يدخل زين الدين زيدان ارضية الملعب في هدوء عادة بينما بقية النجوم الشباب يتدافعون متحمسين نحو المستطيل الاخضر. ويسعى زيزو دائما الى تحاشي الاضواء وعدم الاعلان عن وصوله في ضوضاء عهدها الجمهور من كبار النجوم.

وفي مباراة البرازيل الاخيرة احتضن عددا من اصدقائه البرازيليين زملاء اللعب ثم وجه التحية لبعض البدلاء الذين لا تربطه بهم علاقة وثيقة ثم خطا خطوتين الى الوراء بعيدا عن الحفل الصاخب.

وكان المنتخب الفرنسي قد بدأ مشوار المونديال بداية متعثرة سببها الاقدام العجوزة التي تلعب في وسط ملعبها.

وفجأة استطاع منتخب الديكوك دوزنة نغماته الكروية بقيادة المايسترو واحد عواجيز التشكيلة زين الدين زيدان الذي عزف لحن الفوز كما لم يعزفه منذ ان قام بتدمير دفاعات منتخب السامبا في نهائي مونديال 1998.

صحيح ان مشاركة زيدان مع زميله تيري هنري لم تشهد اي ابداعات او تنيسقا كاملا بينهما خلال 54 مباراة خاضها الثنائي معا لكن لكل شيء بداية والبداية كانت هذه المرة امام البرازيل.

وعندها رحب زيزو بفرصة تدمير البرازيل مرة اخرى عندما وقف خلف الكرة بعد احتساب حكم المباراة ركلة حرة للديوك وقف وهو يقيس بدقة ابعاد اللحظة والمسافة التي تفصل الكرة عن مرمى الخصم

ثم ركل الكرة بدقة صانع الساعات لترتفع بعيدا عن متناول دفاع البرازيل المرتجف وتسقط على قدم تيري هنري اليمنى وهنا لابد ان لسان حال هداف فرنسا والارسنال قد وجه له الشكر باللغة الفرنسية »ميرسي مون امي«.

وبينما اندفع تيري هنري محتفلا بالهدف وسط ملاحقة زملائه ابتسم المايسترو العجوز لنفسه واندفع نحوه اولا نائب الكابتن باتريك فييرا واحتضنه في عرفان لقد عاد الاسطورة الى الابداع مجددا.

والان كيف ينحني زيزو مغادرا بعد ان اعاد لنا ذكريات الزمن الجميل من خلال هدفه الرائع في مرمى اسبانيا وبعد ان اضاء سماء مباراة السامبا بلمساته اللامعة ونماذج من موهبته التي ربما تجعله اعظم لاعب في جيله؟ انه المايسترو الحقيقي.

الرئيس زيزو

في امسية الثاني عشر من يوليو 1998 ارتفعت اللافتات التي تقول "زيزو الريس" وبشكل او بآخر كان تلاميذ زيزو مقتنعين لمحتوى الاهازيج والاغاني التي ارتفعت بها عقيرتهم باعتبار ان زيدان ابن المهاجر الجزائري وطفل مدينة مرسيليا قد تحول الى بطل متواضع فهو لم يوحد جماهير الكرة فقط بل توحدت فرنسا بأكملها عن حبه وتقديره.

كذلك كان لابد من العودة الى الماضي فيما يخص لقاءات فرنسا ضد البرازيل، برازيل رونالدو في مواجهة زيزو على الملعب وهنا لابد من متابعة الدراما التي تصاحب هذين النجمين الكبيرين وافضل حصاد جيلهما قبل ثماني سنوات.

وعندما التقى الزميلان على ملعب مدينة فرانكفورت تبادلا النكات والقفشات خلال الثواني التي سبقت صافرة البداية وبعد انطلاق المباراة تحولت النكات الى نظرات قاسية عبر مركز الملعب بعد ان حان الوقت ان يتحول افضل الاصدقاء الى خصمين لليلة اخرى.

وكانت الخطوة البارعة الاولى من نصيب زيدان الذي استحوذ على الكرة وسيطر عليها بفن قبل ان يرسلها تمريرة متقنة وصائبة وعندها زأرت المدرجات مهللة للخطوة الكلاسيكية.

ثم عاد زيزو لفعلها مجددا مباشرة قبل انقضاء الشوط الاول بحركة فنية لا تنم على تقدمه في السن أبدا، نعم زيدان قادر على جعل اصعب الحركات تبدو في غاية السهولة وترجم هذا الابداع بكرة نحو زميله باتريك فييرا جعلته يتجه مباشرة نحو مرمى البرازيلي ديدا .

والواقع ان زيدان يملك هذه اللمسة الساحرة التي قد لا تتناسب وسنه المتقدم بحسابات كرة القدم والتي ربما تبدو انها نمت بلا جهد يذكر لكنها في الواقع ليست كذلك لكن الحلاوة في الاداء تتقاطر منه كما تهطل الامطار العذبة في غابات الامازون الماطرة.

ولاشك انه سيأتي يوم على زيدان يسترخي خلاله عائدا بالذاكرة عندما كان مراهقا في صفوف فريق »كان« وهو يستلم مكافآته التي لم تتجاوز الـ 500 جنيه استرليني ويسلمها كاملة لوالديه ووقتها استطاع زيدان ان يساهم في تحقيق فوز نادر وبعيد المنال لفريقه كان على حساب فريقه المستقبلي مرسيليا على ملعب الفيلو دروم.

والطريف هنا ان مدرب فريق مرسيليا خلال تلك الحقبة لم يكن سوى القيصر بيكنباور شخصيا كذلك لابد ان يتذكر كيف تحول الى جالاكتيكو احد اغلى نجوم ريال مدريد أجرا وثمنا طوال تاريخ النادي الملكي العريق الذي دفع 49 مليون جنيه استرليني مقابل خدماته لمبلغ قياسي ظل صامدا حتى الان.

ولم يتنكر زيدان لهذا الصنيع فدفع جزءا منه بالمساهمة الفعالة في الفوز بكأس اندية اوروبا بعد كرة على الطائر سكنت شباك الخصم على ملعب هامبتون بارك.

ولاشك انه سيتذكر كذلك منتخب الديوك والاحباط الذي عاد به بعد رحلة خائبة في مونديال كوريا واليابان 2002 والخروج المبكر لمنتخب ذهب الى الشرق الاقصى وهو يحمل لقب بطل العالم.

وفوق هذا وذاك سيذكر زيزو صيف 1998 وهناك غطت لوحة ضخمة تحمل صورة جانبية لوجهه واجهة مبنى عملاق مطل على ميناء مرسيليا طوال المونديال وبعد الفوز بكأس العالم اضاءت نفس اللوحة قوس النصر الشهير بعد هدفين بالرأس نقلتا فرنسا الى اول كأس مونديالية وكانت سبب ترشيح جمهور الكرة له لتولي منصب رئيس فرنسا.

المدهش انه خلال ذلك المونديال طرد الحكم زيدان لمخاشنته احد لاعبي المنتخب السعودي لكن الكبير كبير والعبقري قادر دائما على العودة القوية والعالم قادر على تذكر اللحظات المضيئة التي اعتقد عشاق الكرة انها ولت باعلانه الاعتزال الى ان اثبتت خطأ هذا الزعم وعاد اكثر قوة وشبابا وامام البرازيل زعيمة العالم الكروي.

محمد سيف النصر: