يعد التشكيلي البولندي توميك سيتوفسكي أحد أبرز ممثلي فن الواقعية السحرية في فن التصوير وعندما ذهبت اعماله للمرة الاولى الى اميركا في العام 1998 ،كأهم خطوة قام بها في حياته، وشاهدها جمهور النخبة في معرضي ستريكوف فاين آرت و«سي. اف.ام» في نيويورك كانت الدهشة ترافق طقس معرضه ولوحاته التي اشارت مواضيعها كثيرا الى اساطير الشرق، والشرق الروسي تحديدا،

حيث الحياة المتحركة عبر ريشته تكتض في مشهدية قريبة من حياة القصور وحولها، وحيث يحضر البحر بتفاصيله الدقيقة في امتزاج مابين الحياة في الامكنة المغلقة وانغلاق قيعان البحار على اسرارها.. انها اعمال تقربك من ليالي الف ليلة وليلة وتمتزج بنكتها الاسطورية.

سيتوفسكي افتتح يوم الاربعاء الماضي معرضه الاول في فند جميرا بيتش بدبي عبر 32 لوحة زيتية وبمختلف المقاسات شكلت سلسلة مشهدية لعوالمه التي يسميها «احلام» شخصيات اسطورية وحكايات خرافية، قصور وملوك وامراء واميرات ومحبون وسفن كثيرة، اسماك وقواقع تندس في كل لوحه، عوالم ما تحت الماء وما فوقه، الوان دافئة وحارة، ورومانسية عالية تسبح بها ريشته في وسط هذا العالم المائي،

وكأنه هروب من واقع مؤلم وضجر مليء بحوار البارود الى واقع خيال الاسطورة، الى فضاءات اكثر برودة وليونة وحب وامنيات تتراكم فوق بعضها البعض كما تتراكم مفردات الحياة في لوحاته، بيوت وقصور واقمار وامرأة، ابراج ملونة اسماك وطيور، مهرجون وماء يحاصر اللوحة من جوانبها المختلفة.

في الحوار معه عبر المترجمة كاشيا ابوحامد يقول سيتوفسكي عن سر الاسماك والطيور في لوحاته: بالرغم من انني عشت طفولتي بعيدا عن البحر الا ان الاسماك المرسومة على ستارة غرفتي اتاحت لي فرصة كبيرة لتأمل هذه المخلوقات التي اعتقد انها اكثر المخلوقات المسالمة التي تعيش على كوكبنا اليوم.. اتمنى ان اكون طيرا او سمكة، ولهذا تجدهما في جميع لوحاتي.

ويجيب سيتوفسكي عن سؤال حول سر الحياة المغمورة في الماء وهي الفكرة التي تكتسح مجمل لوحات المعرض: في مرحلة لاحقة من تجاربي كرست عملي كله لرسم عوالم ما تحت الماء، والان وفي هذه المرحلة التي تبدو من معرضي فانها مرحلة الظهور الى السطح، وستجد في المعرض لوحات تحتوي على مواضيع نصفها مغمور في الماء والنصف الاعلى فوق السطح على الرغم من ان المعروض منها هو نتاج سنوات يضم الجديد والقديم.

ويضيف: الحياة مليئة بالمآسي هذه الايام وحينما ارسم فأنا اخلق عالمي المسالم وهذا هو هدفي من كل هذه المواضيع، حيث الهدوء والصمت والانزواء والتفرد باللوحة وبطقوس الحياة التي تتشكل في داخلها. جاء توميك سيتوفسكي بمعرضه الى دبي بدعوة من فندق جميرا بيتش تخللتها مراسلات امتدت لأربعة اشهر، كما يقول «وقعت اوراق الاشتراك وجئت الى هنا.. وهذا يدفعني الى المجيء مرة اخرى».

دنكي شوت، عازف الكمان، الانتظار، السفينة، مدينة السيرك، لوحة الامير.. عناوين من ضمن سلسلة سيتوفسكي التي يقدمها هنا في دبي في معرضه الذي يستمر حتى نهاية الشهر الحالي. امتهن توميك سيتوفسكي الفن بعد تخرجه من كلية الفنون الجميلة بمدينة كسيتوشوا بولندا في العام 1995 حيث انضمت اعماله الى معرض «السرياليين البولنديين»،

وهناك ووسط اعمال افضل الرسامين برزت تجربته واعجب بها الجمهور والنقاد وتنقلت بين معارض بولندية عدة، ثم حققت نجاحات مماثلة خارجها، في فرنسا والمانيا، وكانت نقطة التحول الكبرى لها حينما اتيحت له الفرصة لعرضها في اميركا حيث وجد فيها النقاد احياء للسريالية ولوحات مفعمة باساطير الشرق. في العام 2001 حقق سيتوفسكي حلمه حينما افتتح «متحف الخيال» في مدينته.

تمثل تجربة توميك سيتوفسكي اجتهاد فنان خلص لفنه الذي ابعده بعيدا عن التأطير واسلم اشرعته لخيال جامح راحلا باتجاه الجمال في محاولات استنطاق مناخات لوحته والوانها الدافئة.

مرعي الحليان: