في إطار الاحتفالات العالمية بيوم كتاب الطفل، أقام المجلس الأعلى للثقافة ندوة موسعة حول رائد أدب الطفل الأديب «هانز أندرسون» والتي شارك فيها عدد كبير من الكُتَّاب والمفكرين والمثقفين ولفيف من المهتمين بكتب وأدب الطفل، حيث ركزت الندوة على أهمية «هانز أندرسون» في كل المجالات العلمية والفنية والثقافية التي تهم الطفل العربي، أدار الندوة د. عماد أبوغازي رئيس الإدارة المركزية للشعب واللجان بالمجلس.

في مستهل الندوة تحدثت د. سرية صدقي بكلية التربية الفنية جامعة حلوان، والتي أكدت أن «هانز أندرسون» يُعد نموذجا مبدعا متعدد الاهتمامات والممارسات، تعد درس الفنون المسرحية، كالتمثيل والإيحاء والرقص والغناء، ومارس أيضا الإلقاء الخطابي، وتصميم وصناعة وتحريك العرائس فضلاً عن الرسم والقص والورق والكولا، وقالت :

إنه كان شغوفا بممارسة تلك الفنون مما أثر بشكل كبير على طلاقته الإبداعية، وخياله الجامح الذي صنع منه أهم وأشهر كاتب للأطفال في التاريخ، وأكثرهم انتشاراً، فقد ترجمت قصصه التي كتبها للأطفال من لغته الأم الأجنبية إلى جميع لغات العالم الحية، وطُبع كل منها طبعات عديدة صيغت لتلائم أعمارا متفاوتة من الطفولة، وأعيد نشرها مرارا وتكرارا.

وأضافت د. سرية أن أعماله الأوروبية تحولت إلى أعمال إذاعية ومسرحية وتلفزيونية وأيضا سينمائية وتُرجم البعض منها إلى لغة البرازيل ليستمتع بها الأطفال المكفوفون، وان بعض المؤلفين الإقليميين، أعادوا صياغة بعض من قصصه لتلائم الثقافة والبيئة الخاصة بإقليمهم، وأعيدت الصياغة الدرامية لبعض أعماله مئات المرات بأنساق وأنماط متجددة تبعا لرؤية المخرج وطبيعة العصر والأسلوب.

وأشارت إلى أن المتلقي لأعماله وخاصة قصة عروس البحر التي أنتجت في الأربعينات ثم تحولت إلى فيلم، سيلاحظ مدى التنوع والتغير بطريقة الترجمة الخاصة بالقصة إلى الوسيط السينمائي المتحرك، وذلك ليتم تحقيق قدر أكبر من قيم التخيل الكامنة في القصة الأصيلة، التي تعد بمثابة كنز لا ينفد من إمكانيات التشكيل والترجمة، وتتيح آفاقا متجددة أمام المبدعين العرب في وسائط التعبير غير اللفظية كالرسم والإذاعة والتلفزيون والمسرح والرقص والسينما، وبذلك أصبحت قصص أندرسون صورة فريدة من نوعها للطفل العربي.

ومن جانبه تساءل عبدالتواب يوسف «كاتب أطفال» ألم يكن هناك أدب للأطفال قبل أندرسون؟ وقال : بالطبع كان هناك الكثير ممن يصلح لهم وإن كانوا قد عاشوا طويلاً على مائدة أدب الكبار خلال كراسات الورق البردي، الذي كان يستخدمه التلاميذ في مدارس العابد، فهناك نصائح وحكم وأمثال اتجه بها المعلمون والحكماء إلى الأبناء ومن بينها «تحب الكتاب، كما تحب أمك».

كما أضاف إلى أنه عدد كبير من الذين اهتموا بالطفل قبل أندرسون أمثال د . سليم حسن في موسوعته عن الطفل وصاحب الخرافات البديعة، وأحمد شوقي رائد شعر الأطفال في الوطن العربي، وكذلك الفيلسوف تولستوي الذي عاصر أندرسون، مما جعل العالم يركز على أندرسون الذي لم ينجح في الشعر، وقال: إنه لا يوجد كاتب لأدب الأطفال إلا وتأثر به، وما من لغة إلا وترجمت أعماله إليها، ففي اللغة العربية ترجم له محمود إبراهيم الدسوقي أربعا وثلاثين قصة عام 1940وأعيدت طباعتها عام 1961 ،

كما طبعت بعضها في كتاب يحمل عنوان «المختار في قصص أندرسون». رائد ثقافة الطفل ومن ناحيته قال د. محمد حامد أبوالخير بأكاديمية الفنون : إننا في كامل الاهتمام بثقافة الطفل العربي لأنه صانع الغد وانطلاقا من أن المسرح أحد روافد هذه الثقافة التي تساهم في بنائه عقليا ووجدانيا، فلا أحد يمكن أن ينسى أقاصيص «أندرسون» الشاعرية والواقعية، البسيطة، والساحرة ولا يمكن أن ننسى «آه الحورية الصغيرة» و«عقلة الإصبع» و«البطة الدميمة» و«ملابس الامبراطور».

وأوضح أن أندرسون له بلورات طبيعية، أخذت بمخيلة أطفال العالم العربي والغربي إلى عالمه الخاص الذي استطاع من خلاله أن يعلم الطفل ما لا تستطيع المدرسة والأسرة أن تعلمه، وذلك من خلال مخيلته الإبداعية، والعلاقة الحقة بين القصة والطفل. أما كاتب قصص الأطفال محمود قاسم، فقد تحدث عن مدى تأثير أعمال «هانز أندرسون على الطفل العربي»

وقال: إنه رغم أن أندرسون كاتب أوروبي وعالمي، فإن أفلامه المقتبسة عن رواياته في صياغة غربية في المقام الأول، إلا أن صداها كان أكبر من خلال دول العالم العربي، فهذه الأفلام المعنية بالخيال، تم إخراجها تحت مسمى «الفيلم الحي» بمعنى أن التحريك والكارتون كانت قليلة للغاية، قياسا بالأفلام الحية، ومنها على سبيل المثال «القلب السابع، الرجل الصغير، لعبة الحظ، ملابس الامبراطور الجديدة»،

وقد قامت عدة دول بالمشاركة في هذه الأفلام باعتبار أنها أفلام تحتاج إلى تمويل كبير، فهي أفلام أساطير أو عن قصص السحر والخيال، وهذا النوع من الأفلام لا يستطيع إنتاجه سوى شركات كبرى من طراز المؤسسات، وأشار إلى أن القصص القصيرة التي كتبها أندرسون وقال إنها تصلح في أغلب الأحيان، لأن تكون أفلاما روائية قصيرة،

لكن يبدو أن الموضوعات تصلح أن تتسع قماشتها لتكون أفلاما روائية طويلة، بمعنى أن كاتب السيناريو لهذه الأفلام، قد أعطى لنفسه الفرصة لأن يضيف من خياله المزيد من الأحداث، وبالتالي فإن هذه القصص مزجت بين مبدع القرن الـ 18ومبدع القرن ال20. وفي ختام الجلسة أكد د . قدري حفني مقرر لجنة ثقافة الطفل بالمجلس، أن أندرسون جاء بعد كثيرين سبقوه اهتموا بثقافة الطفل في جمال جمع الحكايات وبدأ بعدهم هانز أندرسون ليصوغها صياغة أدبية مستخدما اللغة العادية أي لغة الشارع ولفظ الصناع،

مما شغف الكثير من الكتاب والنقاد والمترجمين العرب بالاهتمام بأعماله، أمثال: محمود إبراهيم الدسوقي وعبدالحميد يونس أستاذ الأدب الشعبي، والذين استطاعوا ترجمة أعمالهم إلى اللغة العربية، حتى تصل إلى الطفل العربي، فقط وضع هانز أندرسون كل إبداع عقله، وعدم اخذه النصيب الأكبر من اللهو وهو طفل في إنشاء مسرح تلعب عليه شخصيات من بنات أفكاره.

القاهرة ـ داليا فاروق: