توقع النقاد أن تفرز كأس العالم الحالية عددا كبيرا من الشباب الذين يثبتون تألقهم وموهبتهم في النهائيات مثلما يحدث في كل بطولة كبرى، لكن المفاجأة ان المونديال تحول الى تظاهرة ابداعية من ذوي الخبرة.
وبينما أفل نجم البرازيلي كاكا، حُرِم الأرجنتيني ليونيل ميس من فرصته في المشاركة، أما وايان روني فدمر نفسه بنفسه.
وهنا سيطر العواجيز على مسرح المونديال وبسطوا سيطرتهم كاملة على مجريات الأحداث والمباريات في استعراض ختامي لمواهبهم التي شاخت وفي آخر فرص بالنسبة لهم لإبهار العالم الكروي للمرة الأخيرة.
وشاهد العالم أجمع أمسية الثلاثاء الماضية ثم تسجيل هدف توج مباراة رائعة على ملعب دورتموند، وهو هدف حمل البصمة المميزة للإيطالي اليساندرو ديل بيرو الذي هام في كواليس البطولة كشبح لنجم تألق في شبابه.
وخلال مباراة نصف النهائي اول من امس قدم لنا نجمان كبيران من نجوم كرة القدم الأوروبية الحديثة نموذجاً آخر من نماذج الابداع استعداداً للمباراة الختامية في كأس العالم بألمانيا.
هذان النجمان هما لويس فيجو قائد كتيبة البرتغال وزين الدين زيدان زعيم منتخب الديوك الفرنسي وكانت ملامح فيجو قبل المباراة تشبه وجه رجل الدين الذي سبق له الاستماع الى العديد من الاعترافات.
اما زيدان فبدت ملامحه كأنه وجه منحوت من مادة الغرانيت الصلبة، وكانت ملامح الاثنين تنبئ بتقديم مباراة لا مثيل لها في عالم الكرة، خصوصاً بعد ان تبادلا المصافحة امام حكم المباراة قبل توزيع سيناريو المباراة.
وبالفعل قام فيجو بواجبه كاملا في زعزعة الثقة عند المدافع الفرنسي اريك ابيدال خلال دقائق المباراة الأولى.
لكن الحسم جاء من اكبر الكابتنين سناً بفارق خمسة أشهر وهو زيدان الذي وجه الضربة القاضية لخصمه من خلال تنفيذه لركلة الجزاء التي مست راحة يد الحارس البرتغالي ريكاردو في طريقها الى الزاوية السفلى للمرمى، وهو نفسه ريكاردو الذي وقف سداً منيعاً لركلات الجزاء التي نفذها كل من فرانك لامبارد، ستيفن جيرار وجايمي كاراهار ليحقق الفوز لمنتخبه على حساب المنتخب الانجليزي قبل أمسيات قليلة مضت.
ركلة الذكريات الماضية
أعاد زيدان وهو ينفذ ركلة الجزاء في مرمى البرتغال ذكرى لقاء سابق بين الفريقين تلك التي كان طرفها لاعب البرتغال ابيل زافي بشعره المصبوغ والذي كان يعلم تماماً ان احتساب ركلة جزاء لفرنسا سينهي لقاء نصف النهائي لكأس الأمم الأوروبية 2000 لصالح الفرنسيين فدخل في معركة حامية مع حكام المباراة امتدت خمس دقائق قبل ان ينفذ زيدان الركلة ويحمل منتخبه الى المباراة النهائية وضد من؟ ايطاليا!
وحفلت مباراة اول من امس بنفس سيناريو الحدة والغضب التي يمارسها عناصر المنتخب البرتغالي عادة في مثل هذه المباريات، وذلك عندما وقف كامل جهازه الفني والبدلاء على خط الملعب مستعدين لغزو المباراة احتجاجاً على عدد من قرارات الحكم.
الوحيد الذي شذ عن قاعدة تراخي الشباب امام سطوة العواجيز هو كريستيانو رونالدو الذي اثبت انه افضل لاعب في البطولة تحت 30 سنة بعد ان وجه صواريخه العابرة من كل زاوية من زوايا الملعب، وسببت عددا من المشاكل للحارس فابيان بارتيز.
وجاءت اخطرها خلال وقت متأخر من الشوط الثاني عندما حاول بارتيز احتواءها فسقطت من بين يديه وهو يحاول دفعها الى أعلى ثم تنفس الصعداء بعد ان ذهبت رأسية فيجو عالية في الهواء.
عموماً كانت ردة فعل البرتغاليين حول ركلة الجزاء التي اعتبروها ظالمة ان العالم استمتع بما تبقى من الشوط الأول استمتاعاً كاملاً، رغم ان لقاءات نصف النهائي عادة ما تكون مملة ومغلقة تماماً.
وما حدث في ذلك الشوط جاء من تأليف واخراج عواجيز الفريقين زيدان وفيجو.
ثم فقدت المباراة هذا البريق بعد ان عمد زيدان ورفاقه الى اغلاق المباراة بالمفتاح حفاظاً على هدف من شأنه ضمان الوصول الى المباراة النهائية، ومن جانبه سعى المنتخب البرتغالي بقيادة فيجو للعثور على ثقب ابرة للمرور منه الى مرمى بارتيز دون جدوى رغم ممارسة كريستيانو رونالدو دور رأس الحربة بلا فائدة.
وكانت المحصلة النهائية ان العجوزين زيدان وفيجو هما اللذان امسكا بزمام المباراة بيد من حديد بفكرهما الخلاق وحنكتهما الكروية التي بدأ العالم في التحسر على غيابها بعد المونديال منذ الآن.
محمد سيف النصر
