المعلق الخارق هو معلق يرى أنه كل شيء فلا يكتفي بان يكون المدرب والحكم بل يتجاوز ذلك فيقوم بدور الصحيفة والبرنامج والشاعر والمطرب والمنادي وضارب الودع والمهرج أيضا، ووصلت الى الترويج للجميلات! والنقل التلفزيوني لبطولة كأس العالم 2006 كان ميدانا خصبا لاستعراض عدد من هؤلاء المعلقين الذين لوثوا بضجيجهم أسماع المشاهدين العرب.

فتعالت وتعددت الاصوات الشاكية منهم والمتباكية على الزمن الجميل للتعليق العربي عندما كان المعلق العربي نسمة لطيفة تنعش وتمتع المشاهدين. وظاهرة المعلق الخارق التي بدأت تغزو حقل التعليق في السنوات الاخيرة لا تقتصر على معلقي قناة البث الحصري لكأس العالم فقط، فلهم أشباه في محطات أخرى ومنها محطاتنا المحلية سبقوهم أو لحقوا بهم فهم معلقون لا يصمتون ولا يهدؤون شعارهم كلام بدون توقف وبدرجات الصوت العليا وأقصى حدود المبالغة.

كوجهة نظر شخصية أرى أن المعلقين أشبه بالمطربين او الممثلين عند تقييمهم فالمعلق الذي يعجب هذا لا يعجب ذاك وهناك مشاهد يميل الى الاسلوب الهادئ الرصين وآخر يميل الى السريع الصاخب. ولكن النقطة التي أحب التوقف عندها هي مهمة المعلق واين تكمن أهميتها فعلى سبيل المثال.

ما الاضافة التي يريد ان يضيفها المعلق عندما يعيد على مسامع المشاهد الأخبار التي قرأها في الصحيفة في الصباح أو على شريط الاخبار في التلفزيون من قبيل ان الجمهور البرازيلي احرق تمثالا لرونالدينيو؟ وهل مهمة المعلق ان يذيع خبرا يزعم انه سبق وانفراد ويقرأ على متابعي المباراة عريضة الادعاء في محاكمة الكرة الايطالية؟

بل ما ذنب المشاهد في ان يضجره المعلق باعادة المقطوعه الزجلية التي ألفها عن الايدي والارجل و(ياحبيبي) في كل مباراة يعلقها كلما اتجهت الكرة للمرمى؟ هل اجراء لقاءات مع 20 لاعبا وإداريا ومدربا في المباراة واذاعة أجوبة لـ 70 سؤالا تصل الى المطرب المفضل والطبق المفضل مهمة المعلق ام مهمة البرامج واللقاءات الصحفية؟

ما الذي يجبر المعلق ان يتحول لعراف ويؤكد في بداية مباراة المانيا وايطاليا انها ستكون عامرة بالخشونة والبطاقات الحمراء؟ الا يدرك المعلق ان صوته يجب ان يصل للمشاهد فقط وليس لبيوت جيرانه وأن وقت منادي الوالي حامل الطبلة قد ولى؟ الا يعرف هؤلاء المعلقون ان ((اللزمات)) التي يتهافتون عليها اشتهر بها ممثلو الصف الرابع من الممثلين؟!

الخطر الاكبر الذي يمثله نموذج المعلق الخارق هو انتقال ((أعراضه)) الى معلقين آخرين جدد وقدامى والخوف كل الخوف هو ان يصبح الشعار المرفوع هو اما ان تنسحب او أن تستخدم نفس اسلحتهم كما يفعل صاحب هفوة ((ممشوقة القوام))!! ومخطئ من يظن ان هؤلاء قد أتوا بجديد فالحماسة التي يدعونها سبقهم اليها محمد لطيف وخالد الحربان وعلي حميد فلم يبالغوا مبالغاتهم ولم يصرخوا صرخاتهم التي يعلم الله عن مدى وخامة عواقبها!

والمعلومات التي (يدردعونها) حتى يضمنوا ان لا يغيب صوتهم ولو للحظة سبقهم اليها أكرم صالح ويوسف سيف وعلي سعيد الكعبي لكنهم انتقوها وتخيروا انسب الاوقات لها والاهم أدهشوا بها المشاهد في زمن كانت فيه المعلومات والارقام عزيزة ويحتاج الوصول اليها لجهد.

لم يضف هؤلاء للتعليق الا ((التلوث)) السمعي والذهني الذي بات يتسم به تعليقهم، ويبدو ان التلوث سمة من سمات عصرنا، ولكن أملنا كبير في معلقينا الكبار وفي السائرين على نهجهم بان يحافظوا على بيئة التعليق العربي ويحفظوا فيها مكانا للمشاهد يلجأ فيه اليهم ليستمتع بتعليق نقي.

جدير بالذكر

* صديق عزيز وجد تفسيرا لانفراد ((معلقي كأس العالم)) بهذا (الزعيق) غير المسبوق، فهو يقول انهم يعلمون ان 90% من مشاهدي قناتهم يستمعون إليهم في المقاهي، وانهم لو علقوا (مثل الناس) لن يكفي مدى صوت أي جهاز تلفزيون ليسمعهم أحد في ضجيج الشيشة والطاولة. قلت له:

اذن على المعلق منهم أن يبدأ تعليقه صارخا (أيوه جااااي)!

* رحم الله أمواتهم وذكر بالخير أحياءهم، ففي مناسبة مثل كأس العالم الحالية وما سمعناه من (المزعقون) في هذا الزمن الأغبر تذكرنا بكل العرفان والتقدير الى جانب من ذكرناهم من عمالقة التعليق العربي مؤيد البدري وعدنان بوظو وايمن جادة وحمادة امام وكل من احترم نفسه واحترم نعمتي العقل والسمع اللتين أنعم الله بهما على الانسان.