تتطور تشكيلات وأساليب لعب المنتخبات بشكل دائم ومستمر نتيجة لتطور التدريب البدني والذي يحفز المدربين على إيجاد الحلول على المستوى الفكري وهذا مرتبط بأساليب واستراتيجيات اللعب، ولكننا لم نشهد تغييرات كبيرة وجوهرية في التشكيلات الدفاعية عن البطولة السابقة، فالجميع لا يزال يلعب بثلاثة مدافعين كالأرجنتين أو أربعة مدافعين كالبرازيل أو ألمانيا.

ولكن التغيير الأكبر الذي حدث هو اعتماد ثلاثة لاعبين في المقدمة لأكثر من منتخب عالمي كهولندة، وهذا التغيير لم يحصل لزيادة الحلول الهجومية فحسب، بل لتعزيز الأسلوب الدفاعي أيضاً من خلال عمل الضغط على حامل الكرة بشكل أكثر فاعلية بين لاعبي المقدمة ولاعبي وسط الميدان، مما يجعل تعميم فكرة دفاع المنطقة (في الثلث الدفاعي) على مساحة أكبر من الميدان ممكناً وأكثر مرونة وسهولة لوقف هجمات الخصم من المناطق المتقدمة كلما أمكن ذلك.

وهذه الفكرة بالأساس تعتمد على أن اتجاه الكرة هو من يحدد اتجاه اللعب (أي اتجاه حركة اللاعبين)، وهذا ببساطة يعني تطور المهارات الدفاعية للاعبين وكذلك القدرات البدنية إلى جانب الأساليب الدفاعية البحتة، وهذا حتماً سيؤدي إلى بحث المدربين على الأساليب الهجومية القادرة على تخطي الدفاعات المحكمة والمعقدة.

ولذا فإن العودة إلى الكرة الهجومية باتت ضرورة وليست استعراضاً أو بحثا على جمالية في اللعب، هذا مع اعتماد مبدأي التنظيم الدفاعي والانضباطي التكتيكي في كل أرجاء الملعب واللذين يعتمدان بالأساس على الحركة السريعة والدقيقة بدون كرة من أجل عمل التغطية والإسناد الضروريين لاستخلاص الكرة في الثلث الوسطي وذلك لجعل الفريق أكثر تماسكاً وقوة.

كيف يقوم البرازيليون والأرجنتينيون بالضغط على حامل الكرة ؟

أصبح مبدأ الضغط على حامل الكرة أهم مبدأ من مبادئ التدريب الخططي الحديث، حيث إن أغلب المدربين الكبار يركزون على أسلوب ضغط المنطقة أو المساحة ويعتمدون على الضغط الجماعي وليس الفردي، وهناك أسلوبان لتطبيق هذا النوع على أرض الملعب:

الأول: ضغط الفريق، أي أن جميع الخطوط تشترك في عملية الضغط على حامل الكرة من أجل استخلاصها، وأفضل مثال على ذلك المنتخب البرازيلي فهو يعطي الخصم مساحة كبيرة نسبياً للتحضير ويقوم بتنظيم الدفاع في ملعبه بشكل مكثف من خلال ترابط جميع خطوطه وخصوصاً الوسط والدفاع وقيام لاعبيه بالميلان باتجاه الكرة، ويقوم البرازيليون بذلك بغض النظر عن قابليات لاعبي الخصم المهارية.

وكما شاهدنا ذلك ضد المنتخب الأسترالي. وقد بدا واضحاً ثقة بيريرا بقدرة لاعبي خط الوسط على سرعة الارتداد عند استعادة حيازة الكرة وذلك لوجود كاكا والذي يمتلك قابلية الاجتياز والدحرجة (الدربل) السريعة مع الكرة ورنالدينيو الذي يجيد المراوغة في المناطق الضيقة وتغيير اتجاه اللعب عن طريق نقل الكرة الطولي، مما يؤمن للفريق القدرة على مباغتة الخصم.

الثاني: ضغط المجاميع، وتعتمد عليه الفرق التي تمتد على مساحة واسعة نسبياً في حالة الدفاع كالمنتخب الأرجنتيني، فاللاعب الأول يضغط بقوة على حامل الكرة والثاني لمضاعفة الضغط أما الثالث فيقوم بالتغطية والمراقبة، فنجد على اليسار سورين هو من يضغط بقوة ثم ريكلمي وبعدهما ماكسمليانو لاعب الوسط المدافع (الارتكاز).

أما على اليمين فهناك رود ريغيز وهو من يقوم بالضغط المباشر وخلفه كامبياسو لاعب الارتكاز، وخلف هؤلاء يتواجد ثلاثة مدافعين ممتازين هم ايالا في العمق وعلى جانبيه هاينسة وبرديسو وأهم ما يميزهم سرعة التغطية وقوة الالتحام.

أما من الجانب الأوروبي فنجد أن الألمان إلى حد ما يقومون بهذا النوع من الضغط على حامل الكرة، ولكنهم يختلفون معهم بأساليب الهجوم، أما الطليان فلديهم قابلية الدمج بين النوعين حسب قوة الخصم ونتيجة المباراة. أما الاسبان فهم أفضل مثال في البطولة لتطبيق الضغط المبكر (في الثلث الهجومي) على حامل الكرة.

التوافق بين فلسفة المدرب وإمكانية اللاعبين

بيريرا يتخلى عن فلسفته الدفاعية لإيمانه بمهارات رونالدينيو وكاكا.

يعتمد كل مدربي كرة القدم في العالم على فلسفتين أساسيتين عند بناء فرقهم للمشاركة في البطولات العالمية وهما كالآتي:

الأولى: هي اختيار اللاعبين على أساس طريقة اللعب التي يؤمن بها المدرب، وهذه منتشرة في الأندية الكبيرة كريال مدريد وبرشلونة وميلان وتشلسي وغيرها، وكذلك مع المنتخبات التي تمتلك قاعدة واسعة من المواهب كالبرازيل.

أما الثانية: فهي اختيار طريقة اللعب بما يتناسب مع إمكانيات وقابليات اللاعبين، ويلجأ المدربون إلى هذا الأسلوب مع المنتخبات التي تمتلك عدداً محدوداً من النجوم وكذلك مع الأندية غير القادرة مادياً لاستقطاب من تريد من اللاعبين.

ومن خلال متابعتنا لمباريات الدور الأول للمونديال شاهدنا أن معظم مدربي المنتخبات الكبيرة وضعوا إمكانيات اللاعبين لتطبيق الفلسفة التي يؤمنون بها، فقد ركز سكولاري مدرب المنتخب البرتغالي على تعزيز الأسلوب الهجومي في هذا المونديال، فهو يلعب.

بالإضافة إلى باوليتا بكريستيان رونالدو ولويس فيغو في المقدمة أما في وسط الملعب فيتواجد كل من ديكو ومانيش وسيماو او تياجو وكل هؤلاء أصحاب نزعة هجومية وهذا يتطابق مع فلسفة سكولاري الهجومية، أما اريكسون مدرب الإنجليز فقد عزز أسلوب التنظيم الدفاعي من خلال إعطائه واجبات دفاعية بحتة لرباعي خط الوسط بيكهام ولامبارد وجيرارد وجو كول عند فقدان حيازة الكرة.

أما ليبي فرغم ابتعاده عن الأسلوب الدفاعي البحت باعتماده مهاجمين (جيلاردينيو و توني) وخلفهما لاعب وسط مهاجم (توتي) إلا أنه لا يزال يحافظ على هوية الطليان الدفاعية من خلال اعتماده على لاعبي وسط أصحاب نزعة دفاعية.

أما بيريرا قائد أوركسترا السامبا والذي عرف بأسلوبه المتوازن واعتماده لاعبي وسط بمهارات دفاعية كدونغا وماريو سيلفا ومازينهو، في مونديال أميركا 1994، لم يستطع تجاوز مهارات وإمكانات كاكا ورونالدينيو وكذلك زي روبرتو الهجومية.

وهو بذلك يكون الوحيد من بين المدربين الكبار الذي تنازل عن فلسفته التي يؤمن بها (والتي جلبت الكأس للبرازيل بعد فراق طويل في حينها) من أجل الاعتماد على المهارات والقدرات الهجومية التي يمتلكها هؤلاء الثلاثة لقيادة خط الوسط البرازيلي وحتى اختياره للاعب الوسط المدافع وكما يطلق عليه اللاعب التكتيكي فكان لايمرسون والذي يعد من اللاعبين الكبار سناً والمتوازنين بين الدفاع والهجوم.

وبسبب اختلاف الفلسفة مع نوعية اللاعبين، شاهدنا منتخباً برازيلياً غير مقنع لحد الآن، وتشعر وكأن المنتخب أعد لمواجهة الفرق القوية ذات الأسلوب الهجومي البحت وليس الفرق التي تعتمد التنظيم الدفاعي والتعقيد التكتيكي.

ومن المتوقع بأن الإثارة وجدل الجماهير حول مستوى البرازيل سوف يلازم المنتخب إلى نهاية مشواره في المونديال.

إياد العقيلي