بحاجة الى التجديد
هذان العملاقان يعدان من فلاسفة التدريب قي العالم, الا انهما اخفقا في تحقيق التطابق بين امكانيات لاعبيهما المهارية والبدنية واسلوب اللعب الذي يؤمنان به كمدربين.
واخفاق هذين الاسمين الكبيرين في المونديال يجبرنا على التحدث اكثر عن مهنة التدريب وعناصر نجاحها الاساسية فإلى جانب الشخصية التربوية القيادية والفكر التدريبي, فان المدرب ومهما حقق من انجاز فلابد له ان يملك القدرة على التجديد والاتيان بأفكار تواكب تطور اللعبة, انها كأي مهنة اخرى, فالخبرة والمعرفة يجب ان تتفاعلا مع الافكار الحديثة.
تخبط بيريرا وراء فشل السامبا
فبيريرا الذي تخبط في تشكيل واستراتيجية اللعب, فكأنه قضى وقت البطولة لابتكار طريقة لعب لا يستطيع تنفيذها لا البرازيليون ولا غيرهم فهو يعتمد اسلوبا دفاعيا بلاعبين مهاريين, اي يركز على دفاع المنطقة ( في الثلث الدفاعي) ويلعب بكاكا ورونالدينيو وزي روبرتو في المنتصف, وهذا يتناقض مع فلسفة اللعب التي ينتهجها, كما ان اصراره على اشراك كافو كأساسي شكل علامة استفهام كبيرة على هذا المدرب.
فقد جرد المنتخب الحالي من كل شيء حتى مقارنته بنجوم 1982 والذين قدموا اجمل فنون اللعبة الا انهم فشلوا في الوصول الى المباراة النهائية. فبكاء الجماهير البرازيلية لم يكن بسبب الخروج المبكر بقدر ما هو الم هزالة المستوى واذلال زيدان مرة اخرى للمنتخب البرازيلي.
اصرار اريكسون على الدفاع يطيح بالانجليز مبكرا
اما بالنسبة لاريكسون فهو يصر على تطبيق الاسلوب الدفاعي البحت مع اللاعبين الانجليز والذي افقدهم الكثير من امكانياتهم الهجومية, فلم نعد نرى طلعات بيكهام على الجانب او توغلات روني وتسديداته اما جيرارد ولامبارد فقد قضيا المباريات جميعها في تنفيذ الواجبات الدفاعية.
ورغم ان وصول المنتخب الانجليزي لضربات الجزاء الترجيحية في الدور ربع النهائي امام المنتخب البرتغالي وبنقص لاعب بعد طرد مهاجمه روني قد يشفع لاريكسون الا ان فشلة بالتفوق على غريمة سكولاري لثلاث مرات متتالية جعل وضعه اكثر صعوبة على المستوى العالمي.
سكولاري مازال يمتع
يعتمد المنتخب البرتغالي على الاسلوب الضاغط في ملعب الخصم وتقديم كرة هجومية بحتة, ويعد سكولاري من اكثر المدربين معرفة في استغلال مهارات اللاعبين الفردية على مستوى الهجوم والدفاع, فغالبا ما نشاهد صراعات الواحد ضد واحد مع لاعبي الفرق التي يدربها.
فهو يؤمن باعطاء حرية اكبر للاعبين المهاريين مع تأمين الدفاع من خلال التمركز الصحيح وكسب المواجهات الفردية, فكثيرا ما نشاهد فيجو وكريستيان رونالدو في الصراعات الفردية مع ظهيري الخصم وكذلك باوليتا في العمق وديكو او مانيش او تياجو في المنتصف.
مارشيلو ليبي والمقدرة على التجديد
تتميز الكرة الايطالية بتطبيقها للاساليب الدفاعية المحكمة والتي اضحت تقليدا يجب ان يتمسك به اي مدرب اذا ما اراد النجاح مع اي فريق ايطالي.
وقد جاءت هذة الفكرة من ان المحافظة على الشباك بالطرق التكتيكية اسهل بكثير من طرق مرمى الخصم كما انها تناسب قابليات اللاعب الايطالي والذي يتميز بالصبر والقوة في تطبيق الاسلوب الدفاعي, ولتطور اساليب اللعب الحديثة سواء على مستوى الدفاع او الهجوم والذي جعل المدربين يركزون على محاولة ايقاف الخصم في مناطق مختلفة من الملعب عن طريق الضغط الجماعي على حامل الكرة.
فأغلبهم ركز على الضغط الوسطي لسهولة عمل الموازنة الدفاعية والبعض بدأ يركز على الضغط في الثلث الهجومي مع اخذ المخاطرة جراء ذلك كأراجونس وكلينسمان وفان باستن ونوعا ما سكولاري, اما دومينيك فركز على الثلث الدفاعي.
اما ليبي فقد عمل الاروع, فقد نجح في تقديم احدث استراتيجية دفاع من خلال اعتماده مرونة الخيارات وحسب قوة الخصم ونتيجة المباراة اي امكانية الدفاع باستراتيجية مختلفة في المباراة الواحدة, ورغم ان الازوري بقي محافظا على تقاليده في اجادة التمركز في الثلث الدفاعي وحماية الهدف الا انه استطاع من نقل الدفاع الى ملعب الخصم وهذا ساعده في مفاجأة خصومه وكسر ايقاع لعبهم, واعطاء الجرأة الهجومية للاعبيه فقد كان سلاح الطليان في ذلك الانضباط التكتيكي العالي للاعبين وحسن التنظيم الدفاعي لكل خطوط الفريق.
عشرون دقيقة في مباراة الختام تكشف معدن الازوري الاصيل
كشف اللقاء النهائي للمونديال قوة وامكانية الازوري على التحكم باسلوب واستراتيجية اللعب, فرغم انه تلقى هدفا مبكرا جدا في مرماه وبعد دقيقتين تقريبا من بدء اللقاء الا انه تمكن من نقل الكرة الى الملعب الفرنسي لمدة 17 دقيقة متواصلة من الحيازة الايجابية للكرة والضغط الفعلي على المرمى الفرنسي.
والذي اثمر عن هدف التعادل برأسية ماتيرازي واضاعة هدفين اخرين, فقد كشفت تلك الدقائق العشرون من عمر المباراة( والتي كانت الفترة الوحيدة فقط التي تأخر فيها الازوري من عمر البطولة),حنكة ليبي التدريبية وامكانية الفريق الهجومية, والتي شكك فيها البعض, وتوقعوا ان من يحرز الهدف الاول هو الذي سيحظى بالتتويج.
العرب والحضور الباهت
وقع الفريقان العربيان بنفس المطب التاريخي الذي يلازم مشاركاتنا الخارجية وهو الفشل في الاعداد البدني والذهني وكذلك تناسي ان كرة القدم فن قبل ان تكون فوزا وخسارة اي التركيز على النتائج على حساب الاداء فقد شكل هذا الهاجس والذي كان مبالغا به على الصعيد الاعلامي والشعبي عثرة كبيرة امام المنتخبين العربيين سواء السعودي او التونسي.
فلو اعدنا شريط مباراة اوكرانيا والمنتخب السعودي وركزنا ليس على اهداف المباراة والتي كانت اخطاء فردية بل على الالتحامات وصراعات الواحد ضد واحد سواء على الارض او في الهواء فسنصدم بالفارق والذي يصب في صالح الفريق الاوكراني, فالاعداد البدني ليس تضخيم اجسام اللاعبين بقدر ما هو تهيئة اللاعب للعب بكفاءة عالية لمدة تسعين دقيقة.
فالانقضاض السريع على الكرة والسرعة في التحرك واتخاذ القرار وتنفيذه تعتمد بدرجة كبيرة على الاعداد البدني الصحيح, فكل الدراسات العلمية والدورات التدريبية الحديثة تولي اهتماما كبيرا لكيفية كسب الصراعات الفردية على الكرة فبدونها يبقى الفريق عاجزا على مجاراة الخصم, لانه لا يمكن تطبيق اي استراتيجية دفاعية من غير تفعيل هذا المبدأ على ارض الملعب.
وما جرى في الشوط الثاني من احداث مباراة الشقيقة تونس والمنتخب الاسباني يكشف لنا الفارق البدني الكبير بين الفريقين ويؤكد ان العامل البدني لا يعني اطوال اللاعبين او اوزانهم.
