حين يكون الصمت هو اللغة الوحيدة التي يتكلمها المكان، وحين يصير الكون هو الشادي الوحيد على أوتار وجدانه، وبعد أن تعلن الأشياء ضرورة نومها وتبدأ سبحات الفكر في التراقص داخل عقول وعيون المبدعين يكون الليل قد جاء.. وقديماً زعموا أن الليل يمنح الأشياء جمالاً فوق جمالها، ولاعجب فهو المحرك لكل الطاقات الإبداعية بداخل الإنسان ومخزنها لتنطلق من عقالها ناشرة جواً من السحر والأسرار على جموع السهرانين، وهو اللوحة الكبيرة التي يستمد منها الفنان لوحاته الصغيرة ، ومصدر الإلهام الذي يفجر خلاله أنهاراً من الشفافية والخيال فيري العالم في صورة غير الصورة.

في العصر الحديث أصبح الليل هو السفينة التي يبحر فيها المبدع، ليعبر بإبداعه إلى المتلقي، فتغنى الكثير من الشعراء والمطربين بالليل.. كما ارتبط سهر الليل بالعشاق ووشوشات الغرام.. فلليل مذاق خاص وروعة فريدة لا يستطيع أن يتلمسها إلا كل مبدع وفنان وعما يمثله الليل في حياة المبدعين والفنانين حاولنا الاقتراب من هؤلاء المبدعين لنتعرف عما يمثله لديهم.. كانت هذه السطور.

كثير من الشعراء يتفقون جميعاً على كون الليل هو الزمان الوحيد الذي يستطيعون فيه مكاشفة أنفسهم.. ونستطيع أن نلمس الليل في قصائد الشعراء جميعاً بدءاً من امرئ القيس والمتنبي وأبو العلاء المعري ومروراً ببدر «شاكر السياب» و«أمل دنقل» و«صلاح عبدالصبور» وانتهاء بالشاعر الكبير «أحمد عبدالمعطي حجازي» الذي كتب ديواناً بعنوان «كائنات مملكة الليل» والذي كتبه متأثراً بليالي الغربة التي قضاها في باريس فكتب يقول: في الليل.. كأن الصيف نائم..

لماذا لم نعد نشهد في حديقة الأرملة الشابة زوارا ؟! لماذا لم تعد تهب من أجسادنا رائحة الفل ؟! ويمشي عطرها الغائر في مسامنا.. فيؤكد «حجازي» أن ليل الغربة عند المبدع ليس مجرد أطروحة للتساؤلات فقط.. بل انه يغير في الرؤية للأشياء، فيجعلنا نقترب منها كاقترابنا من ذاتنا، مما ينتج في النهاية تناغم بين الذات والعالم.. وبهذا يكون الليل هو أول الطريق أمام الغريب للعودة إلى الوطن الذي يحمل كل المعاني العظيمة التي تساوي الوجود في الحياة.

ويرى «حجازي» أن عزاء المبدع مهما كانت مرارة ليل الغربة تكون دائماً في المنحة الإبداعية التي يقدمها له الليل ليصير عذابه متعه للآخرين. طاقة تحد أما الليل في حياة الشاعر رفعت سلام «فيشغل مكانة كبيرة جداً في حياته كشاعر يقول: لكل شاعر خصوصيته الشعرية، فهناك شعراء يؤثرون النهار على الليل.. وآخرون على العكس تماماً وفريق ثالث يستطيع الكتابة في أي وقت..

أما عن نفسي فأنا لا أستطيع الكتابة إلا في الليل فقط فأنا أجد النهار يحتوي على قدر من المشاع والوضوح العام.. على عكس الليل الذي يشعرني دائماً بأنني إزاء حالة خاصة تتفتح بجاذبية ما على داخل الذات.. ففي النهار يمكن أن تري كل الأشياء بوضوح ونتوغل في جوهرها دون جهد بينما في الليل تتكشف جدلية الخفاء والتجلي، حيث السكون والانفراد بالذات.. فأنا أشعر أنه في الليل تتفجر كائناتي الشعرية لأنني يمكنني أن ألمسها..

وهي تحلق في الفضاء الخارجي.. فالليل يضيف لي حاسة أخرى تضاف إلى حواسي الخمس التي ينحصر كل عملها أثناء النهار في مجرد لمس الأشياء.. كما أن الليل يفجر في طاقة تحد أما النهار فيجعل مني إنساناً حيادياً. وتقول الشاعرة الفلسطينية فدوي طوقان عن الليل: إنه كان مخرجها الذي ينجدها من دوامة الحب الرهيبة التي اكتنفت حياتها فقد كانت تخرج بالليل وترفع وجهها للسماء لتستنجد بها لإنقاذها..

ومع تكرار الحدث أدركت أن الليل يمنح الأشياء جمالاً فوق جمالها لدرجة أنها لم تستطع أن تلمس جمال حديقتها إلا في الساعة الرابعة فجراً، حيث ينام الضجيج وتستيقظ الرهافة والجمال ليلاً. الفنان حالة خاصة وفي رأي القاص والروائي إبراهيم أصلان أن الليل والنهار مداران يدور بينهما الإنسان.. فالنهار في حياة الإنسان مختص بمعاشه وسعيه وراء رزقه، ولأن الفنان حالة خاصة جداً فنجده يفضل الليل،

حيث يجد السكون والهدوء والظلام بما يحويه من همس ورومانسية، لكي يتمكن من ممارسة حياته الإبداعية والفنية الخاصة.. بعيداً عن صخب النهار بما يحويه من قلق وتوتر دائم. وعن نفسه يقول «أصلان» أنا من عشاق الليل سواء كان هذا الليل في الشتاء بطوله المتميز فالشتاء يفرض على أن أقضي تلك الساعات في ممارسة حياتي الخاصة سواء قراءة أو كتابة أو مشاهدة أو مسامرة مع الأصدقاء..

وفي الصيف، حيث يقصر الليل فلا يكون أمامي إلا ساعات قليلة التي أقضيها في المطالعة والكتابة والتأمل أما في النهاية سواء في الصيف والشتاء لا يكون لي صديق سوى الكتاب والليل، ففي رأيي أن الحياة بدون الليل سوف تكون شيئاً آخر غير الذي نعرفه سواء كنا مبدعين أم أشخاصا عاديين.

وكما أن معظم الشعراء والروائيين من عشاق الليل، فكذلك الفنانون يسحرهم الليل ويجذبهم السهر والتأمل.. ومن عشاق الليل المطرب سمير الاسكندراني الذي يتكلم عن نفسه فيقول: أعشق السهر، خصوصاً في سهر العشق في رحاب الحسين وأيام مولده.. فمهما بلغ الإرهاق والإنهاك بي لا أترك مثل هذه الليالي لأن تفوتني..

ففي الليل يستطيع الإنسان أن يلمس الشفافية، كما أنه يأخذ مساحات من الشجاعة التي تفجر داخله الطاقات الكامنة.. ولعل أكبر دليل على رأيي هو كون الأعمال الإبداعية الخالدة هي تلك الأعمال التي تولد من رحم الليل فالليل في رأيي هو ساحة التجليات الإبداعية على مختلف المستويات.

كما يؤكد الموسيقار عمر خيرت أنه من الصعب أن نجد لحناً يولد بالنهار فأعظم الألحان هي التي يشارك في صنعها الليل بضوء القمر الذي يخلق في النفس الإنسانية حالة من الصفاء بعد أن يمنحها الليل الشفافية عندما يحقق لنا العزله عن مؤثرات الحياة الكثيرة، فيخرج من داخل الإنسان العبقرية الحبيسة داخله.

وكما يؤثر الليل على الأدب والفن، كذلك له بصمته على الفن التشكيلي فها هو الفنان التشكيلي صالح الجمل يصف الليل بأنه اللوحة الكبيرة التي يستمد منها الفنان لوحاته الصغيرة فهو يرى أن الليل هو مصدر الإلهام الذي يفجر خلاله الفنان طاقاته الإبداعية فيري في العالم صورة عوالم أخرى. ويصف «الجمل» ليل القرية فيقول: الليل في القرية هو ليل الصمت البليغ، حيث تصمت لغة الكلام ويصير الصمت هو الشادي بالنشيد الجميل بعد أن تعلن الأشياء نومها وبدأت سبحات الفكر تتراقص في عقول وعيون أهل الإبداع.

كما يصف ليل المدينة فيقول: يتميز ليل المدينة بضيق المساحة البصرية التي تضع تركيزنا في مساحة فلا تري كل الأفق بقدر ما نري تكوينات شكلتها الإضاءة الصناعية التي جعلت من الليل امتداداً للنهار، ولكن بصورة أجمل من تلك التي تحاصرنا خلالها الشمس بأشعتها الذهبية خاطفة منا القدرة على رؤية جمال غير جمالها.

أما التشكيلي عدلي رزق الله فيرى الليل في حياته للنوم فقط، حيث أنه يبدأ يومه بالصحو مبكراً بين السادسة والسابعة صباحاً، حيث يدخل مرسمه في حوالي الثامنة أو الثامنة والنصف حتى الساعة الرابعة بعد الظهر بهذا فهو يعمل على ضوء النهار الحقيقي ولا يستخدم أي ضوء صناعي.

وعن السبب يقول التشكيلي «عدلي رزق الله»: انني أحيا حياة بسيطة تماماً مثل حياة أي عامل بسيط فالفن ليس انتظاراً للإلهام بل هو تراكم يومي مثل أي عمل يحتاج إلى دأب وشقاء.. ولكن الليل بما يحمله من شاعرية وتأمل كنت أعرفه في حياتي قبل ولادة اللوحة الأولى فقد كنت أبدأ يومي بعد الساعة الثانية عشرة، وأنتهي بعد شروق الشمس.

وبهيام يتحدث الملحن هاني مهنى عن دور الليل في حياته كملحن ويقول: دائماً ما تجذبني رائحة الليل ونسماته، فأشعر كأنني السهران الوحيد بين الناس، ولذلك أشعر كأن الليل ملك لي وحدي، فأشعر أحياناً أنه يناجيني ويحدثني ويرسل لي السلامات وأحياناً يعاتبني وكثيراً يمن علي ويهديني قصيدة حب جميلة متمثلة في معزوفة لحنية أطير بها فرحاً، ولذلك أعتز كثيراً بالألحان التي قدمتها وسهرت فيها لأن لها بداخلي مذاقا خاصا جداً.

ويقول الشاعر فاروق شوشة: الليل في حياتي له رونق خاص وسحر فريد، وفيه تتجلي كل الطاقات والمشاعر الإنسانية الدفينة التي تحتاج إلى لمسة دفء لتخرج في منظر الليل والقمر والهدوء وتراتيل أصوات الأضواء الخافتة في الشوارع.. كل هذا يوحي لشاعر بمعان كثيرة تفجر من خلالها إمكانياته الإبداعية ليمسك بالقلم والورقة ليكتب أبياتا شعرية هي من وحي اللحظة الليلية التي قلما تتكرر..

وفي الليل أبدع معظم الشعراء قصائدهم، فكتب فيه «صلاح عبدالصبور» معظم أشعاره وكان يقول: بدأت أشعر بربيع الشعر يتدفق في صدري في تلك اللحظات الليلية التي كنت أختلي فيها مع نفسي تحت الشجر والليل والقمر.. وأكد «شوشة» أن الليل بالنسبة للشعراء حياة كاملة فهو نهر لا ينصب من المعاني السامية الجميلة .

القاهرة ـ «البيان»