هدى سليمان خريجة أدب انجليزي؛ تعمل استشارية تدريب موارد بشرية في المهارة للاستشارات والدراسات الإدارية والتدريب المهني. عملت في التدريس ثم تركته لتقدم اختبار وزارة العدل لإحراز رخصة مزاولة مهنة الترجمة فكانت الوحيدة التي قيّدت كمترجمة قانونية؛

تخلت عن الوظيفة التربوية لتتفرغ للعمل على تأسيس رابطة أو مركز للمترجمين العرب بعد إحرازها درجة الماجستير في الدراسات التربوية واللغوية في جامعة جلاسكو الاسكتلندية، والتحضير لدرجة الدكتوراه في مجال تدريب الموارد البشرية؛ حيث تتقن الإنجليزية وتلمّ بالفرنسية وتدرس الإسبانية. تتحدث في هذا اللقاء حول فكرة الرابطة والدافع إليها وأهدافها وما واجهها من عقبات.

* تحدثتِ عن عقبات اعترضت مشروعك لإنشاء رابطة أو مركز للترجمة هل من توضيح؟

ـ لقد تحطمت مجاديفي أمام أبواب الردود بالرفض؛ حيث تقدمت بمشروعي إلى عدد من المؤسسات التي تدعم مشاريع الشباب، لكن الرفض كان حظي. لدي مكتب ترجمة لكنه بسيط، ولدي الطموح في الترقي والتطور في مجال عملي وهو الترجمة وهو ما دفعني لفكرة إنشاء مركز دولي للترجمة والطباعة.

* ما هي مبررات الرفض لديهم؟

ـ إن مثل هذه المشاريع غير مستقطبة من وجهة نظر القائمين على المؤسستين اللتين قدمت إليهما المشروع باعتبار أنه مشروع ثقافي، ومثل هذه المشاريع لا تدر دخلا يعتد به، وبالتالي تأتي إشكالية رصد مبلغ مالي؛ متغاضين عن أنه مشروع ثقافي وهذا المشروع مكلف لأنه يحتاج مطابع وآلات طباعة ومساحة كبيرة تتسع وتستوعب حجم العمل.

* ما هو الهدف من إنشاء مركز طالما لديك مؤسستك الخاصة؟

ـ أن أجمع أمهات الكتب في المجالات التي تنقصنا كعرب، والتي تشكل قلة في ترجمتها من قبلنا، والجانب الآخر هو نقل ثقافتنا الإسلامية للمجتمعات والثقافات الأخرى؛ خاصة مع انتشار أفكار تشويهية عن ثقافتنا العربية والإسلامية عبر كثير من الكتب الأوروبية والغربية عموما والتي تستقي معلوماتها من الإسرائيليات خاصة تلك الكتب التي لم يتول ترجمتها عرب مسلمون، والمؤسسة الخاصة تبقى أضعف من أن تؤدي مثل هذا العمل.

* ألا يشكل مشروع بهذا الحجم صعوبة على مستوى المؤسسة الفردية؟

ـ ربما؛ لكن لم يُعرض علي الانضواء تحت أي مؤسسة حكومية أو أهلية ولدي الاستعداد التام أن أعمل ضمن هذه المؤسسة أو تلك، أو أتعاون معها. فقط ليتسنى للفكرة أن تنفذ وترى النور نظرا للحاجة إليها.

* ما هي أولوية مجالات الترجمة في مشروعك؟

ـ لو استرجعنا العصر الأموي وبروز عملية الترجمة؛ فقد كان النقل أو الترجمة أمر عام. وبعد الفتوحات واتساع الرقعة الإسلامية لم يفرض المسلمون على المجتمعات الجديدة ما هو غريب، وأول ما قاموا به أنهم أخذوا نتاج هذه المجتمعات نفسها وقاموا بترجمته لكي يتعرفوا على ثقافتهم من جهة، ولكي يتجنبوا أي فجوة ثقافية أو صدمة حضارية قد تحدث، وبدأ العرب الفاتحون مع سكان المناطق من حيث توقف هؤلاء السكان. ففي الوقت الذي نقل المسلمون العبادات والعقائد والسلوكيات الإسلامية إلى المجتمعات الجديدة؛ نقلوا لنا علومهم.

وأنا ضد نقل وترجمة النتاج الأدبي فقط وترك باقي النتاج، أو نقل العلوم فقط. اليونسكو أعلنت إحصائية سنوية للتراجم كشفت من خلالها أن العرب ترجموا ستة آلاف كتاب من الانجليزية إلى العربية والعكس من العربية إلى الإنجليزية؛ مقارنة مع اليابانيين حيث ترجموا كافة العلوم من كافة اللغات والثقافات الإنسانية والأدبية وترجموا الرواية اليابانية إلى اللغات الأخرى وترجموا من اللغات الأخرى إلى لغتهم ما يعادل عشرة أضعاف ما قامت به اللغة العربية أو غيرها من اللغات؛ على الرغم من البراعة الحقيقية في الترجمة التي استأثر بها الإسبان؛ إلا أن اليابانيين تفوقوا عليهم.

* هل تعتقدين أن الواقعين الثقافي والاجتماعي مهيئان لاستيعاب هذا الطرح؟

ـ لنقل ثقافة ما؛ لابد من إدراك المجتمع ووعيه؛ لأنه عبارة عن تركيبة أدبية اجتماعية قانونية ثقافية إنسانية.

ونحن نقر بأن ليس لدينا قاعدة ثقافية يمكن اعتبارها مرجعية؛ هناك تراجم تمت في القاهرة ودمشق لأن هناك مراكز أما نحن في هذه المنطقة فليس لدينا مرجعية والتي هي الرابطة أو المركز على سبيل المثال. علما أننا كمجتمع نشهد بوجود أبناء فذين في مجال الترجمة؛ لكنهم غير حاصلين على الرخصة؛

فهي حسب اعتقادهم ليست ضرورة ولا تشكل أهمية بالنسبة لهم؛ علما أنهم على مستوى عال من الكفاءة، لكن غير مسموح لهم مزاولة الترجمة كمهنة، وأنا أعتمد على الكثير منهم لأنهم متمكنون وذوو تجارب مدهشة ومشرفة ويسعد المرء وجود شباب إماراتيين بهذا المستوى من الخطاب الفكري.

خاصة مع اعترافنا بأدوار الترجمة الكثيرة في التاريخ، والعرب بترجماتهم قديما حفظوا ثقافات الآخرين، وكمثال على ذلك كليلة ودمنة الذي وضعه الفيلسوف الهندي بيدبة؛ لحاكم ظالم اسمه دبشلين، وقام بترجمته إلى اللغة الفارسية طبيب فارسي، ثم جاء عبدالله بن المقفع سنة 721 وترجمه إلى العربية، وقد قتل عبدالله بن المقفع، وضاعت النسخ الفارسية، والهندية التي كانت باللغة السنسكريتية، وكذلك كتاب الأخلاق والطبيعة حيث فقدت النسخة الإغريقية ولولا اللغة العربية التي حفظت لهم هذه النصوص ؛ لما أعيدت ترجمتها إلى اللغة الأم.

* هل ترين أن الترجمة في المرحلة الراهنة مغيبة؟

ـ أرى ضرورة إعادة الوضع الصحيح والاعتبار إلى الترجمة الحقيقية؛ لكي نعبر عن مجتمعنا بشكل صحيح؛ خاصة مع كفاءة أبنائنا الذين يخرجون إلى الخارج؛ فيتلقفهم الغرب ويعجب بطريقة ترجماتهم ونمط تفكيرهم الإماراتي. وفي زمن الخليفة العباسي المأمون كان يكافئ مترجم الكتاب بوزنه ذهبا، وحين أستشهد بما فعله المأمون فأنا لا أتباكى على الأطلال وإنما أستشهد بذلك لأؤكد حقيقة ملموسة أن هذا البلد يقدم ويمنح الفرص والدعم لجميع من يقطن أرضه، ويصيبني العجب حين تمنح برامج مثل ستار أكاديمي وغيره دعما، ويمنع عن مثل هذه المشروعات الجادة!

* من هو المترجم برأيك؟ وهل كل من يتقن لغة أجنبية يوصف بذلك؟

ـ المترجم سفير الثقافات لأنه مبدع وهناك من ذوي العبارة الرشيقة والخيال الواسع وهم مترجمون لأي ثقافة، ولا أقصد المترجم الإماراتي فحسب بل عموم المترجمين هم سفراء ثقافات؛ تماما مثل ما الدبلوماسي سفير سياسات ونقل آراء.

* الغالبية ترى أن التطور الثقافي ذو إيقاع بطيء في الإمارات فما تعليقك؟

ـ إيقاع الثقافة ليس بطيئا، ولا أشجع هذا الموقف، ولو كان بطيئا لكان في العالم كله كذلك، ولما وصلت اليابان إلى هذا العدد في الترجمة ولا قام الإسبان بكل ذلك أيضا ولما وصلوا إلى هذه الدرجة من الاهتمام بالعلوم. ولا أعتقد بأن إيقاع الثقافة بطيء وإنما المسؤولية تقع على المجتمع نفسه الذي عليه أن يحرك العجلة وإذا كان المجتمع لا يقرأ ولا يتفقه ولا يحضر إلى أي مناسبة أو تجمع ثقافي لكي ينمي ثقافته،

ويكتفي بالاهتمام بعجلة التطور المادي فلاشك ستكون عجلة الثقافة لديه بطيئة لكنها سريعة على الصعيد الاقتصادي وغيره. المشكلة أن المجتمع ككل يصرف اهتمامه إلى الجانب المادي؛ فلو وجد من ينشر فيهم الثقافة سوف يتغير الوضع. هي مسؤولية تقع أولا على عاتق الفرد نفسه إذا كان يريد أن يطور نفسه؛ كالجائع والعطشان يستدل على مكان الطعام والشراب، وما من داع لدعوته فهو يعرف حاجته.

* هل يدعم مشروعك مثل هذا التوجه؟

ـ حتى الآن أكثر المترجمين العرب يتبادلون ما يقومون به من ترجمات بواسطة البريد الإلكتروني، وبين بعضهم البعض. لكننا نسعى إلى هذا الدرب لعلنا نقوم بالتغيير على أمل أن تتغير معطيات الأجيال. ونحن علينا أن نقدم نتاجاتنا لمن سيستفيد بها ولو كنت كاتبة لاكتفيت بقارئ واحد بدلا من ثلاثين يضعون إصداري على الرف.

* ما هو الموضوع الأهم لديك لترجمته؟

ـ أفضّل جدا الترجمة في مجال التاريخ، وحلمي أن أترجم وأنقل أساليب التربية في الإسلام للعالم، وقد حضرت ندوة في دولة غربية عن التربية وكان المحاضر يحدد أساليب التربية والتعامل مع الولد حسب عمره، فتداخلت معه معقبة أن الإسلام حث على ذلك وفي حديث لعمر بن الخطاب يقول ابنك في السبع سنوات الأولى (أميرا) بمعنى دلّله ولا تقسو عيه وحاول تلقينه بحنان،

وفي سبع سنواته الثانية (أسيرا) بمعنى تلقينه العيب وما يجوز وما لايجوز والخطأ والصواب أي تلقينه أخلاقيات دينه ومجتمعه، وفي سبع سنواته الأخيرة (وزيرا) أي تجب استشارته ومآخاته والتقرب منه، وهذه هي التربية الحديثة. وأحلم بأن أتتبع أحاديث الرسول وأقوال الصحابة والتابعين في التربية وأنقلها إلى العالمية.

* كيف ترين الترجمة؟

ـ بما أن الترجمة قد شهدت تطورا هائلا على الصعيدين العالمي والمحلي إذ لعبت دورا تاريخيا بمساهمتها في نقل المعارف والعلوم والفنون وبقية أشكال الإبداع الإنساني، وأبقت شعلة الحضارة البشرية وقّادة متوهجة، فأصبحت الترجمة اليوم علما وفنا لا تستغني عنها أمة من الأمم أو شعب من الشعوب لنيل المكانة اللائقة بها بين بقية الدول والبلدان، وإذا كانت إماراتنا الحبيبة قد اكتسبت تلك المكانة المتميزة بتطورها الرائع فهي قد استطاعت

وخلال فترة وجيزة أن تصبح موئلا للعديد من بني البشر على اختلاف ألوانهم وألسنتهم ومشاربهم وتطور بهذه السرعة يستدعي مماشاة الكثير من التجارب لدى الأمم الأخرى. فلذلك بادرت أنا ومجموعة من الزملاء بالتقدم لإجازة وترخيص ودعم جمعية أو رابطة أو منتدى أو مركز يضم جميع الأخوة والأخوات المترجمين وبكل اللغات للارتقاء بالأعمال المترجمة في جميع الميادين العلمية والأدبية.

حوار: فاطمة محمد الهديدي