قبل أقل من شهر على انطلاقة نهائيات كأس العالم 1974 بألمانيا كان فريق بايرن ميونيخ يخوض مباراة عصيبة مساء يوم 15 مايو أمام فريق اتلتيكو مدريد الاسباني في نهائي أندية أوروبا (دوري أبطال أوروبا حاليا)، وكان الفريق الاسباني متقدما 1/صفر على بايرن ميونيخ الذي يضم 7 لاعبين من المنتخب الألماني،
واستمر التقدم حتى الدقيقة الأخيرة من الوقت بدل الضائع التي شهدت تقدم قلب دفاع بايرن ميونيخ وتسديده كرة قوية هزت شباك فريق العاصمة الاسبانية مدركا التعادل لفريقه، وهو الهدف الذي سيكون له دور كبير في بطولة كأس العالم التي انطلقت لاحقا وتحديدا في 13 يونيو 1974، وبسبب قوانين البطولة حينها لم يتم تمديد المباراة بل تقرر إعادتها بعد يومين ليفوز بايرن ميونيخ 4/صفر وترتفع معنويات لاعبيه الدوليين السبعة الذين التحقوا بمنتخب بلادهم للمنافسة على لقب بطولة العالم.
كان ذلك اللاعب هو قلب الدفاع جورج شفارزنبيك الذي ارتدى قميص بايرن ميونيخ عام 1966 وقميص منتخب ألمانيا عام 1971 وساهم في صنع العديد من انجازاتهما، أما هدف التعادل الذي سجله في مرمى اتلتيكو مدريد فقد قال عنه مؤرخو كرة القدم انه من أسباب فوز ألمانيا بكأس العالم 1974
لأنه لو لم يسجل شفارزنبيك الهدف لخسر بايرن ميونيخ لقب البطولة قبل أقل من شهر على انطلاقة كأس العالم ولشارك المنتخب الألماني بلا هيبة وبمعنويات مهزوزة وكان من الممكن ضياع الهدف خصوصا أن أبرز لاعبي منتخب ألمانيا هم من بايرن ميونيخ وفي مقدمتهم القائد فرانز بيكنباور والهداف جيرد مولر والحارس سيب ماير والمدافعان شفارزنبيك وبول برايتنر الذين خسروا أمام ناد فكيف يفوزون على منتخبات عالمية؟!.
وفي المباريات السبع التي خاضها المنتخب الألماني في نهائيات كأس العالم 1974 كان القيصر بيكنباور يصول ويجول في أرجاء الملعب تاركا منطقة الدفاع عهدة لدى زميله شفارزنبيك ومعه بول برايتنر أو بيرتي فوجتس، وقد أجاد شفارزنبيك قفل منطقة الدفاع قبل وصول الكرات إلى الحارس سيب ماير فلم تهتز شباك المنتخب الألماني سوى 4 مرات في 7 مباريات
من بينها الهدف الهولندي في المباراة النهائية الذي جاء من ركلة جزاء تسبب بها لاعب الوسط اولي هونيس زميلهم في بايرن ميونيخ الذي عرقل القائد الهولندي كرويف، فكان الفوز في النهاية حليف المنتخب الألماني مثلما كان الفوز ببطولة أمم أوروبا عام 1972 حليف ألمانيا بفضل نفس التشكيلة وخاصة في الدفاع.
البحث عن البطل
الآن يترأس بيكنباور نادي بايرن ميونيخ واللجنة المنظمة لكأس العالم الحالية، ويتولى جيرد مولر الاشراف على قطاع اللاعبين الشباب والهواة في بايرن ميونيخ فيما يعمل برايتنر في قطاع المقاولات والتحليل الكروي، ويتولى اولي هونيس إدارة فريق بايرن ميونيخ.. ولكن أين شفارزنبيك ؟!، وهل صحيح ما قرأته عنه ذات يوم أنه يعيش من بيع الصحف والمجلات في مكتبة بميونيخ؟!..
كان هذان السؤالان في مقدمة ما كنت ابحث عن إجاباته في ميونيخ بجانب متابعة مباريات كأس العالم.. وفي حفل افتتاح البطولة الحالية سار شفارزنبيك في طابور الأبطال الذين نالوا شرف الفوز بكأس العالم فقررت تتبع خطواته التي أوصلتني ذات يوم إلى مكتبته حيث وجدته يعمل وحيدا في بيع الصحف والمجلات وأدوات القرطاسية !!
ومن حسن حظي أنني اصطحبت معي مترجما لأنني توقعت أن شفارزنبيك مثل جيرد مولر لا يجيد الحديث بغير اللغة الألمانية، وهكذا كان اللقاء الأول لصحيفة عربية مع هذا العملاق طيب القلب الذي تحول من بطل عالم إلى بائع صحف ومجلات بإرادته.
في البداية استغرب كيف لمندوب صحيفة عربية قادم من دبي في الإمارات أن يعرفه ويبحث عنه لعدة أيام لإجراء مقابلة معه، لكنني قلت له اننا نعرف الكثير عن نجوم الكرة العالمية فما بالك بلاعب أحرز بطولة كأس العالم وكأس أمم أوروبا وعدد من البطولات المحلية وأننا ما زلنا نتذكر حتى أهدافه الشهيرة التي سجلها،
وكان هذا اللقاء:
* زملاؤك من منتخب 1974 لا يزالون يعيشون كنجوم ويظهرون يوميا على صفحات الجرائد والمجلات وعبر التلفزيونات و أنت منزو في هذا المكان تبيع الصحف والمجلات والأقلام!!
- بعد اعتزالي اللعب مع بايرن ميونيخ عام 1980 قررت العمل في هذه المكتبة التي كانت تعود لعمتي وقد قضيت فيها سنوات عديدة في طفولتي وبداية شبابي عندما كنت أساعد عمتي هنا، وقررت حينها أنني سأدير هذه المكتبة بعد اعتزالي وعدم قدرة عمتي على العمل، وقد حققت ما أريده وأنا سعيد بذلك.
* هل يعني عملك في المكتبة أنك لم تنل ثروة من مشوارك مع بايرن ميونيخ الذي استمر من 1966 حتى 1980 ومع المنتخب من 1971 حتى 1978 وفوزك بالعديد من البطولات الكبيرة والمحلية؟ّ!
- في ذلك الوقت لم تكن رواتبنا كبيرة مثل رواتب اللاعبين الآن، ولم يكن راتبي بمستوى راتب بيكنباور ومولر ولكنها لم تكن قليلة أيضا، غير أنني لم أكن من هواة جمع المال، وعموما لست فقيرا حاليا لكنني أحببت العمل في المكتبة وأنا سعيد في حياتي.
* ولكن ألا تشعر بالحنين إلى الأضواء وأنت ترى صور زملائك في الصحف والمجلات التي تبيعها كل يوم؟
- أنا ابحث عن راحتي التي أجدها هنا وأريد الابتعاد عن ضغوط الحياة التي تسببها النجومية والتزاماتها ولذلك فضلت عدم العمل حتى في التدريب لأنني أريد الراحة بعد سنوات اللعب، وقد جربت العودة إلى الأضواء مرتين فقط منذ عام 1980 الاولى كانت عام 2005 في افتتاح ملعب ميونيخ الجديد (اليانز ارينا)
وقد تمت دعوتي من نادي بايرن ميونيخ،والثانية كانت في افتتاح كأس العالم الحالية حين سرت مع أبطال كأس العالم بدعوة من اللجنة المنظمة للبطولة، وكنت اخلع البدلة الرسمية وأعود في اليوم التالي لمكتبتي مرتديا هذه الملابس البسيطة ومواصلا حياتي التي أحبها.
* كيف كان شعورك وأنت تسير مجددا بين الأبطال في افتتاح كأس العالم وتحيي الجمهور؟
- غمرتني الفرحة لمبادرة اللجنة المنظمة للبطولة في دعوة الأبطال للسير في الملعب وتحية الجمهور، وكان شعوري عاطفيا مثل بقية زملائي وتذكرنا أيام فوزنا بكأس العالم والطواف في الملعب حاملين الكأس لتحية الجمهور، كانت مبادرة رائعة.
* وكيف هي علاقتك مع إدارة بايرن ميونيخ حاليا؟
- جيدة جدا وأنا أزورهم كما أنني أزودهم يوميا بالصحف والمجلات وأدوات القرطاسية من أقلام وأوراق وغيرها!!
تذكارات البطولة
* لا يوجد في محلك أي صورة أو تذكار من كأس العالم 1974 ولا من أيام التألق والبطولات مع بايرن ميونيخ !
- الصور والتذكارات أضعها في البيت ومن بينها بوستر كبير للتشكيلة التي خاضت المباراة النهائية وبعض الصور الأخرى وهنا توجد كتب أبيعها تحكي قصة كأس العالم ونجوم البطولة وتوجد صورتي فيها (اشتريت منه كتابين)، أما عن صوري مع بايرن ميونيخ فان مكتبتي تقع في منطقة غالبية سكانها من مشجعي نادي ميونيخ 1860 الذين لا يشجعون بايرن ميونيخ ولا أريد استفزازهم بوضع صور بايرن ميونيخ!!
* ولكن هل يعرف زبائنك وسكان المنطقة أنك جورج شفارزنبيك النجم السابق للمنتخب وبايرن ميونيخ؟
- 99% من زبائني الدائمين يعرفونني ويزورون مكتبتي على هذا الأساس، وفي الغالب يأتون هنا للحديث والمناقشة في أحوال الدوري الألماني أو المنتخب ونعقد مقارنات بين الكرة حاليا وفي الفترة السابقة، أما زبائني من صغار السن فبعضهم يعرفني ربما من أهله والبعض الآخر لا يعرفني.
* هل تذهب إلى الملعب لمشاهدة المباريات ؟
- نعم أذهب لحضور مباريات الدوري الألماني في ملعب ميونيخ لكنني أشاهد مباريات كأس العالم عبر التلفزيون.
تواضع الأبطال
* لو أردنا المقارنة بين منتخب ألمانيا الذي أحرز لقب البطولة عام 1974 والمنتخب الحالي لمن ستميل الكفة؟
-منتخب ألمانيا 74 كان يضم لاعبين كبارا ممتازين من الناحية الفنية المهارية و في قدرتهم على قراءة الملعب والتحكم في المباراة مثل فرانز بيكنباور واوفيرات ونيتزر ومولر ومدرب كبير هو هليموت شون، وقد ساعدنا لتحقيق الفوز عام 1974 أننا لعبنا سوية في السنوات السابقة
وفزنا ببطولة أمم أوروبا 1972 فكان انسجامنا ولعبنا الجماعي وقيمة نجومنا أفضل من المنتخب الحالي، أما المنتخب الحالي فيضم لاعبين جيدين ولكن لم يمض وقت طويل على لعبهم جنبا إلى جنب ولذلك هم يحتاجون الى الوقت وكذلك مدربهم يحتاج إلى المزيد من الخبرة كمدرب.
* يعتبرك المختصون في توثيق كرة القدم أنك من أهم أسباب الفوز بكأس العالم ليس كمدافع صلب وحسب ولكن لتسجيلك هدف التعادل لبايرن ميونيخ في نهائي أندية أوروبا 1974 ومنع خسارة الفريق الذي كان يضم 7 من لاعبي المنتخب الألماني !
-(يبتسم بتواضع) أشكرهم على هذا الكلام ولكن للحقيقة أنا أديت واجبي وقد ساعدني الحظ في تسجيل الهدف.
* من يعجبك من المنتخب الألماني حاليا وخاصة في خط الدفاع، وهل ترشح ألمانيا لبلوغ النهائي؟
- يعجبني حاليا فيليب لام الذي قدم مستوى رائعا فاجأ الجميع، وكان جيدا في الدفاع وفي الهجوم وحتى في تسجيل الأهداف، وفي قلب الدفاع حيث كنت ألعب سابقا يعجبني حاليا ميتزيلدر.. وعن المنتخب الألماني الحالي أعتقد أنه جيد لكن من الصعب أن يصل إلى المباراة النهائية، وأعتقد أن أفضل ترتيب سيحققه المنتخب الألماني في ظل وجود الأرجنتين والبرازيل وهولندا هو بلوغ الدور ربع النهائي.
* قضيت 14 سنة كمدافع قوي مع النادي والمنتخب، كيف تقيم حال الدفاع الألماني حاليا؟
-حاليا لا أقول ان المدافعين غير جيدين، لكن المشكلة هي عدم وجود انسجام كبير فيما بينهم، ويعود ذلك الى عدم استقرار المدرب كلينسمان على تشكيلة الدفاع في الشهور التي سبقت كأس العالم، ولكن الحمد لله لم تظهر هفوات دفاعية قاتلة في آخر مباراتين خاضهما المنتخب في البطولة مثل تلك التي ظهرت في مباراة الافتتاح.
*ومن أعجبك من المنتخبات ؟
- الأرجنتين وهولندا وغانا وساحل العاج ثم البرازيل واسبانيا بدرجة أقل. كان هذا أهم ما دار في الحوار مع هذا النجم المولود في 3 ابريل 1948 والذي قرر بإرادته الانزواء في مكتبته الصغيرة البسيطة مكتفيا بالذكريات من مشواره الكروي الذي خاض فيه 416 مباراة مع بايرن ميونيخ سجل فيها 21 هدفا ومع المنتخب الذي مثله في 44 مباراة دولية،
ورغم الألقاب العديدة التي جمعها وأهما لقب بطولة كأس العالم 1974 ولقب بطولة أمم أوروبا 1972 والمركز الثاني فيها عام 1976 ولقب دوري أبطال أوروبا أعوام 1974 و1975 و1976 ولقب الدوري الألماني 6 مرات ولقب الكأس الألمانية 3 مرات إلا أنه يعيش سعيدا من بيع صحيفة لرجل عجوز أو مجلة مصورة وقلم ملون لطفلة، وقد كان حوارنا ينقطع لعدة مرات بسبب دخول زبائن للمكتبة للشراء فكان يستأذن مني ليبيع لهم لعدم وجود مساعد أو مساعدة في المكتبة.
وهو يقول: لست محتاجا للعمل لتحقيق بضعة يوروات يوميا فأنا بحال جيدة وابني عمره 32 عاما ويعمل مديرا لمصنع وابنتي في الثامنة و العشرين وتعمل مستشارة اقتصادية، لكنني لا أريد الجلوس في البيت كما أنني سعيد بتحقيق حلم طفولتي بالعمل في المكتبة.
رسالة المانيا: سامي عبد الإمام


