لم نشاهد قط حالة حب تربط بين شعب ومنتخبه مثل التي شاهدناها هنا ، ولا حالة حب وتمسك بمدرب منتخب مثل تمسك الألمان بكلينسمان والذي أصبح الفوز ببقائه خير تعويض لضياع كأس العالم التي كانت على ملمس من أصابع اللاعبين.
لكن ما الذي حققه كلينسمان مع المنتخب لكي يتمسك به الجميع ولكي يكون شاغلا للألمان وأن يكون جزء كبير من الحفل مخصصا له وجزء كبير من حديث نجوم المجتمع والكرة الألمانية مخصصا لإقناعه بالبقاء سنتين إضافيتين ؟ ،
يقول النجم بالاك : سنجتمع نحن اللاعبين مع المدرب لإقناعه بالبقاء لأننا لا نريد أن نفقد الروح التي أوجدها المدرب والدافع الكبير الذي زرعه في نفوس اللاعبين ، بل وحتى الارتفاع بالمستوى الفني لجميع اللاعبين حتى أن الفريق الذي خاض المباراة أمام البرتغال ضم عددا من اللاعبين الشباب ومن الاحتياطيين ولم نشعر بوجود تراجع في المستوى العام للفريق.
أما السياسيون فهم سعيدون بأداء المنتخب في البطولة وهاهي المستشارة ميركل تقول : كلينسمان هو صاحب الانجاز الذي تحقق وعليه أن يأخذ وقتا كافيا للتفكير في مستقبله مع المنتخب بعد هذه البطولة الشاقة ، هذا هو حقه وأتمنى أن يكون الجواب بالبقاء .
ميركل والرئيس الألماني وكل السياسيين سعداء بما تحقق في البطولة من تلاحم بين أفراد الشعب الألماني ، فالرئيس الألماني وجه رسالة إلى كلينسمان قبل المباراة قال فيها : استطاعت الكرة الألمانية أن تجمع الألمان مع بعضهم البعض ويحتفلون جميعا بهذا الذي تحقق ،
ولم يشعر الفرد الألماني بالفخر والوطنية بقدر ما شعر به في هذه البطولة ، وقد استطاعت الكرة الألمانية أن توحد بين الألمان والأجانب حتى أنني عندما كنت أسال التركي عن المنتخب الذي يشجعه كان يقول لي بالتأكيد ألمانيا.
أما بيكنباور فقال عن البطولة : لو تنظر إلى الصور التي نشاهدها يوميا لوجدت أنها استطاعت أن تجمع كل الأديان وكل الجنسيات مع بعضها البعض وقربت بين الإنسان وأخيه الإنسان .
أما كلينسمان نفسه فلم يتحدث سوى عن منتخبه الشاب الذي قال عنه : ما فعلناه في الأسابيع الماضية هو حالة من التعاون من أجل ألمانيا ومن أجل بناء منتخب من أجل المستقبل .. أما عن الاحتفال الذي أعقب المباراة فرفض أن يسميه حفلة وداع بل قال : ان ما قدمته مع المنتخب يجعلني أفخر به ولكن أنا بحاجة للوقت للتفكير بالموضوع برمته.
في حسابات النتائج فقط فان كلينسمان لم يحقق مع المنتخب ما حققه فولر قبل أربع سنوات حيث هبط ترتيب المنتخب من الثاني في أقصى قارة آسيا إلى الثالث على أرضه وبين جمهوره، لكن سعادة الألمان تعود الى روح التفوق التي أظهرها المنتخب والرغبة في الهجوم ولا شيء سواه طوال المباراة ، وكذلك الحيوية وروح الشباب التي أضفاها كلينسمان على المنتخب فحقق المنتخب نجاحا جماهيريا يفوق النتائج التي ستسجل على الورق.
وما أحوجنا في ملاعبنا العربية الى مثل هذه الروحية في التعامل مع منتخباتنا سواء من الجمهور أو من النقاد الذين لم يهاجموا كلينسمان قط طوال البطولة رغم انتقادهم لبعض خططه الفنية لكنه يبقى نقدا لا يقلل من مكانته ولا من كفاءته ووطنيته ،
وكذلك من كبار نجوم الكرة الذين يشيدون بالمدرب رغم أنهم حققوا ما عجز هو عنه ووصلوا لمكانة لم يصلها بعد فلم يقللوا من قيمته ، كما كان تعامل اتحاد الكرة الألماني مع كليسنمان رائعا فقد وفر له كل شيء قبل أن يجري تقييما لأدائه مع المنتخب ومن ثم يطالبه بالبقاء
رغم أن المنتخب الألماني اكتفى بالفوز بالمركز الثالث تاركا للآخرين التنافس على لقب البطولة وبالتالي فان هذه النتيجة تعد إخفاقا بالمقاييس الكروية للدول الكبرى، لكنها ليست كذلك لمن يريد بناء منتخب للسنوات القادمة ويعتبر أن تقديم لعب هجومي ممتع يعد انجازا سيما حين يأتي بعد عدة سنوات من اللعب الممل الذي قدمه المنتخب الألماني حتى ذلك الذي أحرز المركز الثاني في مونديال 2002 .