عندما تودع طريق الأمل عند الكلم 120 وتمخر عباب الصحراء الرملية باتجاه اليمين تتوارى خلفك الحركة التي يمتلئ بها ذلك الطريق الذي شيد في السبعينات من القرن الماضي.. ويشق موريتانيا من المحيط إلى آخر نقطة حدودية مع جمهورية مالي ويمر عبر الولايات الشرقية والجنوبية الشرقية والوسطى.

ونظرا لصعوبة التقري بعيدا عن المدن، فإن معظم التجمعات السكانية أخذت لها من دفتي الطريق ملاذا من صقيع العزلة في زمن شحت فيه الموارد، وتغيرت سبل العيش بعد أن فقد السكان العمود الفقري لاقتصادهم الثروة الحيوانية والزراعية بسبب الجفاف.

ويمتد الطريق الرملي بمنعرجاته وانحناءاته، في صمت الصحراء المطبق، تصارع السيارات اليابانية الكثبان والمنعرجات الرملية حابسة أنفاسها تارة وشاهقة من الأعماق كلما عربدت هامات الرمال حيث لا يمكن المرور إلا بمضاعفة قوة الدفع للسيارات التي صنعت خصيصا للمسالك الوعرة.

وهناك سيشاهد المرء بقايا أعشاب ذابلة، تقارع قسوة الطبيعة في الرمق الأخير، ويرى قطعان الماشية وقد أتت على الأخضر، وأخذت تلجأ للأعواد اليابسة المنهكة بأشعة الشمس المتعامدة عليها طوال النهار.

وهواء جاف حارق يلفحها طوال الليالي الأولى من لخريف، هذا الفصل الذي يعرف ارتفاعا في درجة الحرارة هذا العام غير مسبوق، لكن ذلك لم يمنع سكان قرية النباغية من العيش في كنف هذه الصحاري وبين التلال الرملية للحفاظ على بقية أخلاق في زمن تحلل فيه كل شيء، وهذا ما جعل هذه القرية التي تبعد 140 كلم متر جنوب العاصمة نواكشوط محط رحال كل طلبة العلم من مختلف الأمصار، حيث يتعايش في محضرتها العريقة طلبة من أمريكا واستراليا وفرنسا والمغرب وتونس والجزائر ومعظم دول القارة السمراء.

وتمثل المحظرة رافداً معرفياً خصباً تخرج أفواجاً من الطلاب النابغين في شتى العلوم والمعارف.وقد ساهم علماء القرية كغيرهم من علماء «أرض المنارة والرباط ».

كما يحلو للبعض أن يطلقه على موريتانيا في نشر تعاليم الدين الإسلامي وقواعد اللغة العربية في أدغال القارة الإفريقية، وكانوا بشهادة الكثيرين رسل ثقافة وزهد ورع إلى لكل الشعوب الإفريقية التي كانت تتخبط في ظلام الجهل والكفر.

ولا يمكن للزائر للقرية أن تمر عليه لحظة من الزمن دون أن تعلق بذاكرته صورة شيخ تحلق حوله فتية ورجال يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم أو كتاب أو مخطوط يحمل من تاريخ الثقافة الأصلية ما يقف الباحث دونه حائراً مندهشاً .

وهو يتجول بين رفوف تلك المكتبات تتجاذبه عناوين الكتب والمخطوطات الزاخرة بمختلف العلوم والأعلام.. هل يكتب.. أم يسجل.. أم يصور.. أم يلعن كل الوسائل الحديثة ويحط الرحال ليأخذ ما أراد بواسطة الطريقة التلقينية السائدة أصلا ضمن المناهج التقليدية للتعليم المحظري.

وتعيش النباغية على بساط رملي تتهددها السنة الرمال بالاندثار ولولا الصمود والصبر والمجابهة التي يتحلى بها الأهالي لكانت أثرا بعد عين.. فقد ساهمت حملات التشجير التي سعى فيها سكان المنطقة بقدراتهم الذاتية في حمايتها من خطر زحف هذه الرمال على منزلها الأسمنتية التي المغطاة بالقصدير.

وحدها الاتصالات متوفرة عبر الهاتف النقال الذي يغطي مساحات شاسعة من ذلك الفضاء الرحب المترامي. لكن تبقى العزلة المقيتة تقطع كل السبل أما العابرين قصد زيارة مكتبة عامرة بالنفائس.