أجرت مجلة «نيويورك تايمز» حواراً مع الروائي النمساوي بيتر هانكه ألقى فيه الضوء على موقفه حيال الضجة الكبرى التي أثارها حضوره جنازة الرئيس الصربي السابق سلوبودان ميلوسوفيتش والانتقادات التي تعرض لها بسبب موقفه هذا كما تطرق إلى مشروعاته المقبلة وملامح عالمه الروائي. وفيما يلي نص الحوار:
ـ باعتبارك واحداً من أكثر الروائيين والكتاب المسرحيين تبجيلاً في أوروبا، كيف تمكنت من إثارة هذا القدر من الضجة وحفيظة كثير من قرائك المخلصين؟
ـ أعتقد لأنني حضرت جنازة سلوبودان ميلوسوفيتش في مسقط رأسه بوزاريفيتش في صربيا.
ـ نعم، وقد ألقيت كلمة في جنازته في مارس الماضي. لماذا تقوم بحضور جنازة رجل مستبد واجه قبيل وفاته محاكمة تتعلق بجرائم حرب ارتكبها؟
ـ كان رجلاً مأساوياً في اعتقادي. لم يكن بطلاً، بل كان إنسانا مأساوياً. ولكني مجرد كاتب ولست قاضياً. وأنا محبٌ ليوغسلافياـ وليس لصربياـ كما أنني أردت أن أشيع سقوط البلد الأثير لدي في أوروبا، وهذا أحد أسباب حضوري الجنازة.
ـ لماذا تثير يوغسلافيا السابقة مشاعرك إلى هذا الحد؟
ـ أنا نمساوي، لكن أمي كانت سلوفينية. وأخوها أصبح من عناصر أنصار يوغسلافيا فيما بين الحربين العالميتين، وعندما قام هتلر بضم النمسا، أُجبر أحد أعمامي ـ كان نمساوياًـ على الانخراط في الجيش النازي. ومات في روسيا منذ وقت طويل. وكانت الانطلاقة الأولى لكتاباتي، القصص التي كانت ترويها لي أمي عن أخيها الراحل. وقد بدأت في الكتابة في سن مبكرة جداً في طفولتي.
ـ أرى أن «الكوميدي فرانسيز»، أي المسرح الوطني الفرنسي، قد ألغى للتو تقديم مسرحيتك «رحلة إلى الأرض الطنانة»، أو «فن السؤال» التي كانت مدرجة في برنامج التقديم.
ـ نعم، هذا صحيح، ويرجع ذلك إلى تقديمي العون في الجنازة.
ـ ماذا عن جائزة هاينزنيش هاينه المميزة التي تبلغ قيمتها 63 ألف دولار والتي قمت أخيراً بإعادتها لمدينة دوسلدورف؟
ـ ذلك كان غريباً أيضاً، فالساسة الألمان اعتقدوا أنني لم أكن الشخص المناسب لتلقي تلك الجائزة. ما أثار ضجة كبيرة. وفي نهاية الأمر قلت في نفسي، دعهم وشأنهم. وانتهى الأمر الآن.
ـ هل لديك المال الكافي من دون تلك الجائزة؟
ـ سنرى ذلك. إن أرسلت إلي شيئاً...
ـ متى ستبصر روايتك التالية النور في الولايات المتحدة؟
ـ في غضون أشهر. فمن الصعب القيام بالترجمة كما تعلم. وعنوانها «ضياع الصورة». وهي رواية تدور في أجواء القرون الوسطى حول العصور الحديثة. بطلتها صاحبة مصرف تشرع في نسيان نفسها في الجبال الأسبانية.
ـ توصف عامةً بأنك روائي ومسرحي رائد.
ـ أنا؟ لا، فأنا كاتب كلاسيكي. كاتب كلاسيكي محافظ.
ـ ما الذي تعنيه بذلك؟
ـ كتابة مليئة بالهواء. ومليئة بالثلج المتساقط، والصيف الذي تهب نسائمه في أوراق الكتب.
ـ ولكن أفضل كتاباتك لا تعد منتمية للتيار الطبيعي. أتحدث عن رواية «شجن وراء الأحلام» التي أعيد طبعها أخيراً هنا في أميركا.
ـ عندما يقوم النقاد بنقد رواياتي فإنهم يبادرون إلى القول إنها رائعة لكنها تفتقر إلى العقدة أو الحبكة. لا أحبذ الحبكات. فلست رجل الحبكات.
ـ ولست رجل سياسة بصورة حقيقية. في عام 1966 ـ في جامعة برنستون والذي يعد اليوم مؤتمراً تاريخياً ـ هاجمت غونتر جراس وهاينريش بول، زاعماً أنهما حطّا من قدر الرواية عن طريق تحويلها إلى شكل من أشكال الانتقاد الاجتماعي.
ـ نعم، لكني لم أقم بذلك في رواياتي على الإطلاق. ولا حتى الآن. فاللغة هي اللغة، وليست مادة تتقاذفها وجهات النظر.
ـ إذن ما الجدوى من اللغة؟
ـ هذا هو جوهر الموضوع. فهذا السؤال مهم للغاية ولا يملك جواباً فاللغة وُجدت كي تصبح لغة في الكتب القيمة.
ـ ألسنا نستخدم اللغة الآن في حديثنا هذا.
ـ إن الحوار الحقيقي بالنسبة لي يجري فقط عندما أكون بمفردي، أخط سطوري.
ـ هل تظن بأنه يمكن لحديث يجري بين اثنين ألاّ ينقل شيئاً؟
ـ بالطبع. لكن عليك أن تعلم أن هذه لعبة. ويمكن أن تصبح في لحظات مؤثرة وجادة للغاية، ولكنها تبدأ كلعبة ويجب أن تنتهي كذلك.
ـ لقد تم ذكرك مراراً كمرشح للفوز بجائزة نوبل في الأدب، هل تقيم للفوز وزناً؟
ـ في السابق عندما كنت شاباً، نعم كنت أهتم، والآن أعتقد أنه لم يعد يعني شيئاً لا سيما بعد مشاعري تجاه يوغسلافيا.
ـ كم تبلغ من العمر؟
ـ سأبلغ 64 عاماً في ديسمبر، تماماً مثل بول مكارتني.
ـ لازلت في ريعان شبابك.
ـ دعك من المجاملات.
ـ عن «نيويورك تايمز»
ترجمة: كوثر علي:
