إذا كان الإبداع الحقيقي هو فعل مضاد للموت، فهل كف عبداللطيف الصمودي عن الحياة برحيله؟ إذا كان قد استطاع ان يصوغ أعماله من التوهج الأقصى للروح، من الجوهري في الحياة، من اللحظة الإلهامية المشبعة بالإزاحة والكشف.. من نفسه ونبضه؟

وان كان لا سبيل للإحاطة بما أنجزه الصمودي في حياته فثمة عزاء أن نحاول حيازة بعض مفاتيحه، وتلمس بعض إشاراته التي تسامى بها.. فقد كان مستمرا في صياغة مشروعه الإبداعي، يحشد بنقوشه ومنمنماته الإرث الحقيقي للإنسان، فحياته، لحظة مديدة من الإضافة من الانزياح، مندغمة في ما يرسم، ومتعشقة في ما يتراءى له من معادلة قابلة للتحقيق، وقاعدة قابلة للهدم.

لا أزال أتذكر اللحظة الأولى التي رأيت فيها بعض أعمال الصمودي، فقد كانت من اللحظات التي يتكثف بها الشعور وتنفتح بها المسام، لحظة تشترك فيها العين والروح في الرؤية، لحظة الغبطة الخالصة والاندهاش، وقتها عرفت بأنني أمام نوع من الأعمال النادرة، الأعمال التي تجتمع في مكوناتها، جميع العناصر الأولية للحياة.

وهي بذلك تختزن بنية الألق التي تفصلها عن شروط الزمان والمكان، إنها موغلة في القدم، وطازجة في الوقت نفسه، تجمع بين البدائي والعارف، بين الزاهد والمغامر. تبعث على الفرح والحزن، إنها مزيج من السر والكشف.

أعمال الصمودي تحتفي بالحياة وتزخر بزخم كبير من الألوان الدافئة، أعمال ترصد اللحظات الحميمة، واللحظات المسترجعة من فجر التاريخ الإنساني، إنها تأخذنا عبر إشاراتها وإحالاتها، إلى الطريقة التي عايش بها الصمودي نتاجه، وهو مسكون بالحياة إلى حده الأقصى.

غنى المفردات البصرية، وتعدد الإيقاعات اللونية والزخم المتوزع في العمل، هو ما يميز الصمودي في تشكيل مقاماته البصرية، التي جاءت نتيجة لإشباع الروح والعين والمخيلة بالمكونات الجمالية التي أحاطت به، بدءاً من معايشته الدائمة للعمل الفني باعتباره الهاجس الوحيد الذي كان يعيشه، وانتهاءً بشغفه الكبير بالمصادر الفنية والمنجز البصري الجمالي الذي شكل مادة لوحته الفنية.

لذلك فإن ما يندرج ضمن أسلوب الصمودي الفني جاء في سياق تجربته كجزء مكون لها، وليس على الطريقة التي يراه بها بعض النقاد في اعتبارهم أن مفرداته البصرية تمثل تعبيراً عن محاكاته للمنجز الجمالي الشرقي أو كمحاولة منه لمحاكاة هذا المنجز، سواء في المنمنمات الشرقية أو الزخارف الإسلامية. إنما هي مفردات استفاد منها الصمودي في بناء مشروعه وصورة لوحته.

من هنا يتجاوز الصمودي بتجربته جغرافيا المكان، وعقدة الهوية بمعناها السطحي، ليتحول نتاجه إلى مشروع ذي أبعاد كونية، له علاقة بتجاوز جميع الحدود والفواصل التي كانت عائقاً أمام نمو تجربة الكثيرين غيره الذي وقعوا في مطبات الأشكال والجماليات الجاهزة، خارج نموها وتفتحها الطبيعي.

هل يكفي توافر الأدوات النقدية لفهم تجربة الصمودي، والتعريف بها؟.. أم أن تتبع كيفية نموها ونضجها، هو سبيلنا للدخول إلى أسراره الإبداعية، ومفاتيحه التقنية؟..

لقد كان الصمودي في مقاماته التجريدية.. غنائياً تطريبياً، تتضح عنده قوة التأليف والقدرة الاشتقاقية للون بما يتماهى مع الفضاء الروحي الذي استطاع أن يشكله بمفرداته البصرية المشغولة، وإلى جانب مقامته الغنائية، هناك مجموعة أخرى من المقامات، تزامنت أو تدرجت في سياق تجربة الصمودي الإبداعية.

وجاءت استجابة لمزاجه الإبداعي الخاص كمقاماته الصوفية التي بنيت بتقشف شديد في الخط، واللون، والتي خاطبت الجانب التأملي عنده وإحساساته العميقة بنكهة صوفية متسامية.

ثم هناك الأعمال ذات الطابع التشخيصي، التي برز من خلالها الجانب التعبيري لدى الصمودي، وهناك المقامات اليومية التي رسم فيها المشهد الخلوي والمنظر الطبيعي، والتي نفذت بشاعرية كبيرة، ونكهة خاصة، امتزج فيها الصوفي بالغنائي، والسحري بالواقعي، عبر مجموعة لونية مرهفة، نسجها الصمودي من خيوط خبرته كلها، ومن نسيجه الروحي الخالص.

وإذا كان الصمودي قد ارتكز في بعض أعماله على المفردات الزخرفية والرموز التزيينية، فهنا لا وجود إلا للأثير الملون، والنسيم الذي يجوب المشهد بأكمله، الذي شكله بمخيلة وعاطفة وقدرة على إشعال جذوة الروح والشعور، إنه عالم شعري أخاذ تبرز فيه بوضوح اللحظة الإلهامية والرهافة في توزيع اللون واشتقاقاته الغنية وتدرجاته الدقيقة، بهذه الكيفية.

وعلى تلك الطريقة أنتج الصمودي أعماله، متوهجة دائماً بتلك اللمسة القادرة على بث الروح، وإشاعة العاطفة، بالبهاء اللوني، ورهافة الخطوط وقدرتها على التعبير، وبالمخيلة الخصبة التي تماثل نواعير حماة في انسكابها اللا نهائي، وأنينها الأبدي، تلك النواعير التي ترعرع الصمودي على جيشانها، ودورانها الذي لا يتوقف.

إسماعيل الرفاعي