مملة أكثر من اللازم، ومتوترة أكثر من اللازم!، هذا هو الوصف الذي يناسب حال مباراتي انجلترا- الإكوادور والبرتغال- هولندا في الدور الثاني للبطولة رغم تشابه نتيجتيهما وهي فوز الفريق المتأهل بالمركز الأول في مجموعته (انجلترا والبرتغال) على الفريق المتأهل ثانيا في مجموعته بنتيجة 1/صفر، فلم يرتق المستوى الفني والحماسي للمباراة الاولى.
وخصوصا من المنتخب الانجليزي، إلى مستوى المباريات في مثل هذه المرحلة من بطولة كأس العالم حيث كان الأداء مملا بلا فاعلية وخلا الأداء من الفاعلية على العكس من المباراتين اللتين سبقتها وهما مباراتا ألمانيا- السويد والأرجنتين- المكسيك اللتان جاءتا حماسيتين حسب طبيعة المرحلة التي تمنح الفائز بطاقة مرور للمرحلة التالية وتمنح الخاسر تذاكر العودة لبلده.
أما المباراة الثانية فقد حفلت بالإثارة التي فاقت الحدود المسموحة فغابت الروح الرياضية وظهر العنف حتى تصورنا أننا نشاهد مباراة في الرجبي أو كرة القدم الأميركية ولكن بدون خوذات حماية.
والطريف أن المهاجم الانجليزي العملاق (طولا) بيتر كراوتش قال في تصريح للصحف الألمانية هنا: سنثبت للعالم خطأ ما يقولونه عن أن منتخبنا لا يجيد سوى أسلوب تمرير الكرات الطولية، فغاب عن المباراة ولجأ زملاؤه كثيرا للتمريرات الطويلة في العمق لإيصال الكرات للمهاجم الوحيد واين روني!!
وقد شعر الجميع هنا بالصدمة من لجوء المدرب اريكسون بالاعتماد على المهاجم روني العائد من الاصابة كمهاجم وحيد طوال المباراة يسانده لاعب خط الوسط فرانك لامبارد الذي صعد كثيرا لمنطقة الجزاء فأضاع دوره كلاعب وسط ولم ينجح كمهاجم!
وأخيرا جاء الفرج بقدم القائد ديفيد بيكهام الذي كان يتقيأ في الملعب أثناء الشوط الأول بسبب حالة مرضية ألمت به قبل المباراة لكنه أصر على المشاركة لكي يدحض الانتقادات التي طالته في الفترة الأخيرة وحقق الفوز فعلا!
وإذا كانت الشرطة الألمانية وجميع أصحاب المحلات التجارية والسيارات في شتوتغارت قد فرحوا بفوز المنتخب الألماني لأن هذا الفوز (سيحقن الدماء) ويمنع فورة غضب عارم يحطم كل شيء أمامه وقد كان ذلك بالفعل رغم القبض على عدد من المشجعين من الذين كانوا يرددون الأغاني العنصرية، فان مشجعا ألمانيا قال لأحد مراسلي التلفزيون الألماني: هل هذا المنتخب الانجليزي الذي كنا نتجنبه، لما كل هذا الخوف من منتخب ممل؟!
فقال له المراسل: لم نكن نتجنبه هو تحديدا ولكن كنا نتجنب الحلول ثانيا في المجموعة لأننا سنتجه للعب في منطقة يقودنا الفوز المستمر فيها إلى مواجهة البرازيل في نصف النهائي، وإذا سألتني فإنني أتفق مع المدرب والمسؤولين الألمان وهو مواجهة الأرجنتين في ربع النهائي على مواجهة البرازيل لأننا نريد مواجهة البرازيل في النهائي!.
أما منتخب الإكوادور الذي كان متماسكا وقد حرمته العارضة الانجليزية من إحراز هدف التقدم على انجلترا فقد كسب احترام العالم بعد أدائه الرائع في البطولة رغم أن الخسارة قد حرمت لاعبيه من ثروة حيوانية مهمة حيث كان الرئيس الإكوادوري قد وعد اللاعبين بقطيع أبقار لكل منهم في حال الفوز على انجلترا!!، وربما يمنحهم الرئيس هذه الهدية بعد الأداء الجيد.
وداعا للكرة الجميلة
يذكر العالم المنتخب الهولندي في نهائيي كأس العالم 1974 و1978 بوصفه صاحب العروض الأجمل في كلتا البطولتين اللتين خسر المباراة النهائية في كليهما أمام المنتخب المضيف للبطولة (ألمانيا في 1974 والأرجنتين في 1978)، وكم تمنى الجمهور لو أن المنتخب البرتقالي أحرز لقب إحدى البطولتين حتى أن الأسطورة يوهان كرويف قال ذات يوم: ان عدم الفوز بكأس العالم في 1974 و1978 منحنا شهرة وتشجيعا أكثر مما كنا سنناله لو فزنا بلقب البطولة!
ونال المنتخب الهولندي تعاطفا كبيرا في مونديال 1994 بخسارته في الدور ربع النهائي أمام البرازيل 2/3 التي مضت لإحراز اللقب ثم بخسارته أمام البرازيل أيضا في الدور نصف النهائي لمونديال 1998 3/5 بركلات الترجيح في المباراة التي قادها حكمنا المونديالي علي بوجسيم، لكنه هذه المرة خرج بدون أي تعاطف بعد أن فاز بصعوبة بالغة على صربيا 1/صفر وساحل العاج2/1 وتعادل مع الأرجنتين صفر/صفر ثم الخسارة أمام البرتغال صفر/1.
ولم يقدم المنتخب البرتقالي في البطولة أية لمحات توازي سمعته ولا العدد الكبير من جمهوره الذي تدفق على الجارة ألمانيا لشد أزر المنتخب في مشاركته بالبطولة الحالية.
ورغم وجود الهدافين فان درفارت وفان نيستلروي والجناحين اريين روبن وفان بيرسي وصانعي الألعاب فان بومل وفيليب كوكو لم يسجل المنتخب الهولندي سوى ثلاثة أهداف في أربع مباريات، وضاع تفاؤلنا وفرحتنا بتألق المدافع من أصل مغربي خالد بولحروز الذي شارك في الشوط الثاني لمباراة ساحل العاج وتألق في قطع الهجمات العاجية بقيادة ديديه دروغبا ثم شارك أساسيا أمام الأرجنتين.
حيث تألق في قطع العديد من الهجمات الأرجنتينية الخطيرة لكنه خرج في المباراة الأخيرة عن النص وابتعد عن الروح الرياضية حيث أصاب لاعب البرتغال كريستيانو رونالدو إصابة بليغة مستخدما حذاء كرة القدم ومهارة لاعب كاراتيه!، ثم عاد وسقط بلحروز ضحية لجوئه الى الخشونة واجادة لويس فيغو جذب انتباه الحكم بعد أن أصابه بلحروز بالكوع فانتهى مشوار الأخير ومنتخب بلاده في البطولة غير مأسوف عليهم.
وداعا للكرة الجميلة التي فشلت في البطولة الثالثة على التوالي خلال 4 سنوات في تقديم أي من ملامح تألقها السابق، حيث فشلت في الفوز بلقب بطولة أمم أوروبا على أرضها عام 2000 ثم فشلها في التأهل لنهائيات كأس العالم 2002 ثم سقطت في بطولة أمم أوروبا 2004 أمام تشيكيا وعادت هذه المرة لتودع المونديال بدون أية ذكريات سعيدة.
سر النجاح البرتغالي
ليس الفرق بين منتخب البرتغال قبل 4 سنوات وبين المنتخب الحالي هو نهاية مسيرة لاعبي ما يعرف بالجيل الذهبي الذي احرز كأس العالم للشباب عامي 1989 و1991 و الذي كان يضم كلا من روي كوستا وخواو بينتو وفيرناندو كوتا والحارس بايا ولم يبق منه سوى الفنان لويس فيغو، ولم يكن المستوى الرائع الذي قدمه المنتخب البرتغالي في آخر مباراتين بعد بداية غير مبهرة في البطولة يعود فقط الى جيل اللاعبين الجدد وفي مقدمتهم الهداف مانيش وصانع الألعاب ديكو والجناح كريستيانو رونالدو والحارس ريكاردو الذين كانوا من أهم أسلحة المنتخب في بطولة أمم أوروبا 2004 التي استضافها.
وحل فيها بالمركز الثاني بعد الخسارة أمام اليونان صفر/1 في المباراة النهائية، ويعود سر النجاح برأي المراقبين إلى المدرب البرازيلي الكبير لويس فيليبي سكولاري الذي قاد منتخب بلاده لإحراز لقب كأس العالم عام 2002 ثم صنع ثورة في أداء المنتخب البرتغالي وحوله من منتخب ذي أسلوب ممل.
ولعب بلا ملامح كما ظهر في آخر مشاركتين له في البطولة عامي 1986 في المكسيك و2002 في كوريا الجنوبية واليابان وخروجه من الدور الأول في كليهما، وبات الآن في المشاركة الرابعة يتطلع لتحقيق ما حققه المنتخب البرتغالي في مشاركته الاولى في البطولة عام 1966 عندما قاد الأسطورة أوزيبيو منتخب بلاده للحصول على المركز الثالث وحصل هو على لقب هداف البطولة.
ويسعى فيغو نجم انتر ميلان الايطالي إلى تحقيق نتيجة متميزة مع منتخب بلاده قبل الاعتزال دوليا خصوصا وانه بلغ الثالثة والثلاثين من العمر، وكان هو قد عاد من الاعتزال دوليا بعد أن وجد أن المنتخب الحالي يمتلك فرصة في المنافسة القوية في البطولة بقيادة المدرب سكولاري، علما أن فيغو نفسه أفلت من الطرد حين ضرب برأسه وجه اللاعب الهولندي فان بومل ومن حسن حظه أن الحكم الروسي كان مشغولا بإنذار لاعب آخر ولم يشاهد الحادثة.
واكتفى باستشارة مساعده الذي كان أقل منه رغبة في اشهار البطاقات (سجل رقما قياسيا في نهائيات كأس العالم باشهار 16 بطاقة صفراء و4 حمراء في مباراة واحدة) ونصحه بإنذار فيغو دون طرده وإلا لكانت نهاية فيغو في البطولة بأسوأ سيناريو.
ويعود سر نجاح سكولاري الى صرامته التكتيكية الشديدة وقراءته الصحيحة لما يحدث في الملعب وعدم تساهله مع اللاعبين داخل الملعب وخارجه ثم شخصيته القوية وعدم السماح للآخرين بالتدخل في شؤون إدارة المنتخب، ويذكر الجميع إصرار المدرب البرازيلي على منح مواطنه ديكو الجنسية البرتغالية رغم معارضة الكثيرين وفي مقدمتهم النجم الأول لويس فيغو، وقد ثبت صواب قرار المدرب وبات ديكو نجما كبيرا في تشكيلة المنتخب البرتغالي يتناوب صناعة الهجمات مع لويس فيغو نفسه!.
ويتذكر العالم مباراة انجلترا والبرتغال العاصفة في بطولة أمم أوروبا الأخيرة التي انتهت بفوز البرتغال، ويبدو أننا في انتظار مواجهة عاصفة أخرى بين المنتخبين بنفس تشكيلة اللاعبين تقريبا ونفس الكادر التدريبي.
رسالة ألمانيا: سامي عبد الإمام

