لم تزل الكتابات النقدية العربية تقلقنا بالحديث عن الفرق بين الأدب الذي يبدعه الرجل وبين ما تكتبه المرأة حتى أن بعض هذه الكتب اتفقت على مصطلح «الأدب النسوي»، وافقها على ذلك جوقة من الروائيين الذكور أصحاب الطموحات والفتوحات الوهمية الكبيرة، حتى كاد الأمر يتحول إلى شجار منزلي يرغم فيه الخاسر على الجلي والتنظيف والاعتناء بالأطفال،

متناسين حقيقة واحدة أن الجميع مبدع ما دام قادراً على الإحساس بالمسؤولية، ويملك الملكة والموهبة المتميزة القادرة على التقاط هذه التفاصيل الصغيرة وتقديمها بأسلوب جديد، هذا إذا اعترفنا منذ البداية، إن كل الأفكار مكررة تدور حول أفكار محددة، ومهمتنا فقط هي إعادة ترتيبها وكتابتها من جديد.

فما الفرق بين بوح عن كاتب أرقَه الجور والكبت، وهو ينادي من أعماقه أن «لا كتابة بدون حرية»، مفضلاً اعتزال الحياة على اعتزال الكتابة، وبين كاتبة قررت أن تغيَر نمط كتابتها الرومانسية، رغم أنها تجاوزت عامها الخمسين، فجلست بأناقتها المعهودة على كرسيها الذي خذلها هذه المرة،

كما خذلها القلم المرتعش من ارتجاف يدها، بعد أن فقدت كل الأشياء خاصتها المغناطيسية، وأصبحت الوحدة القاتلة تصنع القهوة والأحلام المحاطة برهبة ليلها ورائحة القدم المعَتقة التي تسكن الأزقة القديمة المليئة بالناس.

هل يملك هذا الكاتب «أكسير النجاح» ويفلح في الإفصاح عما تعنيه الحرية، والمرأة عبر تاريخها الطويل رهينة وسجينة وحبيسة.. ومتى أصبحت الوحدة القاتلة حكراً على المرأة فقط، وجميعنا يعلم ويرى الكثير من الحالات الإبداعية الإنسانية التي يستوي فيها الرجل والمرأة على حد سواء، وهل نصدق ما قالته «نوال السعداوي» من أن الرجال يتعرضون حالياً «للختان»، حتى ولو كان معنوياً لا مادياً..؟!

وهل نحن فعلاً مغرمون بالنهايات التراجيدية الحزينة، حتى نرسم نهاية كل قصة نسمعها وكل تجربة نخوضها، بهذا القدر من السوداوية والكآبة، معلنين أن الوقت ثقيل، وثقله يضغط على كل عبارات مرور الوقت بسرعة، خاصة إذا كانت ذرات التراب هي القادرة ذات يوم على احتواء آلامنا،

في الوقت الذي يعجز فيه العالم على احتواء أحزان أفكارنا وهواجسنا، وحتى ولو كانت هذه الأحزان ليست الأخيرة في دفاترنا التي عذبها الصمت والأنين، وتفاهات النقاد التي لا تنتهي، والتي تفرق بين الإبداع وأصله، الحياة بكل ما فيها من غنى وتنوع، والفروع التي تستقي جذوة استمرارها من أسئلتنا وقلقنا الإنساني.

ولماذا نعدو دائماً في دروب الحياة ونرفض الاعتراف أننا نقترب يوماً بعد يوم من النهاية المعلقة على أوراق الشجر، هل لأننا نعشق الكلام والثرثرة وننسى البلاغة المموسقة البديعة، الحاملة لكل هموم الدقائق، والساعات، والأيام، والأزمنة التي عشناها والتي سنعيشها، بعيداً عن أحزان المواسم وتصانيف النقاد الخرافية على الأغلب، دعونا فقط نستمتع بالحياة،

وبإبداعات «القوارير» التي نخشى عليها من الكسر، ولكننا قبل أن نفكر بهذه الطريقة لنعترف أن هذه «القوارير» قادرة على جلاء ما في نفوسنا، كما هي قادرة على العطاء والإبداع والحياة.

alomawi@albayan.ae