هل صحيح أن المثقف العربي يعيش في غربة عن نفسه وعن بيئته ومحيطه، في وقت لم تعد فيه الثقافة تحتل موقعاً مهماً في حياتنا اللاهثة وراء لقمة العيش وإيقاع الحياة الاستهلاكية، بعد أن كنا في العقود الماضية نتابع الأسماء الإبداعية التي ملأت حياتنا وشغلتنا عن الكثير من الأمور والقضايا، وهل صحيح أنه لم يعد هناك مبدعون يديرون الرؤوس ويملكون ناصية القوافي والبيان، وأننا نعيش في زمن الوجبات الأدبية السريعة، التي لا تسمن من جوع ولا تغيث ملهوفا..؟!
أسئلة كثيرة راودتني وأنا أطالع بقلق ما تعرضه المكتبات العامة ودور النشر العربية، من كتب ودراسات ومنشورات يغلب عليها السطحية والاستسهال في كثير من الأحيان، حتى أن أحد الأصدقاء قال لي ذات مرة: «لا تتعب نفسك في البحث عن كتاب جديد، لأن وسائل الإعلام ستجده لك»، ومع أنني لم آخذ كلام صديقي على محمل الجد، إلا أنني اكتشفت متأخراً أن كتب الطبخ والأبراج والتوقعات الفلكية هي الأكثر رواجاً،
إلى جانب بعض الكتب الدينية التي تلعب على نار تأجيج المشاعر أو النكوص إلى الغيبيات، في وقت نحن بأشد الحاجة فيه إلى من يوقظ فينا جذوة العمل وعدم الركون إلى بعض الآراء والفتاوى التي تدعو للسخرية والاستهجان في بعض الأحيان، كما تدعو كتب الأبراج إلى الاستخفاف بعقولنا التي بدأت تفقد قدرتها على التمييز بين الخطأ والصواب، فانتشرت الكتب التافهة والنصائح التي يقدمها أشخاص لا يملكون أدنى حدود الثقافة، كحال إحدى العرافات التي تتفوه بكلام وتعابير تدعو إلى الموت ضحكاً كلما طلب منها أحد قراءة الطالع أو تفسير حلم من الأحلام الضائعة.
صحيح أن حال الإبداع لابد أن يتأثر بحال المبدع، لكنني لا أستطيع أن أحصي عدد المتثاقفين ومدعي الثقافة ممن يملأون المجالس بلغو الكلام ويعتقدون أنهم فرسان المنابر ورواد الحداثة، متناسين أنهم لا يملكون الموهبة الكافية والأسلوب الذي يجذب القراء والمتابعين، فليس غريباً في هذه الأيام أن تجد مستشعراً يطبع في كل عام مجموعة شعرية لا يعرف بها أحد إلا صاحبها الذي يوزعها على أصدقائه الذين يقبلونها منه على خجل،
وصاحب المطبعة أو دور النشر الذي يهتم بالأمور المادية أكثر من اهتمامه بأية أمور وتفاصيل أخرى، والمضحك أن هذا «المتثاقف»، يعلن للملأ أنه صاحب تجربة أشاد بها النقاد، الذين لا بد أن يكونوا على شاكلته من سوء الموهبة والتقدير، فيطبلون ويزمرون له، كجوقة «نشاز» تعزف وتؤلف وتغني أمام جمهور أطرش أعمى لا يريد أن يشفى من علله بعد أن ملَ هذا الترياق الزعاف.
ثم يأتي من يتفاصح ويدعي أن الجمهور لا يقرأ ولا يهتم بالإبداع، لكن لم نفس هذا الجمهور يتهافت على قراءة كتب والترجمات نالت ما تسحقه، والأسماء الأجنبية أكثر من أن تحصى، تماماً كحال مبدعينا الذين يتفاخرون أنهم أعضاء في اتحاد الكتاب الذي ضم عبقريتهم الفذة ونبذها الجمهور للأسف.
alomawi@albayan.ae