دقيقة واحدة فقط تبخر فيها الحلم الألماني بإحراز اللقب الرابع وضاعت كل الآمال العريضة التي بدأ الجمهور الألماني يبنيها باللعب في النهائي ببرلين والتتويج في أحضان الملعب الأولمبي الذي كان يحمل من قبل ذكريات الحكم النازي البغيض في أولمبياد 1936،

حين كان المستشار الألماني السابق (الفوهرر) هتلر يحضر المنافسات ويردد أسطورة تفوق الجنس الآري ، فكان الألمان يريدون محو تلك الذكريات واستبدالها بمنظر المستشارة الحالية ميركل وهي تتابع وتشجع بحماس منتخب بلادها ومنظر قائد المنتخب بالاك ، القادم من ألمانيا الشرقية ، وهو يتسلم كأس العالم 2006!

دقيقة فقط بددت هذا الحلم الذي كان في متناول الأصابع حتى ظن الجمهور الألماني أنه حقيقة لا محالة حين تدخل القائم والعارضة الألمانيان لمنع تسجيل هدف ايطالي في الدقيقة الاولى من الشوط الإضافي الثاني فتصور البعض أن القدر يريد لهم الاحتفال بالتتويج للمرة الاولى في عاصمتهم بعد أن نالوا الكأس ثلاث مرات في بيرن السويسرية1954 وفي ميونيخ 1974 وفي روما 1990 ،

غير أن الحلم تبخر حين ارتكب الدفاع الألماني خطأين في التغطية تمكن فيهما الطليان من تسجيل هدفين في الدقيقتين 119 و121 بواسطة فابيو غروسو واليساندرو دل بييرو كان لهما وقع أكبر من قنبلتين من قنابل الحرب العالمية الثانية التي سقطت على المدن الألمانية ، حجزوا الطليان بواسطتهما بطاقة اللعب في النهائي تاركين للألمان التنافس على المركز الثالث.

والمفارقة الغريبة أن التاريخ عاد 16 عاما ليذيق الألمان من نفس الكأس التي تجرع منها الطليان مرارة الخسارة على أرضهم وضياع الحلم ، فقد كان الفوز الألماني الأخير بكأس العالم عام 1990 في العاصمة الايطالية روما أما المنتخب الايطالي المضيف فقد خسر مباراة نصف النهائي ولعب على المركز الثالث وأحرزه على حساب الانجليز تاركا للألمان لعب المباراة النهائية للبطولة أمام الأرجنتين ثم الفوز والاحتفال باللقب في الملعب الأولمبي بالعاصمة ،

يومها كان القيصر بيكنباور مدربا للمنتخب الألماني وكان كلينسمان لاعبا في الفريق وطافا معا في الملعب يحملان الكأس ونزل المستشار الألماني حينها هيلموت كول إلى ارض الملعب ودخل غرف اللاعبين للاحتفال معهم بالفوز ، أما الآن فقد كان بيكنباور حاضرا في منصة كبار الضيوف وكلينسمان أصبح مدربا ووقف يشتعل غيظا وهو يرى ضياع الحلم ،

أما المستشارة ميركل فقط نزلت أرض الملعب ومعها الرئيس الألماني كولر ودخلا غرفة اللاعبين لمواساتهم على الخسارة والرفع من معنوياتهم لخوض المباريات المقبلة بروح الأبطال وليس معنويات المهزومين.

دقيقة واحدة فقط قلبت ملعب دورتموند من رمز للنجاح والفوز الألماني وتميمة للحظ حيث لم يشهد خسارة المنتخب من قبل في 14 مباراة خاضها الألمان على نجيله ليصبح رمزا للهزيمة ، وأية هزيمة !، حيث كان الألمان على بعد دقيقة واحدة فقط من بلوغ ركلات الترجيح التي لم يذق فيها الألمان طعم الخسارة من قبل ولم يذق فيها الطليان طعم الفوز من قبل ! ،

وكان هذا الشعور حيال ركلات الترجيح كافيا لمنح الألمان أرجحيه هائلة للفوز على الطليان الذين خسروا بركلات الترجيح في نصف نهائي مونديال 1990على أرضهم وخسروا بواسطتها في نهائي مونديال 1994 في الولايات المتحدة ثم خسروا بواسطتها أيضا في ربع نهائي مونديال 1998 بفرنسا! ،

في حين كانت ركلات الترجيح بوابة الألمان لبلوغ نهائي مونديال 1982 بعد الفوز على فرنسا في نصف النهائي ثم كانت بوابتهم لنهائي مونديال 1990 بعد الفوز على انجلترا في نصف النهائي ثم بوابتهم لنهائي بطولة أمم أوروبا 1996 بانجلترا وإحراز اللقب بعد الفوز على انجلترا في نصف النهائي ،

وكانت بوابتهم لبلوغ نصف نهائي المونديال الحالي بعد الفوز على الأرجنتين في ربع النهائي ، لكن الإصرار الايطالي على حسم المباراة هذه المرة في الوقت الإضافي وعدم بلوغ ركلات الترجيح جعلهم يجدون الثغرة ويسددون كرتين قاتلتين تجعلان ال80 مليون ألماني يستفيقون من حلم التتويج

ويفسدون كل مخططات الاحتفال باللقب الرابع التي كان من بينها مسيرة للأبطال وهم يركبون ذاك القطار الذي عاد بالمنتخب الألماني (الغربي) بعد فوزه بلقب البطولة في مونديال 1954 ببيرن السويسرية والذي تم تجهيزه ليكون قطار الأبطال مجددا ولكن أبطال ألمانيا الموحدة هذه المرة وعلى أرض برلين التي كانت رمزا للهزيمة في الحرب العالمية الثانية .

ليس ما تقدم عبارات إنشائية بل هي سيناريوهات ذات معان كان السياسيون ورجال الدولة والرياضة يسعون لتحقيقها عبر الفوز بالبطولة التي يمكن أن تبث دفقا جديدا في الحياة و الاقتصاد والرياضة في ألمانيا ،

ففي حين كان الشباب من الجنسين يحتفلون ويرقصون في الشوارع وهم يشربون الخمور بعد كل فوز فان رجال الدولة كان يحتفلون وهم يناقشون الأرباح الأكبر المتوقعة من جراء الفوز بلقب بطولة العالم حتى أن الضرائب الجديدة التي كانت الحكومة تريد فرضها وكانت محل نقاشات عاصفة في البرلمان خلال الأسابيع الأخيرة عادت الحكومة بعد الفوز على الأرجنتين وفي غمرة الاحتفالات بالانتصارات وتقدم مسيرة المنتخب لتعلن أنها لن تفرض المزيد من الضرائب! ،

فالفوز بالبطولة له آثار ايجابية كثيرة على المجتمع والاقتصاد ولو تكلف بعض الخسائر التي كان من بينها إلغاء الدوام المسائي في معظم الدوائر والشركات الألمانية مساء أول من أمس لإتاحة الفرصة للموظفين لمتابعة المباراة رغم ان ذلك يعني خسارة بضعة ملايين من اليورو !.

وقد استخدمت الصحافة الألمانية عبارة ضياع الحلم ونحن خارج الحلم في عناوينها بعد المباراة دون الخوض في الكثير من التفاصيل الكروية ، غير أن صحيفة بيلد ذكرت أن الحكم حرم المنتخب الألماني من ركلة جزاء استحقها الكابتن بالاك لو تم احتسابها لربما غيرت من نتيجة المباراة.

بيكنباور: المنتخب رائع والمركز الثالث أفضل من الرابع!

القيصر فرانز بيكنباور رئيس اللجنة المنظمة للبطولة الذي قاد ألمانيا لإحراز لقب البطولة عام 1974 لاعبا وعام 1990 والمركز الثاني عام 1986 كمدرب أشاد بالمنتخب الألماني الحالي وقال : لقد كسبنا منتخبا رائعا لعب بقوة وحيوية طوال البطولة وأدى مباراة كبيرة أمام ايطاليا رغم خسارته ،

ولكنه منتخب يضم العديد من اللاعبين الشباب الموهوبين الذين سنعمل على مواصلة دعمهم ليكون المنتخب أكثر قوة في المستقبل وينافس على البطولات المقبلة وأعتقد أنه قادر على الفوز بلقب بطولة أمم أوروبا 2008 .

وقال بيكنباور : لا يجب الاستسلام لحالة الحزن لأن ما حصل قد حصل ويجب الاستفادة من الدرس أمام ايطاليا والاستعداد جيدا لمباراة المركز الثالث لأن الحصول على المركز الثالث أفضل من الحصول على المركز الرابع !

وعن مستقبل المدرب كلينسمان قال : لقد أدى عملا رائعا مع المنتخب ووصل به إلى مستوى المنافسة على البطولات ، ونحن نقدر جيدا ما قام به وقد عرضنا عليه البقاء في منصبه والكرة الآن في ملعبه.

تشجيع

الجمهور الالماني تقبل الخسارة بروح رياضية

رغم مراراة الخسارة ومبالغة الجمهور الايطالي بالاحتفال في الفوز داخل المدن الألمانية إلا أن الألمان تقبلوا تلك الخسارة بروح رياضية سواء من قبل المسؤولين أو المحللين الألمان الذين قاموا بواجبهم بهدوء واستمرت البرامج المقررة وفق الجدول الموضوع

أو الجمهور الألماني الذي اكتفى بذرف دموع ساخنة والعودة إلى البيوت لقضاء ليلة هادئة حزينة دون ارتكاب أية أعمال عنف أو الدخول في اشتباكات مع الجمهور الايطالي سواء حول الملعب في دورتموند أو في المدن الألمانية الأخرى وفي مقدمتها العاصمة برلين التي احتشد في شوارعها أكثر من مليون مشجع .. وفي ميونيخ تم تخصيص ساحة كبيرة إضافية للجمهور الراغب في مشاهدة المباراة أمام ايطاليا وتم وضع شاشة كبيرة فيها ،

وشهدت الساحة التي كانت مخصصة سابقا لاحتفالات مهرجانات (أكتوبر فيست) تجمعا كبيرا للجمهور الألماني وعددا صغيرا من الجمهور الايطالي الذي كان يشجع بفوضى تقبلها الجمهور الألماني بإطلاق صرخات ( دويتشلاند) قبل المباراة وبالصمت بعد المباراة!

وفي الوقت الذي ذرف فيه الجمهور الألماني دموعا ساخنة فان الكثيرين منهم أكدوا اعتزازهم بما قدمه المنتخب والذي فاق التوقعات قبل البطولة ، وان الخسارة أمام ايطاليا لن تجعلهم يتخلفون عن تشجيع المنتخب يوم السبت المقبل وهو يخوض مباراة المركز الثالث.

يوميات مونديالية

ثقافة الخسارة

أثار الجمهور الألماني الإعجاب في تقبله للخسارة مثلما أثار الإعجاب في احتفاله بالفوز ، فهذا الشعب العاشق لكرة القدم لم يدع صدمة الخسارة أمام ايطاليا وبالتالي ضياع حلم إحراز اللقب الرابع تحوله من عاشق كروي إلى وحش كروي يدمر كل شيء أمامه وأوله الجمهور الايطالي وخاصة من الطليان المقيمين في المدن الألمانية والذين رفعوا الأعلام الايطالية على نوافذ شققهم وعلى سياراتهم التي طافت شوارع المدن الألمانية وهي تطلق العنان لأبواقها دون أن يتعرض لها مشجع ألماني غاضب من خسارة منتخبه .

الجمهور الألماني قدم في مونديال 1998 بفرنسا نموذجا سيئا لشغب المشجعين حين أصاب بعض مشاغبيه شرطيا فرنسيا بجروح خطيرة في الرأس دخل على إثرها في غيبوبة ولا يزال يعاني من آثار الإصابة حتى الآن ، لكن هذا الجمهور قدم في المونديال الحالي مثالا في ( التشجيع النظيف) رغم احتسائه كميات كبيرة من الكحول قبل وأثناء وبعد كل مباراة ! .

وربما يقول البعض إن الفضل في هذا الانضباط من جانب المشجعين يعود إلى الإجراءات الأمنية الصارمة التي اتخذتها الشرطة الألمانية في جميع الملاعب ولجوئها إلى تصوير جميع طوابير المشجعين بالصور الفوتوغرافية وكاميرات الفيديو لتعقب المشاغبين ، والى صرامة قوات الأمن في التعامل مع المشاغبين الانجليز الذين كانوا كبش الفداء لاختبار فاعلية قوات الأمن فوعى الجميع الدرس ولم يرغبوا في نيل ما ناله الانجليز الذين قضوا أياما في الحجز وليس في الملاعب والمقاهي الألمانية الشهيرة ،

غير أن المحصلة بالنتائج النهائية التي كانت أكثر من رائعة حتى الآن وخصوصا بعد خسارة ألمانيا أمام ايطاليا وهي خسارة مؤلمة يمكن لها أن تقلب الجمهور الألماني وتنسيه كل ماله علاقة بالانضباط ، لكن ذلك لم يحدث بل ذرف الجمهور الألماني دموعا ساخنة وعادوا إلى منازلهم بهدوء مخيف حتى وهم يشاهدون السيارات الايطالية التي تحمل علامات تسجيل ألمانية تجوب الشوارع الألمانية وتستفز جمهور الخاسرين.

وإذا كان الجمهور الألماني يخشى الشرطة وقوات الأمن في الميادين العامة والشوارع الرئيسية فانه لم يكن يخشى أحدا في الشوارع الداخلية الفرعية التي لا يوجد فيها أي تواجد لقوات الشرطة ،

وقد شاهدت منظرا معبرا كان فيه احد الأطفال الألمان يبكي من شرفة منزله بعد الخسارة وأراد إلقاء قميص المنتخب من شرفة المنزل لكن والديه أقنعاه بعكس ذلك فعاد إلى داخل المنزل وهو يبكي ويحمل بين ذراعيه قميص منتخب بلاده دون أن يزيح من شرفة منزله علم ألمانيا الذي كان من باب المصادفة معلقا في شرفة الشقة وبجواره علم ايطاليا الذي علقه جاره الايطالي الذي بقي في مكانه بالشرفة دون أية مشاكل.

بل إن عشرات المشجعين الألمان تجمعوا أمام فندق المنتخب الألماني لتحية اللاعبين والمدرب بعد الخسارة، وقال بعض الجمهور لوسائل الإعلام : نحن هنا لنعرب عن تقديرنا لما قدمه اللاعبون والخسارة لا تعني انقلابنا على الفريق ونسياننا لما قدمه لنا طوال البطولة .. نحن نشكرهم ولن نتوقف عن تشجيعهم.

رغم مرارة الخسارة لم نشاهد قنينة ماء أو قدحا يتم رميه على الملعب ولا عبارات سخرية وانقلابا من الجمهور الألماني على لاعبيه بل استمرارا لتشجيع المنتخب الذي يمثل كل ألمانيا .

ما أحوج البعض من جمهورنا للتعرف على ثقافة الخسارة حتى ولو كانت في مباريات كبيرة ونتائجها مؤلمة مثل خسارة ألمانيا أمام ايطاليا .

رسالة المانيا: سامي عبدالامام