في كل بلادنا العربية، سنجد صوراً متحفية حية لصناعات سادت ثم بادت، سنجد ان بقايا هذه الصناعات ما زال قائماً، يشهد بروعة الحضارة وعبق التاريخ، فالراصد لواقع الصناعات التقليدية والحرف في الوطن العربي يرى انه ينهل من بحر ليس له قرار،
ذلك ان البلاد العربية لديها ثروات طبيعية متعددة ومتنوعة يمكن استثمارها في تقديم فنون ومهارات تشمل جميع مجالات الحياة وتدل على روعة إبداع الصانع العربي ، وما زال الصناع يزاولون مهنهم التقليدية حتى اليوم، مستخدمين فيها المواد الخام الطبيعية والحيوانية كالمعادن والأخشاب والجلود والطين والأحجار الكريمة.
حيث يبدعون فيها ويبرزون مهاراتهم التي توارثوها جيلاً بعد جيل، من تلك الصناعات التقليدية صناعة الفخار. طين، ونار، ودولاب .. ويتحول الطين على يد الصانع الماهر إلى صحون وقوارير وأوان فخارية مزينة بالزخارف والنقوش العربية التي تبهر العقول وتسحر العيون.
ويرجع تاريخ الصناعات الطينية إلى معقل الحضارات الآسيوية القديمة كالهند والصين ومن هناك انتقلت إلى إيران، وسوريا ثم مصر وتونس والمغرب وأصبحت جزءاً من الحضارات العربية القديمة التي توارثتها الأجيال وظلت محافظة على رونقها وشكلها الأصلي وقد ارتبطت صناعة الفخار باكتشاف النار ويعود ذلك للتأثير الواضح للنار على الطين الخام بحيث يصبح أكثر صلابة وقوة مع الأخذ في الاعتبار أن الطين مادة يسهل تطويعها بأشكال متعددة عملية وجميلة.
مراحل الصناعة تتم صناعة الفخار على عدة مراحل حيث تبدأ بفصل رمل الفخار عن عروق الشجر العالقة بها ثم يتم نقعه بالماء في أحواض معدة لهذا الغرض، ثم يستخرج ويداس بالأقدام بقوة حتى تمتزج العجينة بالماء جيداً، وبعد ذلك تأتى مرحلة «التلويت» بمعنى فرك العجينة باليد حتى تصبح قوية ومتماسكة جاهزة للتشكيل بواسطة آلة «المرجل» التي تدار بالأرجل بواسطة دولاب مصنوع من الحجر.
بينما يدور الدولاب السفلى يتحرك الدولاب العلوي الذي يحمل الفخار حيث يقوم الصانع بتشكيل الفخار بيده حسب الحجم والشكل، أما أخر مراحل تلك الصناعة فتتم فيما يعرف «ببيت النار» أو الفرن التي يحرق فيها الفخار وهى مصنوعة من الطين الجاف، وتتم عملية الحرق بإشعال النار في حفر تقع على جوانب الفرن بحيث تمتد ألسنة النار إلى الفوهة التي تقع أعلى الفرن حيث يتم رص الفخار وتغطيته تماماً بقطع الفخار المكسور لضمان عدم تسرب الحرارة منها.
صناعة آلية إذا كانت صناعة الفخار قد بدأت بطريقة تقليدية يدوية خالصة لم تتدخل فيها الآلة في أي مرحلة من مراحلها، فقد أصبحت مع مرور الوقت والزمن صناعة حديثة جداً تعتمد على تكنولوجيا الآلات الحديثة وإن كانت تمر بنفس المراحل القديمة بداية من جلب الطين وتنقيته من الشوائب والأحجار وأوراق الأشجار العالقة به، مروراً بوضعه في البراميل الخاصة بخلطه بالمياه والتي تستمر إلى عدة ساعات.
حيث يتم استخراجه ووضعه في مصفاة للتخلص من الشوائب وإعطاء الطينة النقية تماماً، ويتم بعد ذلك تحول الطينة إلى فلترات لترشيح الماء وتخفيف نسبته ثم تعجن مرة أخرى لتعد للدخول في جهاز يسمى «البقمل» وذلك حتى يتم تفريغها من الهواء لتصبح جاهزة للتصنيع الذي يتم في جهاز يسمى «الدولاب».
ويعد من العناصر الأساسية في صناعة الفخار، حيث يتم بواسطته إعداد الأشكال المراد تصنيعها، ثم تنقل تلك الأشكال إلى عنابر خاصة للتجفيف بعيدة عن الشمس والحرارة الشديدة حتى لا تتعرض للكسر، ثم تلمع حتى تصبح ملساء الملمس وتدخل إلى الفرن الكهربائية لحرقها لمدة تتراوح ما بين ثماني وعشر ساعات.
شهرة عالمية في كل قطر من أقطار الوطن العربي مدينة ذات شهرة عالمية في صناعة الفخار، فنجد أن مدينة «فاس» المغربية هي معقل الصناع المغاربة في صناعة الخزف والفخار الذين توارثوها، وحافظوا على صناعة الفسيفساء والخزف بأنماطها التقليدية وألوانها المتعددة والزاهية، أما مدينة قنا التي تقع في صعيد مصر.
فقد اشتهرت بصناعة الأواني الفخارية وتحتل القلل القناوية مكانة خاصة بين تلك الصناعات، أما قرية «عالي» التي تعد من أصغر القرى البحرينية وهى قرية عريقة في القدم، فقد ارتبط اسمها على مر الزمن بصناعة الفخار ذات الملامح الفنية الدقيقة ويعتبرونها امتدادا لحضارة دلمون التي ازدهرت بها هذه الصناعة منذ خمسة آلاف سنة.
