زرت كوريا الشمالية في أوائل السبعينات من القرن الماضي ومكثت في بيونغ يانغ ومدن أخرى أكثر من شهر، كنت أواجه كل يوم قصة غريبة، فعلاً أنه بلد تحت الستار الحديدي. مرافقي كيم يتقن العربية وتعلمها في بلده دون أن يزور واحدة من بلداننا العربية، أو يخرج من كوريا، يعشق شرب الجعة صباحاً،

ويعتقد أن كوريا هي الدولة الوحيدة التي تصنعها، كما يعتقد أن عاصمة بلاده هي الجنة، كما كان يقدس كلمات زعيمه الديكتاتور الأكثر شهرة كيم آيل سونغ الذي تناولت عشائي معه بدعوة منه، وتلك حكاية لابد أن أفرد لها صفحات، لأنه أغرب عشاء تناولته في حياتي.

كل ليلة كنت أشاهد أوبرا، تبهرني ألوان الملابس، والإكسسوارات والإضاءة الجملية، والديكورات الحية التي كانت تتغير بثوان، والترجمة التي تصاحب الأوبرا على درعي المسرح بست لغات تقنيات يمتاز بها الكوريون ، وشاهدت مثلها في الصين أيضاً، ولكن مع كل هذا الجمال كان موضوع الأوبرا لا يتغير،

هو موضوع واحد يتمركز حول الزعيم التاريخي كيم أيل سونغ وكوريا العظيمة «على حد قول مرافقي» .. التي انتصرت على أميركا، وهو القاسم المشترك بين كل عروض الفرق الكبيرة التي يتجاوز أعداد فنانيها على ثلاثمئة بين راقص ومغن وكورال وعازف، وتتسع صالات المسارح لأعداد تتجاوز الألف مشاهد أو أكثر،

وفي بعض الصالات وبعد بداية العرض يصبح المشاهد جزءا من العرض لأن المؤثرات الصوتية والضوئية تجمع ما بين الخشبة والصالة ونعيش مع المؤدين للحدث ومؤثراته المختلفة، وقد حاولت في كل ليلة حضرت مثل هذه العروض اكتشاف أسرار العرض إلا أنهم كانوا يمنعوني بأدب ويحرصون على عدم البوح بأسرار التقنيات التي لم تكن معقدة، كما اعتقد.

حكايات وحكايات كنت أعيشها كل يوم، لكن أغرب ما شاهدت في هذا البلد النائي الذي يبرز بين الحين والآخر على الصفحات الأولى من أخبار الجرائد .. أقول الأغرب هم الأطفال.

أولاً : كل الأطفال ملك الدولة.. هكذا تغسل أدمغتهم منذ اليوم الأول لميلادهم، حيث تأخذهم الدولة لتربيهم، لأن الوالدين يعملان 16 ساعة في اليوم.

ثانياً : فرق موسيقية سيمفونية وشعبية من الأطفال تجوب الشوارع عصر كل يوم، وتقف هذه الفرق في الساحات العامة والحدائق وتقدم عروضاً موسيقية حية، وهذه السمة تجدها في كل الساحات التي كنت أتنقل بينها مشياً متمتعاً بالعزف الموسيقي الحي، وبمشهد الأولاد والبنات وهم يعزفون بإتقان شوبان وجايكوفيسكي، وبتهوفن وباخ وغيرهم، وأحياناً يعزفون موسيقاهم الشعبية، والثورية وسط حشود من المتفرجين.

ثالثاً : الأطفال أيضاً .. وبوجه آخر يختلف عن الوجه السابق، فقد نما إلى سمعي عبر من نلتقي بهم من الدبلوماسيين غير الكوريين، أن كل الأطفال مجندين في المخابرات الكورية، وأن أخطر منظمة مخابراتية في كوريا الشمالية هي من أطفال تتراوح أعمارهم ما بين 8 ـ 12 سنة، ومكلفين بنقل الأخبار والتقارير حال حصولهم عليها، حتى لو كان التقرير عن أبويهم، فقد ذكرت في بداية حديثي أن الأطفال ملك الدولة،

ولا علاقة لهم بالأبوين، هنا يكمن خطر استغلال الأطفال وسرقة طفولتهم، وبراءتهم وتحويلهم إلى وحوش لا تعرف معنى الأبوة، أو قيمة الأم، ويقال ـ والعهدة على القائل ـ أن صدام حسين قد تعلم الكثير من كيم أيل سونغ وأنه استفاد من تجربة (الأطفال الجواسيس)، وجند مئات الآلاف من الأطفال للتجسس على ذويهم أو مدرسيهم، أو أصدقائهم.

كوريا الشمالية لغز تركه الديكتاتور الأعظم كيم أيل سونغ وظل مغلقاً تحت الستار الحديدي حتى زمن وريثه، أي أبنه الذي ورث عرش جمهورية كوريا الشمالية.ربما أعود لحكايات أخرى قد تبدو أكثر غرابة من «الأطفال الجواسيس»، لأن الديكتاتوريات الكبيرة خلفت أحداثاً كبيرة، وحكايات أكثر غرابة.

abdulelah_q@hotmail.com