أثارت الورقة التي قدمها القاص عدنان كزارة حول القصة القصيرة مسوغات الوجود والاستمرار، نقاشا ساخنا في الأمسية التي نظمها نادي القصة باتحاد كتاب وأدباء الإمارات بالشارقة يوم الأربعاء الماضي، فقد وجد فيها البعض انحيازا غير مبرر باتجاه القصة على حساب الرواية التي ما زالت تحقق السبق في الانتشار على القصة القصيرة،
فيما أكدت آراء على أن الورقة أشارت إلى أن القصة القصيرة هي كجنس أدبي وحيد يمتلك القدرة على حمل معطيات الواقع والاستفادة من جميع الأجناس الأدبية وقدرتها على التماهي معها والتي أطلق عليها مفهوم تراسل الأجناس قياسا على تراسل الأجناس في النقد الأدبي الحديث، فيما ان هذه الخاصية، هي في الأصل خاصية كل جنس أدبي مبدع..
وقد حملت ورقة كزارة التي جاءت على هيئة خطاب أو بيان يناصر القصة القصيرة وقوتها وحملها لمواصفات الجنس الأدبي القادر على تأمين مستقبله تعديد مواصفات ومؤهلاتها بحكم انها جنس أدبي يمتلك ميكانيزمات وفنيات عالية في الاختزال والترميز والتخلص من القيود باتجاه النص الشعري او حتى النص المفتوح وان هذه القوة وهذه المساحة الحرة للقصة القصيرة هي التي تضمن لها مستقبلها..
وقال كزارة في ورقته انه لا يتفق مع الذين يقولون ان العصر عصر الرواية، وأنها الجنس الأدبي الأقدر على تصوير هموم الناس واستشفاف أحلامهم، فلكل جنس أدبي قدرته الفذة على التعامل مع الواقع، لا شك في ان الميدان الذي يمكن للرواية ان تجري فيه ممتد مكانا وزمانا ويغطي مساحة لا محدودة من المسائل الاجتماعية والسياسية والفلسفية وهذه مزية تحسب للرواية لكنها قد تكون نقطة ضعف، اذ تنافسها فيها الدراما السينمائية أو التلفازية بما تملكه من قدرة على التشويق وطاقة في التأثير تجذب بالصوت والصورة ملايين المشاهدين،
بينما لا يتعدى قراء أفضل عمل روائي بعضة آلاف، ومن هنا تظل القصة القصيرة محتفظة بمواقعها الحصينة التي لا يستطيع التلفاز اختراقها، نظرا لما تختص به من إمكانات فائقة في التحليل والتصوير وتفجير اللغة وارتياد المواقع المجهولة في النفس البشرية، يضاف إلى هذا كله ما أفادته القصة الحداثية من تقنيات الشكل الفني المقتبسة من فن السينما كالمونتاج والكولاج
او من فن المسرح كالحوار والمشهدية الدرامية او من لغة الشعر كالتكثيف والرمزية حتى غدا كثير من النصوص القصصية قصائد نثر، كما ان اغلب عناصر القص الكلاسيكية كالحبكة والعقدة والمكان والزمان وربما الحدث نفسه تم تجاوزها في القصة الحداثية لمصلحة عنصر ثابت لا يختلف أبدا إلا وهو وحدة الأثر.
ويناصر كزارة في ورقته القصة القصيرة كجنس أدبي قادر على استيعاب مجريات العصر مما يوفر له مستقبلا أوسع من الرواية في إشارته إلى ضرورة العودة بالذاكرة إلى المناخات التي أفرزت القصة القصيرة في نهايات القرن التاسع عشر والتي يرى في هذه المناخات انعكاسا لمناخات الواقع الحالي..
يقول كزارة: لقد ظهرت نماذج القصة الرائعة على يد موباسان وادغار آلان بو وتشيخوف مستمدة موضوعاتها من معاناة الطبقة المهمشة، البروليتاريا العمالية، والبروليتاريا الرثة وأصحاب الدخل المحدود، الرازحة تحت وطأة النظام الرأسمالي وسحقه اليومي لها بآلة الاستغلال الجهنمية، تقنعنا بأن الحال لم يتغير، وبأن ملايين الجوعى والمحرومين لا يزالون يتطلعون إلى الخلاص المادي والروحي على يد نظام عادل يصنعونه بنضالهم يعيد للعالم توازنه.
ويشير إلى ان القصة القصيرة عادت لها الروح في هذه المناخات الموسومة بانسداد الأفق، الموصومة بتعاسة الإنسان من دون بصيص أمل. ويتساءل كزارة في نهاية ورقته عن الأزمة التي تحيط بالقصة القصيرة بالرغم من افق مستقبل مفتوح لها أكثر من الرواية حسب إشارته: هل الأزمة أزمة قصة قصيرة، او أزمة مبدعين؟ ويجيب: انها بلا شك ازمة المبدع الذي نحتاجه اليوم أكثر من أي وقت مضى،
لا في القصة او الرواية او المسرح فحسب وإنما في كل ميادين العلم والفن والعمل، فالواقع السياسي والاقتصادي والاجتماعي يضغط على أرواحنا وأجسادنا وعقولنا بكل قوة، والفن قد يكون خشبة في سفينة الخلاص التي تنقذنا من الغرق، وتحفز أرادتنا على الصمود في وجه الأمواج العاتية وتمدنا بالتفاؤل للوصول إلى الشاطئ الآخر، حيث الحياة الحرة الكريمة.
ورقة كزارة التي حملت رؤاه وتصوراته حول مستقبل القصة القصيرة سجلت نقطة مضيئة في أمسية نادي القصة باتحاد الكتاب، ليس لأنها جاءت استفزازية لمناصري مستقبل الرواية، ولكن لأنها فتحت أفق الحوار حول جنس أدبي استطاع ان يتملك حرية كبيرة في الانفتاح على تقنيات الكتابة، ولهذا فان الورقة أفضت إلى جملة الانزياحات في الأحاديث التي شارك فيها أعضاء الناد.
كتب ـ مرعي الحليان
