لم يحدث أبداً أن شممت رائحة عطر رجالي في الأمكنة التي تتعاطى مع الشأن الثقافي والإبداعي. لم يحدث، بالمرة، أن رأيت هذا الكم من أناقة الحضور، مبدعين وخنفشاريين ومدعين. لم يحدث أن شاهدت مكاناً شاحباً، وقد تحول إلى لوحة مزدانة بالزهور والورود الطازجة. لكن حدث أنني تواجدت، بمحض الصدفة، في هذه الأمسية بسبب قربي من المكان وشعوري بالضجر أيضا في آن.

دفعني فضولي ودهشتي إلى السؤال عن فحوى هذه الفعالية التي كادت أن تكون جزءاً من كرنفالات مهرجان كان السينمائي، حتى يصعب على المرء تجاهل عدم وجود سجادة حمراء.. وكانت الإجابة أن «فلانة» سوف تقرأ أولى محاولاتها القصصية.. بلعت لساني انتظاراً لهذه الوليمة الأدبية، التي يبدو أنها أسالت لعاب الكثيرين.. لكن ماذا حدث؟

حدث أن جاءت الأديبة «المقترحة» في الموعد المحدد.. والحق يقال أني رأيتها إنسانة بسيطة، بلا زركشة ولا بهرجة، تتأبط ملفاً نحيلاً، وقد علت وجهها حمرة الخجل من هذا الحضور الذكوري الملفت. والحقيقة أيضا أن ملامحها البريئة تضاءلت أمام طلعتها الشهية، وجسدها المغموس في امتلاء حنون، وخطواتها الأقرب إلى الإيقاعات الموسيقية.. حتى شعرت بالحقد من هذا الجمال الذي يحمل بين ضفافه إبداعا ما.

حدث أيضاً أن سمعت عبر همسات المقاعد الخلفية أن كاتباً صحافياً أرسل «فاكس» يعتذر عن عدم حضوره بسبب معاناته من أحد أمراض الشيخوخة، ويوصي خيراً بالفتاة «الموهوبة»®. الأمر الذي أثار غيرة المتأنقين من هذا العجوز الذي يحاول اختطاف حق «الرعاية» الأدبية للمبدعة التي «معلومة عرفتها آنذاك» تبنوها في الورش القصصية.

حدث أن تنحنحت الفتاة لتقرأ أولى قصصها، ثم الثانية، فالثالثة.. لكن صُدمنا بعاصفة من الأخطاء اللغوية والجمل التعبيرية المأخوذة من زمن «أبجد هوز»®. أما القصص فحدث ولا حرج، لأنها لا تزيد على حكايات ما قبل النوم للأطفال.

العجيب أن هذا لم يكن رأي كاتب السطور فقط، بل كل المتعطرين. لكن ما أن بدأت المداخلات تشق طريقها إلى العلانية حتى انقلبت الحقائق وانمسخت الكائنات، فسمعنا سيلاً من المديح العالي للقصص التي أقحمت زورا وبهتانا في الإبداع المفعم بـ «البساطة».

وتنافس «ضحايا اللذة والتلذذ» في التشدق بمصطلحات التفكيكية والبنيوية والتناص والإسقاط والتعكيس والتلبيس. آخرون أرادوا لفت انتباه «الأنثى» بشراستهم النقدية، لعل وعسى يحظون بلحظة إعجاب مغلف بالرعب من «فحولتهم» النقدية.

هل تجنيت على هؤلاء في وصف حالتهم وتوصيف مراميهم المفضوحة؟ بالطبع لا، فبعد انتهاء الأمسية تحلق المتأنقون حول «الأديبة الوليمة» ليبدي المادحون مزيدا من رضاها، أما القادحون فقدموا أجمل اعتذارهم عن غلظة كلامهم.. لكن ما بين الأقوال والنيات ضمائر انكشف عصبها العاري، لأن المادحين والقادحين عرضوا خدمة توصيل توضيح وجهة نظرهم عبر زاوية في تلك الكافتيريا أو ركن في كوفي شوب حيث تنجلي الأمور الإبداعية عن وجهها المطمور.

لكن للأنثى ذكاؤها المعهود حين مرت الأيام والشهور دون أن يفوز أحد «ذكور النقد» برشفة قهوة على شرف المليحة.. وما بقي من انكسار الخواطر في تلك الليلة «التي لا تزال تتكرر وتتناسل في أماسي الإبداع المخجلة» هو ذكريات يتناوب فيها الزمّارون على التغني بـ «فصوص» الجميلة دون كلمة واحدة عن «نصوصها».

أما بطلة الحكاية ومثيلاتها فكل يقيني إنهن يبحثن عن نقاد «سوء» وذكور أكثر سوءاً حتى يضيع في ساحاتنا الثقافية الخط الفاصل بين الأديبات والمتأدبات، وتصبح «فصوص» الإناث قبلة الإبداع قبل النصوص.

majdy@albayan.ae