قال لنا أستاذنا يوماً (وهو من الطيبين الممتلئين علما وإنسانية) «يجب عليكم يا أبنائي أن تعيشوا الفن، أن تحلموا به، أن تتخذوه سلوكاً وأخلاقا، وليس فقط أن تبدعوه».
أستاذنا قال لنا هذا، وقرن القول بالفعل، فقد تمثل هذه الأفكار في فنه وسلوكه وتعامله مع طلابه.
أستاذنا جاء من هذه الأرض العربية الواسعة الغنية. كان مؤمناً بأفكاره، حساساً، ذكياً، شريفاً، وفياً.. ومعطاء. وهو عدا عن ذلك، كان فناناً بكل ما لهذه الكلمة من معان وأبعاد.
من أجل هذا أعاد لنا الثقة بأنفسنا أولا، والثقة بتراثنا وحضارتنا وشعبنا ثانيا. أعادنا إلى جذورنا كأقوى ما تكون العودة، ردنا إلى الأصالة، وكنا يومها على وشك السقوط في فوضى الانفصام عن الذات والأرض والهوية، وحتى عن الفن الحقيقي، في بداية تكوننا الفني، أي كنا على وشك التقاط الفن (القرين) الغربي لنكرره وننسخه ونتكرر فيه، لنصبح صورة مشوهة ومشوهة وباردة عن هذا القرين الغريب.
كان أستاذنا من الجيل الذي تعب على نفسه. صال وجال في رحاب العالم، لكنه قبل ذلك، انبثق من هذه الأرض نقيا. تربى على حبها وفنونها. تحصن بأصالتها وعراقتها، وضع وطنه وأمته قرب القلب، ومضى واثقاً مؤمنا سعيداً.
قالها لنا مراراً وتكراراً: «لا يكفي يا أبنائي ان تتعلموا الفن وتمارسوه، بل عليكم قبل ذلك ان تعيشوه أيضا. احلموا به واتخذوه سلوكاً يوميا لكم. تزينوا به أخلاقا رفيعة، وزعوه على من حولكم: كياسة وتهذيبا وغيرة وطنية وقومية.
عليكم ان تجسدوه في علاقاتكم مع الآخرين والأشياء حولكم، أعطوا كل ما تملكون لهذا الوطن العظيم، والشعب الطيب. كونوا لهذه الأمة الأصيلة خير أبناء، وتذكروا دوما ان بلادكم هذه، كانت الينابيع الأولى للفن، عودوا إلى جذوركم، فتشوا فيها عن القيم والمبادئ ومنها استقوا أسس أساليبكم وشخصياتكم الفنية».
ومرة فاجأنا أستاذنا عندما قال: (ليس هناك أية ضمانة تؤكد لنا صحة تاريخ الفن الغربي. لقد لحقه تزييف كبير. هل تعلموا أن منحوتة صغيرة من بلادنا، أو من افريقيا البدائية، أفضل فنيا من «موسى» مايكل أنجلو؟
يومها كبر السؤال المتعجب على وجوهنا، فما يقوله أستاذنا جديد علينا نحن الذين تربينا على غير ذلك، من يومها رفعنا لواء الشك في كل ما يصلنا من التاريخ، وتاليا ضرورة البحث غير الملول عن الحقيقة.
آه كم نفتقد استأذنا هذه الأيام التي تنغل بالأشباه والطواويس الذين يحاولون فصل أجيالنا عن جذورها، والقذف بها في ساحات الفن الفاسد والمفسد، استعداداً وتوطئة، لوضعها في خدمة العولمة والمعولمين.