تعتبر حيازة الكرة من اهم الامور المرتبطة بفلسفة التدريب، فتطور الاساليب التدريبية ينعكس بشكل مباشر على الطرق التي ينتهجها المدربون في شكل حيازة الكرة، فسرعة الاداء والسيطرة على ايقاع اللعب والمباغتة الهجومية تعتمد بشكل اساسي على نوعية او شكل الحيازة التي يعتمدها المدربون عند بناء خططهم التكتيكية، وهذه يجب ان تكون متوافقة مع امكانية اللاعبين البدنية والذهنية وكذلك التباين في طرق لعب كرة القدم من مكان لاخر.
ان الذي يتغير في لعب كرة القدم من جيل لاخر هو ارتفاع معدل سرعة الاداء وقوتة والذي يتطلب سرعة اتخاذ القرار (سواء في اتجاه حركة اللاعبين بدون كرة او لعب الكرة عند الحيازة) وفي جميع حالات اللعب، اي عند حيازة الفريق للكرة (الهجوم) او في حالة حيازة الخصم للكرة (الدفاع) واخيرا في حالة انتقال الحيازة اي من الدفاع الى الهجوم او بالعكس.
المنتخب الاوكراني وسلبية الحيازة
فبطء وكثرة المناولات العرضية بين لاعبي خط وسط ودفاع الفريق الاوكراني عند التحضير وبناء الهجمات من المواقع الخلفية ادى الى فقدان الفريق المباغتة الهجومية الضرورية لاختراق دفاعات الطليان، ورغم ان الفريق كان يملك القدرة على حيازة الكرة لفترة اطول من خصمه
الا انة لم يكن مؤثرا على المرمى باستثناء حالات نادرة لم تكن كافية لطرق المرمى الايطالي وذلك يعود لانتهاجه اسلوب الحيازة السلبية التي تفقد اللاعبين طاقاتهم وتركيزهم مع مرور وقت المباراة، فقد اصبح نجاح اي فريق ما في العالم يتوقف حاليا على اعتمادة الحيازة الايجابية بغض النظر عن قصر او طول الفترة الزمنية لامكانية حيازة الكرة.
ليبي يجمع ما بين فكر بيرزوت واريجو ساكي
يمثل المنتخب الايطالي الصورة العكسية لنظيره الاوكراني، من خلال اعطائه مثلا واقعيا للحيازة الايجابية للكرة، فيسعى الطليان كعادتهم لجعل مناولات التحضير قصيرة وقليلة الا انها مؤثرة لانها غالبا ما تنتهي بعمق ملعب الخصم سواء على الاطراف و خلف الظهيرين و التي يجيدها كل من توتي و بيرلو الى الظهيرين زامبروتا و جروسو او على قوس الجزاء للمهاجم لاكتوني و الذي يجيد استقبال الكرة و الربط مع لاعبي الوسط القادمين من الخلف وكذلك الدوران بالكرة و مفاجأة مدافعي الخصم،
ورغم ان ليبي يعد من المدربين غير الكلاسيكيين على مستوى الكرة الايطالية وذلك لاعتماده على ثلاثة لاعبين في المقدمة مع الاندية التي دربها في الدوري و خصوصا مع الجوفنتوس في منتصف التسعينات، الا انة لا يزال يركز على الدمج بين الطرق الدفاعية الكلاسيكية والتي تعتمد على مبدأ الخطوط الدفاعية في الثلث الدفاعي اي تشكيل اكثر من خط دفاع من خلال تمركز لاعبي خط الوسط في نصف الملعب الايطالي عند فقدان الحيازة، وطريقة الدفاع الحديث (الضغط المبكر
في ملعب الخصم)،
اي خلق استراتيجية دفاع جديدة للطليان من خلال تنويع اساليب الضغط على حامل الكرة، وهو بذلك يكون المدرب الوحيد في المونديال الذي يقوم باعتماد الضغط على حامل الكرة جماعيا ولكن بمنطقتين مختلفتين من الملعب، فهو بذلك يدمج ما بين فكر بيرزوت (بطل كأس العالم مع الازوري عام 1982)
و الذي اعتمد على التكتل الدفاعي في الثلث الدفاعي و بين اريجو ساكي الذي اعتمد الضغط المبكر في ملعب الخصم كاستراتيجيه دفاعية، و الذي وصل مع الازوري الى المباراة النهائية لكأس العالم 1994 والتي خسروها الطليان اما البرازيل بضربات الجزاء الترجيحية.
اسلوب الالمان
يعتمد المنتخب الالماني النهج الهجومي في هذا المونديال، الا ان لاعبيه لا يميلون الى الاستعراض في كيفية حيازتهم للكرة و خصوصا رباعي خط الوسط شنايدر و شتفاستايغر و بالاك و فرينجس ، فهم عمليون في لعب الكرة من خلال تركيزهم على السرعة في اتخاذ القرار سواء في المناولة او في محاولات الاجتياز، لكسب الوقت و المساحة، فعدم المبالغة في نقل الكرة بين لاعبي المنتخب الالماني يعطيهم التركيز في اللحظات الحاسمة من المباريات.
فرغم انهم لم يصلوا الى المرمى الارجنتيني الا في حالتين من وضع تهديفي ومن كرات راسية الا انهم تمكنوا من تسجيل واحدة عن طريق كلوزة و الذي تعامل معها بكل هدوء و تركيز وقد كانت كافية لايصال المباراة الى ضربات الجزاء، اما الثانية فكانت قبلها وقد لعبها بالاك فوق العارضة بقليل من الانشات.
وعلى العكس من ذلك فقد استطاع المنتخب الارجنتيني الوصول الى المرمى الالماني لعدة مرات ومن اوضاع مختلفة الا انه لم يحرز الا هدف ايالا الرائع و الذي جاء من كرة ثابتة.
وهذا لايعني اطلاقا ان الالمان كانوا الافضل، فالسيطرة الارجنتينية كانت واضحة خلال اوقات اطول من عمر المباراة، ولكن الحيازة الايجابية للكرة ساعدت الالمان على الصمود في اصعب مباراة خاضوها الى الان.
المنتخب البرتغالي و الحيازة الايجابية للكرة
اعتمد المنتخب البرتغالي على حيازتة للكرة بشكل واضح في فرض سيطرته على المنتخب الانجليزي ، وخصوصا بعد طرد روني، فقد كان ايجابيا جدا في حيازته من خلال السرعة في تغيير اتجاه اللعب و التي خلقت اوضاعا لرونالدو و ميغيل من طرف اليمين و سيماو وفالنتي من جهة اليسار ولولا تسرع سكولاري باستبدال مهاجمه باوليتا ببوغستا (و الذي لا يجيد القيام بواجبات المهاجم الوحيد في العمق)
مما اضعف قدرة البرتغال في الاختراق من العمق ، لكان لنتيجة المباراة شكل اخر، اما المنتخب الانجليزي فقد كان عاجزا كعادته من التحكم بالكرة في وسط الملعب ،فرغم تكافؤ نسبة الحيازة في شوط المباراة الاول وتمكن لاعبيه من الوصول الى المرمى البرتغالي الا انهم لم يستطيعوا التحكم و السيطرة على مجريات اللعب ،
وقد طغت الفردية على محاولات كل من روني و جيرارد و كذلك لينون و كراوتش بدلاء الشوط الثاني و بدت انها محاولات غير مدروسة و فاقدة للتركيز، على العكس من تحركات مانيش و رونالدو و ميغيل و التي كانت مدروسة و مؤثرة على المرمى.
و الشيء الرائع الاخر للمنتخب البرتغالي و الذي يعطي لاعبي الوسط الثقة في الاندفاع الى الامام للقيام بواجباتهم الهجومية هو امكانية كارفاليو و مييرا في التغطية و كذلك كسب الصراعات الفردية على الكرة مع المهاجمين.
المنتخب البرازيلي يفشل في حيازة الكرة
فشل المنتخب البرازيلي في كل مباريات البطولة من القدرة على حيازة الكرة و التي كانت سلاحه الذي يتفوق فية على خصومه، فبناء الهجمة لاي فريق يبدأ من المناطق الخلفية ويعتمد بالدرجة الاساس على امكانيات الظهيرين الهجومية و لاعب الوسط المدافع،
وقد كان هؤلاء الثلاثة نقطة ضعف المنتخب البرازيلي في بناء الهجوم وهم كل من كافو( والذي لم يشترك مع ناديه ميلان الا في اخر مباريات الموسم المنصرم بسبب تعرضة للاصابة) وروبرتو كارلوس ، ورغم انه اجاد واجباته الدفاعية الا انه لم يقدم شيئا على مستوى الهجوم، والثالث جيلبرتو
و الذي كان احتياطيا ايضا مع ناديه الارسنال، فقد ضهر بطيئا في كل شيء، التغطية والاسناد واتخاذ القرار، و لم يستطع المنتخب تقديم اي عرض مقنع او ممتع باستثناء لقاء اليابان والذي اظهر خط دفاع متواضع علما ان المدرب بيريرا لم يشرك كافو وروبرتو كارلوس في تلك المباراة والتي كانا نجماها الظهيرين البدلاء سينسينيو و جيلبرتو لاعب هيرتا برلين واللذان صنعا هدفي رونالدو في تلك المباراة.
لقاء فرنسا
ففي اول لقاء حقيقي للمنتخب البرازيلي فشل الفريق في امكانية حيازة الكرة و بدا عليه ضعف التركيز والتشتت ، فقد استطاع ماكيليلي وفييرا من غلق منطقة المنتصف و اعطاء زيدان حرية الحركة الهجومية والتلاعب بلاعبي البرازيل ، و الذين ضهروا كهواة مبتدئين اما مهارات زيدان ،
فبدا وكانه ساحرا و ليس لاعبا اعتياديا ، وذلك لضعف الطريقة الدفاعية و اللاعبين على حدا سواء، اي ان فشل بيريرا كان مضاعفا في الاختيار وفي اسلوب اللعب، فهو عاد الى اسلوب 1994 ولكن بنوعية لاعبين مختلفة تماما وخصوصا في منطقة الوسط الدفاعي اي جيلبيرتو و جونينيو اما زي روبرتو فهو اصلا لاعب وسط يسار ولا يجيد ربط خطوط الفريق، اما كاكا ورونالدينيو فكانا في عالم اخر.
ولولا وجود لوسيو و جوان في الدفاع لكان عدد الاهداف اكثر بكثير من هدف واحد ، فقد كان الضعف في قابلية الفريق على حيازة الكرة غريبا، لانه كان يدافع بملعبه بعدد كبير من اللاعبين ولا يتمكن من الحفاظ على الكرة عند استعادتها ليعود ويفقدها بكل بساطة،
لذلك فقد قضى بيريرا وقته طالبا من اللاعبين نقل و تدوير الكرة فيما بينهم الا انهم عجزوا على ذلك ، ويعود ذلك لسببين رئيسيين وهما التغير الكبير والمفاجيء الذي قام به بيريرا على مستوى استراتيجية اللعب, وكذلك حاجتة الماسة لنظارات طبية ليرى ماذا كان يفعله كل من كافو وجيلبرتو ورونادينيو.
المنتخب الفرنسي المتماسك
اما المنتخب الفرنسي فقد اعتمد على بناء الهجمات من الخلف عن طريق ابيدال و سانيول و كذلك تماسك خماسي الوسط بقيادة المايسترو زيدان الذي رغم حيازتة للكرة بشكل استعراضي الا انه لم يفقد الكرة الا نادرا وقد كان دائما يعطي الوقت الكافي لزملائة من اجل الوصول الى افضل المواقع لاستلام الكرة،
فالكل يعرف واجباته سواء على الاطراف من قبل مالودا وريبيري و في العمق من خلال فييرا وماكييلي ، وحتى هنري لم يكن في عجلة من امره اذا تطلب الامر المحافظة على الكرة وتناقلها مع لاعبي الوسط الذين يقومون بالاسناد الهجومي.
ونظرا لما تقدم فان المنتخبين الايطالي والبرتغالي يملكان نفس فرص منافسيهما الالماني والفرنسي ان لم يكن اكثر منهما في بلوغ مباراة الختام وذلك لاعتماد مدربيهما عل حيازة الكرة الايجابية والتي ربما ستكون الفيصل في حسم اللقاءين.
اياد العقيلي