عندما نشاهد مدرجات ملاعب كأس العالم كمتابعين عرب في المونديال الحالي لا تقفز إلى أذهاننا إلا تلك العناوين الرنانة التي رسخها إعلامنا وحفرها في العقول من قبيل الكرة المجنونة والساحرة ونركز على التقليعات الغريبة والعجيبة والاجتهادات العديدة للفت الأنظار واستقطاب الكاميرات، ولكن كرة القدم ليست ساحرة ومجنونة فقط، انها (متحضرة) أيضاً!

فالمشهد الحضاري للمدرجات الذي يصر الاتحاد الدولي لكرة القدم على أن يظهره كوجه مهم لكرة القدم هو مشهد أحرى بنا أن نتوقف عنده ونتأمله ونتحسس موقعنا إزاءه ونحن نتابع البطولة العالمية،

ففي كأس العالم لا توجد حواجز تحول بين المشجعين وملعب المباراة ولا توجد مقاعد مخصصة لهذا الجمهور ومقاعد أخرى معزولة لجمهور الفريق الآخر وأبواب يدخل ويخرج منها هؤلاء وعلى أولئك أن لا يقتربوا منها.

ففي مدرجات المونديال نجد مجموعة ترتدي قمصان منتخب كوستاريكا تشجع فريقها في وسط جماهير ألمانية وبالعكس والأمر يتكرر في جميع المباريات. فالملعب يستقبل الجمهور بفرض انه جمهور ملتزم ومسؤول إلى أن يثبت العكس،

وهناك فارق كبير بين كرة قدم تقول لك ان هناك سياجاً لا يمكنك تخطيه وبين كرة قدم تقول لك أن هناك قانوناً ونظاماً عليك ألا تتجاوزه! تماماً مثل الفارق بين مسؤول كروي يرغب فقط في (فك نفسه من الصدعة) ومسؤول يريد أن يكون له إسهام في ثقافة الجمهور.

اعتزازي بوطني وأبنائه والقيم والمثل التي زرعتها قياداتنا في نفوسنا وجسدتها أمامنا على أرض الواقع بقيادة هذا الوطن إلى ما وصل إليه من رقي وتقدم في العديد من المجالات تجعلني على يقين بأن مشهد مدرجات كأس العالم هو ما يستحقه هذا الوطن وأبناؤه،

وإذا كان جنون كرة القدم وسحرها قد خطف أبصار وألباب المشجعين خلف الشاشات وكان الشغل الشاغل لأقلام ومايكروفونات وكاميرات الإعلاميين، فعلى المسؤولين عن كرة القدم والرياضة عموماً أن يركزوا على هذا المشهد ويضعوا وصولنا إلى هذا المستوى الحضاري هدفاً مستقبلياً لرياضة الإمارات وكرتها على وجه الخصوص لكونها الرياضة الأولى.

فإذا كان الفيفا يسعى لإثبات حرصه على تكريس القيم الإنسانية العالمية مثل المساواة والسلام والتعايش بين الأعراق، فلهذا الوطن قيم وأخلاق كالوحدة والتآزر والتعاون والتسامح زرعها المؤسس المعلم زايد رحمه الله في النفوس ومن مسؤوليتنا رعايتها وتنميتها.

ليس (حلماً) فالإماراتيون أجدر من أفواج الغوغاء من (الهوليجانز) بشرف الالتزام بالقانون والتعليمات دون حاجة لأسلاك شائكة، وأقدر على نيل ثقة منظمي المباريات وحافظي النظام في ملاعبنا المحلية،

ولكنها (أمنية) نتمنى أن تتحقق وأن تجد من يعمل على تحقيقها في أوساط المسؤولين عن الرياضة الإماراتية فالوصول إلى مرحلة عدم الحاجة إلى هذه الحواجز وتقليص المسافة بين المتفرج وأرضية الملعب هي منجز (حضاري) يتجاوز الحقل الرياضي بكثير.