توقع الدكتور ممدوح أنيس فتحي أن دور مؤسسات المجتمع المدني في صنع القرار في الدولة سيتنامى في السنوات المقبلة، وسيصبح هناك توسع في تأسيس النقابات المهنية المختلفة، مع توقع استمرار النهضة الاقتصادية والعمرانية التي تشهدها الدولة، كما أشار إلى أن دبي ستشهد في السنوات القليلة المقبلة تطوراً غير مسبوق في مجال الخدمات الإلكترونية.

جاء ذلك في محاضرة «استشراف المستقبل الخليجي- الإمارات نموذجاً» التي ألقاها مساء أمس الأول في المجمع الثقافي في أبوظبي بحضور السفير المصري ومجموعة من أساتذة وباحثي العلوم السياسية في الدولة.

حدد المحاضر في البداية ملامح القوى والظواهر والمؤثرات العابرة للحدود، ورجح استمرارية هذه الظواهر وتأثيرها على مدى ربع قرن مقبل من الزمن، ومن أبرزها فيما يخص العالم الغربي:

أن الغرب يملك 8 من كل تسعة قروش ونصف من الثروة العالمية، كما إنه يملك أربعة من كل ستة أنهار في العالم، وخمسة فدادين صالحة للزراعة من كل سبعة، ويمتلك ثلاثة أخماس الكرة الأرضية وأربع قارات وآلاف الجزر الغنية.

وأصبح له موضع قدم على القمر ومحطة أبحاث في المريخ، وكتب أسفار حضارته بالدم؛ بينما الثقافة العربية الإسلامية -والحديث لا يزال للمحاضر- فإنها ما زالت تعاني حزمة من الأمراض المتوطنة ومن أهمها: تأليه القوة، أبوة الدولة، وتوقف العلم عن حركة النمو التراكمية وسيطرة الفكر الأسطوري.

وانتشار الطائفية -التي تعتبر من أهم الأخطار المحيطة بالأمة- وتهميش دور المرأة ومصادرة مشاركتها في المجتمع، وعدم حسم جدلية العلاقة بين الدين والدولة، وتشرب الثقافة ببكتريا العنف والعجز عن إشكالية التداول السلمي للسلطة، واجترار الماضي والبكاء على «اللبن» المسكوب.

ثم انتقل المحاضر ليحدد ملامح العلاقة بين الولايات المتحدة الأميركية ومنطقة الخليج، فقال: إن علاقة أميركا بهذه المنطقة يرتبط أساساً بمصالحها الحيوية فيها منذ سبعينات القرن الماضي، لذلك فأنه رغم اختلاف إدارات البيت الأبيض؛ فإن سياسة أميركا لم تتغير بصورة جذرية تجاه منطقة الخليج نتيجة لثبات المصالح، بل ارتبطت أساساً بالتحولات المختلفة في الوضع الاستراتيجي الداخلي في المنطقة وإفرازاته وتداعياته على المصالح الأميركية المباشرة.

حيث كان غزو «صدام» للكويت عام 1990م نقطة التحول الأولى للاستراتيجية الأميركية تجاه الخليج، أما نقطة التحول الثانية فحدثت -على حد قول المحاضر- في الحادي عشر من سبتمبر 2001م، ومثّل سقوط «صدام» يوم 9 أبريل 2003م نقطة التحول الثالثة في تاريخ الاستراتيجية الأميركية تجاه الخليج بعد أن تغير المشهد الجيوستراتيجي وأصبحت الولايات المتحدة موجودة في قلب المنطقة الاستراتيجية للطاقة في العالم.

بعد أن شرح المحاضر المتغيرات على المستوى العالمي لربطها بموضوع محاضرته الخاص عن استشراف مستقبل الدولة؛ انتقل ليحدد ملامح تلك المتغيرات على المستوى الإقليمي، فأشار إلى أن منظومة مجلس التعاون الخليجي -التي تنتمي إليها الإمارات- غير قادرة على التعامل مع المشكلات البينية بين دولها.

وأن أغلب الاتفاقيات القائمة بين دول المجلس لم توضع موضع التنفيذ لغاية الآن، كما لم تتوصل إلى اتفاق إلى الحد الأدنى من التحديات والتهديدات المشتركة؛ وأشار في هذا الصدد إلى القوة العسكرية الخليجية التي اتفق عليها منذ سنوات، وأضاف المحاضر:

لقد ظلت سمة الفردية هي الغالبة في تعامل دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، وتقف دول منطقة الخليج اليوم على مفترق طرق، فهي تواجه خيارين لا ثالث لهما؛ أولهما اختيار منهج الحد الأدنى من الإصلاح وهذا لا يعدو كونه أسلوباً هامشياً وسطحياً للحد من الأضرار، وثانيهما اختيار منهج لتأمين مستقبل المنطقة والانطلاق نحو التنمية الشاملة.

وأشار المحاضر بعد ذلك إلى أهم السمات التي تتمتع بها دولة الإمارات، ولعل من أبرزها الاستقرار الداخلي، وأضاف في هذا الصدد: تعتبر الإمارات واحدة من الدول التي تتمتع بأكبر قدر من الاستقرار الداخلي في منطقة الخليج، وكل إمارة من إمارات الدولة السبع تحتفظ لنفسها -وفق الدستور- بدرجة كبيرة من الحكم الذاتي، وتختلف التشريعات بين إمارة وأخرى.

وتعتبر أبوظبي هي القاطرة السياسية للدولة ودبي القاطرة الاقتصادية والشارقة القاطرة الثقافية، ومن المهم ذكر ما يمكن أن نطلق عليه «رسالة زايد السياسية الإنسانية» التي أثبتت نجاحها واستشرافها لمستقبل واعد للدولة، ونتيجة لتمسك السياسة الخارجية لدولة الإمارات بمبادئها وثوابتها التي أرساها «المغفور له بإذن الله» الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان؛ فقد نجحت الدولة في ترسيخ سمعة دولية بأنها دولة تسعى إلى دعم السلم والأمن الدوليين.

وتقديم المساعدات الإنسانية بلا حدود، أما أهم إشكالية تقع عائقاً رئيسياً يحول دون تحقيق قدر أكبر من الأمن والتعاون الإقليميين فيتمثل باحتلال إيران للجزر الإماراتية الثلاث «طنب الصغرى وطنب الكبرى وأبو موسى».

ثم قارن المحاضر بين المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية في الدولة على مدى عشر سنوات بين أعوام 1995-2005م وأكد أن المؤشرات الاقتصادية قد تحسنت جميعاً، وانخفضت نسبة مساهمة النفط في الإيرادات العامة للدولة، وانخفضت معدلات التضخم، بينما زادت الاستثمارات في القطاع الصناعي بنسبة هائلة، وزاد عدد السكان بنسبة 6 ,79% رغم انخفاض معدل النمو السكاني بنسبة 8 ,27% مما يشير إلى زيادة عدد الوافدين.

كما برز نمو المجتمع المدني في الدولة على مدى السنوات العشر الماضية، أما المكانة الجيوستراتيجية للدولة فأشار المحاضر إلى أن هناك جوانب سلبية لها إضافة للجوانب الإيجابية التي تكتسبها الإمارات من موقعها هذا.

وعاد المحاضر ليقدم بعد ذلك رؤية شاملة لمستقبل الإمارات والخليج والعالم خلال الثلاثين عاماً المقبلة، فبدأ بالمستوى العالمي قائلاً: هناك ثمانية عناصر ستؤثر في العالم خلال المرحلة المقبلة، وهي «النظام العالمي الجديد وإفرازاته، النمو السكاني، الموارد الطبيعية، التقنية والاختراعات، التنمية والمعرفة، شكل الصراعات الحديثة، التكامل الاقتصادي، التحديات المحتملة لحكومات العالم.

أما على المستوى الإقليمي فتوقع المحاضر أن تتقارب دول مجلس التعاون الخليجي على المدى المتوسط اقتصادياً واجتماعياً، وحذر في الوقت ذاته من أن دول المنطقة ستواجه تحديات كبرى على رأسها انتشار أسلحة الدمار الشامل -وكان يقصد الملف النووي الإيراني- وحدوث تغيرات محتملة في قيادات المنطقة وتزايد أنشطة روسيا والصين وتدخلهما في شؤون المنطقة.

وختم في هذا الصدد بمقولة يتردد صداها كثيراً لدى الباحثين في الشؤون الخليجية، وهي أن «إيران» ستظل مصدر تهديد لأمن واستقرار منطقة الخليج على المدى المتوسط.

وختم المحاضر حديثه بقراءة أهم ملامح المستقبل لدولة الإمارات، ومن أبرز ما جاء في ذلك: إنه لا يتوقع أي تغيير في النظام السياسي القائم، وأن تقسيم المقطورات -التي ذكرها المحاضر في حديثه عن تخصص كل إمارة- سيبقى مستمراً مع توقع تطور غير مسبوق للخدمات الإلكترونية لإمارة دبي عبر الحكومة الإلكترونية والخدمات الأخرى، أما الثوابت السياسية الخارجية فستبقى دون تغيير، إلا أنه يحتمل أن تتسم السياسة الخارجية بقدرة أكبر على المبادرة والفعل وليس رد الفعل.

كما توقع المحاضر ازدياد المشاركة الشعبية في صنع قرارات السياسة العامة من خلال تنامي دور مؤسسات المجتمع المدني والتوسع في النقابات المهنية والجمعيات ذات النفع العام. بعد أن انتهى الدكتور ممدوح أنيس فتحي من محاضرته فتح باب النقاش بينه وبين الجمهور حيث تشعب الحديث -كالعادة في المحاضرات العربية- إلى عشرات المواضيع الأخرى.

أبوظبي ـ محمد الأنصاري: