يدهشك محمد أبومعتوق بعفويته وعلاقته مع الآخر.. وحينما لا يجد ذلك الآخر، يتفرغ لمصارعة نفسه!، وحينما التقيت به عندما زار دبي أجابني «صراعي مع نفسي قادني لان أكتب كل ما قدمته للناس ولكن خسارتي كانت كبيرة». يتعبك بنصائحه الصحية المتلاحقة والتي تسقط أمام أصغر وجبة، تستهلكه الكتابة كما لا تفعل مع أي كاتب آخر وفي النهاية ينسى أسماء كتبه.

لا يحتاج إلى طقوس للكتابة فأي مقهى يفي بالغرض، ولكنك تراه في خصام دائم مع مقاهيه التي لم يعد يطالها الوحي مثل قهوة رمسيس والسياحي..! ما سر تناقضه هذا؟ يضحك بعد ان يستنشق دخان سيجارته كاملاً مشيحا بوجهه عن ولده الغاضب منه ليقول: لولا التناقضات لما كانت البشرية..

يضحك كثيرا ويفكر أكثر.. ينعش ذاكرة محدثه بتواريخ وأسماء لا تعرف من أين ينبشها، وقلما تمر حكاية من أمامه دون أن يحملها بنكته أو تعليق ساخر.

محمد أبومعتوق الروائي الحلبي يحل ضيفاً عليناً في الحوار التالي ويكفي أن نقول ان روايته الصادرة عن دار الريس «شجرة الكلام» عام 1990 قد تم اختيارها من بين أفضل مئة كتاب في العالم، حتى ندرك أهمية ما قدمه من منجز ثقافي وأدبي، وبطبيعة الحال تلك الشجرة ليست كل شيء فأبومعتوق كاتب مسرحي بامتياز للكبار والصغار، وسيناريست لبعض الأعمال التاريخية المشغول بها الآن، وفي جعبته أيضاً ملحمة الأيام الفلسطينية، وجيل الهتافات الحزين .. وغيرها الكثير

* لماذا يبدو الروائي في سوريا مشغولاً بالفوز بنص تلفزيوني؟

ـ لا أعلم إن كان يسعى للفوز بنص تلفزيوني، وإذا كنت تعنيني فأنا لم أسعَ للفوز بنص «السيرة الهلالية» الذي عرض علي العام قبل الماضي، إنما النص هو الذي جاء إلي، والطلب من الشركة المنتجة تعقبني حتى قدمت نصي إليهم، والآن أنهيت سيرة عنترة بن شداد وقدمت النص للفنان سلوم حداد الذي كان قد طلب مني قبلا كتابة سيناريو عن هذا البطل العربي الشهير عنترة فقبلت، عموما دخولي في عالم الدراما كان بمثابة صياغة مشاريع بصرية لأعمال تاريخية كبيرة.

* ألا تعتقد أنك كنت الأقرب لصياغة نص تلفزيوني عن الزير سالم بحكم علاقتك مع هذه الشخصية في المسرح؟

ـ ربما ولكن الكاتب الراحل ممدوح عدوان كان الأقرب لصياغة نص تلفزيوني عن هذا البطل الشعبي الذي سبق وتناولته في المسرح، وبالمناسبة ممدوح عدوان كاتب مهم على مستوى الدراما ولكن لديه مشكلة وهي أنه شديد الرغبة بتطويع الحدث التاريخي لأن يكون حدثا سياسيا، السياسة غالبا ما تطغى على النفس الاجتماعي في الأعمال التي يكتبها وبالتالي تراها تحتل مكانا بارزا في الأعمال التاريخية لديه على وجه التحديد.

* وبالنسبة لك الوضع مختلف مثلاً.. يعني هل أنت قادر على صياغة أخرى للزير سالم بمعزل عن السياسة أو الإسقاط التاريخي؟

ـ لم أقل هذا، إنما أميل إلى لعبة التاريخ أكثر بعيوبه وأخطائه، لقد حاولت أن أنهض بمستوى الحكاية الشعبية إلى مستوى الدراما الإغريقية، و بالتالي علاقتي مع النص التاريخي ككاتب محكومة بالإمساك بالمعلومة التي يقدمها هذا الحدث.

* حتى ننهي الحديث عن الدراما التاريخية والتلفزيون يبدو أن هناك الكثير من التعليقات حول النص الذي كتبته عن السيرة الهلالية في مسلسل عرض قبل موسمين.. كيف تلقيت تلك التعليقات التي تشير في غالبها إلى ضعف في كتابة النص تلفزيونيا أو مشهديا؟

ـ أنا راض جدا عن العمل ولم يحدث أن تلقيت آراء بمثل هذه القسوة التي ذكرتها بل على العكس، فإن باسل الخطيب مخرج العمل استطاع أن يفكك العمل ويدخل في تفاصيله.. ولو كانت هناك مشكلات كالتي ذكرتها لما تم تكليفي بكتابة مسلسل عن عنترة بن شداد وأعتقد أن عنترة الذي انتهيت منه قبل أشهر كتب بنضج، وأخطاء النص الأول لن تظهر في النص الثاني بإذن الله.

* كيف تعاملت مع عنترة وأي الوجوه سيكون حاضرا في عملك الجديد هل هو، البطل، الشاعر، العاشق، الأسود، إلى أي تلك الوجوه تميل؟

ـ عنترة بالنسبة إلى كتاب الدراما بطل نموذجي، فهو شاعر وفارس وعاشق من طراز رفيع، ولكني حاولت في كتابتي عنه أن أجعله قريبا من البشر، وأن أجعله يرتكب أخطاء عظيمة شأنه في هذا شأن كل الشخصيات الموجودة حوله، وأريد أن أؤكد أنني جعلته إنسانا بعيدا عن هالة الخيال انطلاقا من رؤيتي الدرامية ودون أي مساس بالحدث التاريخي.

لأني في أعمال كهذه، ألتقط الإشارات وأحولها إلى حدث وهذه الإشارات هي بالضرورة ابنة نصها، ولا أغالي إن قلت انني أكتب لغة درامية بالغة القدرة على إيصال ذاتها إلى متلقيها، بحيث تكاد تكون توليفة بين سخرية عارفة متصلة بالفلسفة وبوعي من نوع خاص.

* دخلت عالم الرواية متأخرا بعض الوقت، لماذا الرواية وقد عرفت عبر بوابة المسرح وماذا قدم لك هذا الجنس الأدبي الجديد؟

ـ أي كتابة من وجهة نظري هي مقدمة هامة لكتابة لاحقة والمسرح الذي كتبت فيه عشر مسرحيات أو فلنقل عشر كتب، لأنني قدمت بعض الدراسات غير المسرحيات، وقد ساعدني هذا على الدخول في أجواء الرواية، والرواية باعتقادي أساسا ذات تأثير كبير على فضاءات صناعة الحدث الدرامي، وأظن أن الرواية تقدم معالجة خاصة للحدث الدرامي أكثر مما تتيحه الأجناس الأدبية الأخرى.

* هل تكتب بشكل يومي.. بمعنى هل تشعر أنك مطالب بالكتابة يوميا؟

ـ علاقتي مع الكتابة كعلاقة أي طفل مع أي جديد في حياته، الكتابة فعل يومي أمارسه بمتعة شديدة وهو ما زال يستهويني إلى درجة لا أعرف كيف أعبر عنها، وأعترف بأنني من أكثر الكتاب غزارة.

* هل لديك طقوس خاصة تمارسها كما هو حال الكثير من الكتاب؟

ـ لا توجد لدي أي طقوس بالمعنى المباشر، كل ما اشترطه هو أن أكتب في مقهى، أحب أن يكون حولي أشخاص وأنا اكتب، لذا تراني مدينا لمقاهي حلب وخاصة رمسيس والسياحي بكل ما كتبت..

* نادرا ما عرف المثقفون في العالم انصياعهم لسلطة ما سواء دينية أو دنيوية، إلى حد يوصفون بأنهم معارضة دائمة.. هل ترى في نفسك هذا الجانب؟

ـ نعم أنا معارض ولكنني معارض بطرق مختلفة عما يرونني فيها، أي أنني لست معارضا بالطريقة التقليدية بل معارض بالمفهوم الإنساني والوطني، أنا لا أطمح إلى أي منصب، ولا أرى بين الساسة، أكتفي بما منحه الله لي وهو كثير من موهبة في الكتابة ومتابعة لمشكلات الإنسان التي أعبر عنها عن طريق القلم وحسبي أن أقول إنني أقف ضد ما يمكن أن يؤذي أي إنسان على هذا الكون.

* هل تحزب المثقف وانتماؤه لأيديولوجيا ما هو لمصلحة انجازه الثقافي؟

ـ ليس بالضرورة، أنا عموما لا أميل إلى قضية الأحزاب والحزب هو قالب له حدود وأي حد عمليا يعيق المثقف عن عمله.

* على حد علمي أنك انتميت إلى حزب البعث.

ـ نعم كنت لفترة طويلة بعثيا ولكني ابتعدت في مرحلة لاحقة.

* لماذا ابتعدت؟

ـ كنت حقيقة مهتما ومعتقدا بالحزب ولكنني وبعد تجربة طويلة اكتشفت أن الأمر ليس كما كنت أظن، وأن مرحلة الركود السياسي التي عاشتها سوريا على مدار ثلاثين عاما لم تنصف الوطن أو المواطن.

* لو سألناك عن رواية عالمية تواكب الآن حال سوريا أو تشابهها فماذا تختار؟

ـ اختار رواية الكاتب «مئة عام من العزلة»®.! مع الاعتذار سلفا لماركيز لأننا أضفنا سبعين عاما فقط...!

* هناك أسماء هامة في عالم الأدب والثقافة في سوريا وهي أسماء بشكل ما صارت متداولة كثيرا وشكلت نجومية لها ولبلدها مثل الماغوط وعلي الجندي وسليمان العيسى وحنا مينا وأدونيس وغيرهم.. أين هو الجيل الآخر الذي سيحمل هذا العبء..لماذا غابت الأجيال المتعاقبة عن المشهد الثقافي السوري؟

ـ أنا أخالفك الرأي، هناك أجيال ولكن ليس هناك غطاء لهذه الأجيال، هناك تجاهل رهيب لها ولا تنسى أن هناك تجاهلا عالميا بالثقافة والأدب والشعر، المعطيات الآن تغيرت والاهتمام بل الانشغال بما يقدمه العالم لنا أقوى من أن نتجاهله.. أيامنا اختلفت عن هذه الأيام.. ولكل ما دولة ورجال...على كل نحن صرنا قريبين جدا من الذاكرة.

* هل هذا يعني الاستسلام؟

ـ لا بل التراكم المستمر والانشغال بفعل الكتابة وعدم الانسحاب هو الذي سيمنح الكتابة الإبداعية روحا وسيجعلها تستعيد مكانتها الإبداعية.

* هل انشغالك بالدراما التلفزيونية هو شكل من أشكال المهادنة أو المراوغة مع الزمن؟

ـ التلفزيون أفسدني كمشتغل بالرواية والمسرح والقصة وأنا في حالة انتظار للبدء بعمل جديد وقد بدأت أتحول إلى كائن غير ذي نفع ولا جديد في حياتي.. أنت تسميه هدنة مع الزمن ربما تصح هذه التسمية الخجولة ولكني أراها في تسمية ثانية.. لن أبوح بها، ولكن بالنسبة لي الفساد تحقق على المستوى الشخصي.

* هل كتبت تحت ضغط الحاجة المادية؟

ـ لولا الضغط المادي لما كتبت ولكني عندما كتبت سيناريو كتبت بشروطي أنا لأني لا أستطيع أن أكون كائنا آخر سواي.

* أنت الآن في دبي وغالبا ما تدهش المدن من يزورها لأمر يخصها فتدهش القادم بما لا يعرفه عنها.. ماذا فعلت بك دبي؟

ـ أدهشتني دبي وحالت بيني وبين الوصول إلى ملامسة روح المكان، وبذلك أكون سيئا أو مقصرا بإطلاق أحكامي ولكنها باعتقادي مدينة تختزل عشرات المدن وتختزنهم في داخلها.. إنها نسيج إنساني ثر وهي تدفع الإنسان للكتابة لأنه لا بد أن ينخرط في تفاصيلها.

* لو كانت دبي امرأة فبمن تشبهها؟

ـ «ضاحكا» أشبهها بالعذراء الجميلة التي لا تعبأ بأحد!

حوار: جمال آدم