لم يكن صعوده على الساحة الأدبية مفروشاً بالورود، فقد أجبرته ظروف فرض نفقات على التعليم الثانوي إلى الالتحاق بالتعليم الصناعي، ونتيجة لإصراره الشديد على استكمال تعليمه الجامعي، عاد بعد سنوات من العمل في الترسانة البحرية بالإسكندرية ليلتحق بكلية الآداب قسم الأدب والفلسفة ليحقق حلمه المؤجل، ليضع مخططاً لقراءاته الفلسفية والتاريخية والفرعونية أثناء دراسته الجامعية، وذلك في محاولة منه لإثراء ثقافته الذاتية في شتى العلوم.
وخلال دراسته الجامعية دخل معترك الحياة السياسية وشارك في فعالياتها من خلال الحركة الطلابية، وفي ذات الوقت لم ينسَ همومه الأدبية في مجال الإبداع، فكتب خمس روايات إلا أنها ضاعت جميعاً وسط زحام الحياة وانشغالاته وهمومه. وحول ذكرياته السياسية والأدبية وقراءاته وإبداعاته وآرائه ومغامراته في الحب والسياسة والأدب والفلسفة والحرية والديمقراطية وهموم الكتابة والنشر والتوزيع وخبراته الحياتية والأدبية كان هذا الحوار مع المبدع الروائي إبراهيم عبد المجيد.
ـ متى بدأت الرحلة في عالم الأدب؟
ـ بدأت الرحلة بعد حصولي على الإعدادية في يونيو 1961 ودخولي المدرسة الصناعية الثانوية بمجموع بنسبة 82% ولم أتمكن من الالتحاق بالتعليم الثانوي بسبب المصاريف، لأن المجانية لم تكن قد عممت بعد، وكانت المطالعة الحرة في المدرسة، والمدرسون المثقفون هم بداية الطريق
وكذا كان والدي حافظاً للقرآن فكان يقص علينا قصصه، وأيضاً كان يحضر لنا عازف الربابة في البيت، وكانت حياتي الأولى ما بين كفر عشري و كرموز بمدينة الإسكندرية وكان اختراقي للقطارات وملاقاتي للغرباء والبحيرة والصحراء كل هذا جعلني أكتشف موهبتي مبكراً وكتبت خمس روايات عام 1961 ولكنها ضاعت مع الأسف.
ـ كيف أعددت نفسك كمشروع أديب في بداياتك؟
ـ في المدرسة الصناعية دخلت قسم الكهرباء، وبدأت في وضع برنامج أدبي لي، وبعد حضوري لندوة محمد مندور أضفت لبرنامجي قراءة النقد والتاريخ، وكان لدي أجندة كاملة ملأتها بأسماء الكتب، وبعد تخرجي من المدرسة الثانوية الصناعية 1964، عملت في الترسانة البحرية وبدأت أذاكر ثانوية عامة التي تأجل الحصول عليها بسبب النكسة، ودخلت العمل السياسي والجامعة في عام 1969 ودرست الفلسفة بكلية الآداب.
ـ ولماذا كان اختيارك للفلسفة تحديداً ؟
ـ لأن الفلسفة تعطيك الفرصة لتأمل الكون أكثر من الشخص العادي كما أن الفلسفة لها تأثير خطير على الأدب، وأثناء الدراسة بدأت في قراءة فلسفة العلوم والفرعونيات والأصول الفلسفية، ونشرت أول قصة عام 1969 في ملحق أخباراليوم وتصورت في ذلك الوقت أنني سأكون أشهر أديب في العالم، وقررت منذ هذه اللحظة أن أسافر إلى القاهرة بعد التخرج.
مشاوير بالقطار
ـ لماذا نجد عمال القطارات بكثرة في أدبك؟
ـ والدي كان موظفاً في السكة الحديد، وخبرتي وطفولتي كلها في السكة الحديد، وهي خبرات لا تنسى فكل رحلتي ومشاويري بالقطار حتى عندما سافرت أميركا كنت أتنقل بالقطارات، وأيضاً أنا دائم السفر إلى الإسكندرية بالقطار، وكل هذا جعلني أتلمس حكايات عمال القطار وأتلمس الجانب الإنساني فيهم.
ـ ما حكاية يوسف إدريس وأدبه معك؟
ـ قرأت أعمال يوسف إدريس خلال أسبوع واحد في السبعينات من القرن الفائت وملأني بالدهشة لدرجة أنني وجدت نفسي أكتب مثله فتوقفت عن النشر، وكان من نتيجة تأثري به أنني حلمت به يملي علي قصة ولكنني عندما استيقظت كنت نسيتها وحزنت بشدة.
ـ رواية بيت الياسمين من أكثر أعمالك التي حققت لك الشهرة والانتشار، فهل توافقني في ذلك؟ أم أن هناك أسبابا أخرى؟
ـ أرى أن السبب لا يرجع إلى الروايات في حد ذاتها، ولكنها ظهرت في فترة اشتدت فيها عودة الحياة الثقافية بعد وفاة السادات، أما بيت الياسمين فكانت عام 1985 وعند نشرها لاقت اهتماماً كبيراً، لأن الحياة الثقافية اشتد عودها في ذلك الوقت.
ـ تعيش في القاهرة منذ ثلاثين عاماً.. ولكننا لا نجدها في أدبك مثل الاسكندرية؟
ـ القاهرة عندي منسية فهي في اللاوعي، ولا أشعر بالقاهرة، فهي عذاب وصدمة نفسية، خاصة انني لا أرغب البقاء بها.
ـ حدثنا عن كواليس رواية (لا أحد ينام في الإسكندرية)؟
ـ بعد أن استنفدت التحولات الروحية والاجتماعية في رواياتي السابقة كنت في حاجة إلى الرجوع إلى ذكرياتي عن الحرب العالمية في الإسكندرية، خاصة وأنا أحمل عنها حكايات كثيرة وعندي رغبة قديمة في الكتابة عنها وذهبت إلى الأستاذ مصطفى نبيل في دار الهلال عام 1990 وأخبرته أنه بعد سنتين سيأخذ مني رواية عن الحرب العالمية الثانية.
ـ وكيف جاءت فكرة هذا العمل؟
ـ كنت مسافراً مع الأسرة إلى مرسى مطروح وفى الطريق زرنا مقابر العلمين، وذهبت وحدي إلى محطة القطار التي كانت مقر عمل أبي عام 1941 وقت الحرب.. وتأثرت وعدت مشغولاً بالرواية، واستغرقت هذه الرواية في كتابتها ست سنوات، ويرجع هذا إلى اهتمامي بالإعداد لها فكنت كل يوم جمعة أسافر إلى الإسكندرية وأمشي في الشوارع من الصباح إلى الليل دون أن أكلم أحداً، وأمسك الرمال وأكتب أسماء الموتى، وأمشي في الأحياء الشعبية، ولاحظت كذلك شواهد القبور،
وكنت مشفقاً على الجنود الأطفال من الهنود الذين ماتوا في حرب لا ناقة لهم فيها ولا جمل، وقرأت الكثير عن تاريخ الإسكندرية، واستقيت شكلها من جريدة الأهرام، خلال هذه الفترة فكانت الحياة تشي بالموت، كما كانت تعكس صورة مثيرة للحياة، صور الجنود وأخبار الموت إلى جوار أخبار الرياضة والإعلانات والسينما، إضافة إلى صفحة الحوادث!!
طيور العنبر
ـ ولماذا لم تكن رواية طيور العنبر على نفس المستوى؟
ـ على العكس فأنا أرى أنها أهم وأفضل من رواية لا أحد ينام في الإسكندرية لكنها لم تقرأ قراءة جيدة، كما أنها ظهرت في العام الذي أثيرت فيه ضجة (وليمة لأعشاب البحر)، وكان الجميع مشغولاً بالكتابة عن هذه المعركة وأيضاً ظهرت في معرض الكتاب الذي هو موسم شراء لا قراءة على عكس الصيف.
بعيداً عن الأدب
ـ ما رأيك في أحزاب المعارضة؟
ـ أحزاب المعارضة ضعيفة فهي عبارة عن صحف وليس لها رصيد في الشارع، وهذا هو الطبيعي بعد 25 سنة من الملاحقة ومنعها من ممارسة السياسة.
ـ ما رأيك في الحركات السياسية مثل (كفاية)؟
ـ (كفاية) حركة نبيلة تمثل ضمير الأمة العربية وسوف تنمو مع الوقت.
ـ هل لديك توجهات سياسية أو انتماء أيديولوجي؟
ـ ليس لدي اتجاه معين، فأنا أديب أعي كل الاتجاهات والأيديولوجيات دون أن أنخرط في أي منها.
ـ لماذا تراجعت الصحافة الأدبية؟
ـ لا توجد أسباب موضوعية وهناك تصور أنه لا يوجد قراء لهذه الصحافة، وهذا خطأ كبير جداً بل بالعكس فإن تقليل حجم الصحافة الأدبية هو الذي أدى إلى قلة عدد القراء وهذا التصور موجود منذ السبعينات من القرن الفائت، وهو تصور يرجع إلى الإعلاميين أنفسهم لأن الصحافة الأدبية مزدهرة جداً من قبل وكان الأهرام لديه ملحق أدبي عظيم، وكان توزيعه مرتفعا جداً.
نعلم أنه صديقك
ـ ماذا يمثل لك د. نصر حامد أبوزيد؟
ـ نصر حامد أبوزيد صديق عزيز ونقطة ضوء في حياتنا حاول حراس الظلام إطفاءها.
ـ هل يختلف الحب اليوم عن الحب زمان؟
ـ لا يختلف لكنه أصبح سهلاً، والحاجة السهلة تفقد طعمها، وفي أيامنا أن تكلم الفتاة كانت مغامرة، لذلك قال شوقي: نظرة فابتسامة فموعد فلقاء، اللقاء الآن يسبق حتى النظرة.
ـ ما هي أمنياتك لهذا العام؟
ـ أن تتمتع جميع الدول العربية والدول الإسلامية بحقوق الإنسان، لأنني أعتقد أن سبب مصيبتنا أن هذه الدول لا تتمتع بحقوق الإنسان والديمقراطية وحرية الصحافة، والدول الإسلامية لو قرأت القرآن لوجدت أنه أول كتاب مقدس في حقوق الإنسان، فهو يعتبر الطغيان أشد إجراماً من الكفر.
بلدي مظلوم!
ـ ما هي القضية التي تشغلك الآن؟
ـ قضية حقوق الإنسان، فأنا لا أريد أن يكون في بلدي مظلوم واحد، ولا أريد أن يوجد شخص لا يجد من يستمع لشكواه، أو أن يستبد أحد برأيه، وأريد أن يعبر كل شخص عما يعتقده، لأنني أرى أن أفضل حرس جمهوري هو الشعب المصري، فالشعب هو الذي يحمي الحاكم العادل الذي ينفذ إرادة الشعب ويحس بما يحس به.
ـ هل تعتقد فعلاً أننا نتمتع بالحرية والديمقراطية؟
ـ يمكنني القول بأنه تم إضاءة أنوار الحرية والديمقراطية وأننا نسير بخطوات ثابتة لتحقيق ديمقراطية كاملة.
ـ ما الذي يجعلك تنفعل وتكتب؟
ـ كل كاتب له همومه الشخصية، وهذه الهموم هي التي تحركه للكتابة.
ـ هل يوجد من الأدباء الشبان من يبشر بمستقبل باهر؟
ـ طبعاً هم كثيرون، فعلى سبيل المثال هناك «ياسر إبراهيم» و «ياسر عبداللطيف»، و «خالد إسماعيل»، و «حمدي الجزار» و «إيهاب عبدالحميد» و «بهاء عبدالمجيد» و «صفاء النجار».
ـ إذن هم ليسوا كما يقولون جيلاً ضائعاً.
ـ هو جيل ضائع فعلاً، ولكن ضياعهم ليس بسبب مواهبهم أو إنتاجهم بل بسبب ظروف اقتصادية جعلت القراء ينصرفون عن القراءة.
ـ هل تعاني من مسألة المعاملات المادية مع جهات النشر؟
ـ لا أعاني لا في النشر الخاص ولا في النشر الحكومي، فمهرجان الأسرة والجهات الحكومية لا توجد فيها مشاكل حقوق، ولا توجد هذه المشاكل أيضاً في الدور الخاصة ولا أعاني من الأجور أو من التوزيع.
ـ ولكننا شعرنا بوجود هذه المشكلة في روايتك «برج العذراء» بسبب طباعتها خارج مصر.
ـ رواية «برج العذراء» لها وضع خاص فأنا طبعتها خارج مصر لأنها مليئة بالعنف والجنس المشوه، وتخوفت من قراءتها في مصر قراءة سياسية لا قراءة أدبية، وحدث أن دار الآداب لم تشارك في معرض الكتاب، وأرسلت 50 نسخة للقاهرة ولم ترسل نسخاً اخرى، ولا أعرف هل سبب ذلك تخوفهم من شيء ما.. أم المسألة ترجع لحسابات مادية لدى دار النشر.
ـ هل هي رواية ممنوعة في مصر؟
ـ لم يصلنا شيء رسمي بهذا الخصوص، وإن كنت أرى أن دار الآداب لم تكن شجاعة في التوزيع.
ـ لماذا قدمت استقالتك من رئاسة تحرير سلسلة كتابات جديدة؟
ـ بسبب الأزمة التي حدثت لرواية «وليمة لأعشاب البحر» وشعوري بوجود أزمة حرية فكر، بينما معظم المؤلفين شباب، إذن الحل سيكون، إما الحذف، وهذا قاتل ولا أحبه وإما النشر والمصادرة فاستقلت احتجاجاً على هذا الواقع.
ـ لماذا تفوق الرجل في الإبداع الأدبي وتأخرت المرأة؟
ـ من قال هذا؟ .. فهذا الكلام خطأ فهناك أديبات عظيمات فعندنا مثلاً إقبال بركة، وسكينة فؤاد، وسناء البيسي، ونوال مصطفى ونوال السعداوي ومنى رجب، ومنى حلمي.. وغيرهن كثيرات.
ـ خدمة (وكالة الصحافة العربية)
القاهرة ـ «البيان»