«حفلة التيس»، «الفردوس على الناصية الأخرى»، «مديح الخالة» و«دفاتر دون ريجوبيرتو» روايات خالدة كتبها ماريو فيرغاس يوسا، وكان للمترجم صالح العلماني فضل نقلها من الإسبانية إلى العربية والتعريف بهذا الكاتب المبدع الذي يُعتبر أحد عمالقة أدباء أميركا اللاتينية، .

والذي كان قد وُلد في البيرو عام 1936 ودرس الأدب العربي في جامعة سان ماركوس، ثم غادر إلى إسبانيا عام 1958 ومنها انتقل إلى فرنسا ولندن، حيث أصدر رواياته الرائعة، وذاع صيته على المستوى العالمي، وحصل على عدة جوائز أدبية منها:

جائزة رومولو غابيوس وجائزة أمير أوسترياس وجائزة بلانيتا وجائزة ثربانتس، كما رُشح لجائزة نوبل، ورُشح لرئاسة البيرو في تسعينات القرن الماضي. وفي مساء الرابع عشر من يوينو الجاري احتفت العاصمة السورية بهذا الروائي الكبير حيث التقى جمهوره العريض في حوار مفتوح نظمته السفارة الإسبانية بالتعاون مع جامعة دمشق في صالة رضا سعيد.

فقد تحدث يوسا عن علاقته بأدب أميركا اللاتينية، وعن علاقة الأدب بالسياسة، ومسؤولية الكتّاب في الدفاع عن قضايا الحرية وحقوق الإنسان، كما أبدى إعجابه الشديد بألف ليلة وليلة.

وحول علاقته بالأدب عموما وبأدب أميركا اللاتينية بشكل خاص، وقال يوسا: حين كنت شابا أدرس في جامعة البيرو، كانت أميركا اللاتينية مجزّأة، وكان التبادل الثقافي فيما بينها ضعيفا، وكان هناك القليل من الكتّاب الذين تجاوزوا حدودهم الإقليمية أمثال الشاعر بابلو نيرودا، لكن الأدب اللاتيني كان مجهولا بالنسبة لي، كنت أقرأ أدب أميركا الشمالية:

همنغواي وشتاينبك والأدباء الأوروبيين تحديدا سارتر، وكنت أشعر بالمتعة أثناء قراءة هؤلاء، وأعتقد ان أوروبا هي مركز الثقافة والأدب، وكنت أحلم بالسفر إليها، وفي عام 1958 استطعت أن أحقق حلمي في السفر إلى إسبانيا.

ومن ثمة إلى باريس عاصمة الثقافة الفكرية، وهناك عشت سبع سنين، استطعت خلالها أن أحقق نفسي ككاتب، وتعلمت أن الكتابة عمل يتطلب الشغف والمواظبة والتنظيم، أو «تحويل الأدب إلى نوع من المعيشة» كما قال فلوبير.

أذكر في عام 1963 وصول أحد كبار كتّاب أميركا اللاتينية إلى فرنسا بعد ان دُعي من قبل اليونسكو، إنه جورج بورخس ذلك العجوز الأعمى الذي يتكلم العديد من اللغات ويتمتع بثقافة واسعة، أدهش بها الفرنسيين، وحقق نجاحا كبيرا.

مع الفرنسيين اكتشفت عددا كبيرا من كتاب أميركا اللاتينية أمثال كورتاثو، وماركيز، «مئة عام من العزلة» رواية مدهشة مع أنها تنهض على الموضوعات المحلية والتقاليد القديمة، إلا انها ترفض التقوقع في تلك القرية الصغيرة ماكندو، هذه الرواية حوّلت التجربة المحلية إلى تجربة عالمية، ليس بقوة الخيال السحرية وحسب، بل أيضا بنثرها البديع الشفاف.

وأستطيع القول إن هذا العالم المتخلف المجزأ الذي تمثله أميركا اللاتينية، استطاع أن ينتج أدبا عالميا وكتابا مبدعين من الطراز الاول، وكان لدار نشر صغيرة في إسبانيا الفضل الكبير في الترويج لأدب أميركا اللاتينية، ومن هذه الدار صدرت روايتي الأولى بعد ان حاربتها الرقابة لمدة عام كامل.

وعن «ألف ليلية وليلة» قال يوسا: قرأت هذا المنجز الأدبي عدة مرات في طفولتي وفي شبابي، إنه عمل مدهش أثر فيّ، وترك أثره العميق على معظم الكتاب الغربيين.

وحول علاقة الأدب بالسياسة ذكر يوسا أنه على الأدب أن يعبّر عن جميع نواحي التجربة البشرية، ولا يمكن في هذا السياق استثناء السياسة، لأنها موجودة في جميع مناحي الحياة، والمنحى السياسي قد لا يظهر جليا لدى كتّاب البلدان الديمقراطية والمجتمعات المفتوحة، أما في أميركا اللاتينية فإن الأمر يختلف لأن المشكلات الاجتماعية والاقتصادية العالقة لها علاقة أساسية بقضايا القمع السلطوي وغياب الحريات وحقوق الإنسان وحرية الفكر.

وعلى هذه القضايا ان تحتل حيزا في الكتابات الادبية، دون أن يعني ذلك إهمال النواحي الفنية وتحويل الأدب إلى شكل من أشكال الدعاية والتحريض، هناك أدب سياسي محترم، وأتجرأ على القول أنه لا يوجد أدب كبير لا يهتم بالسياسة وبقضايا البشر.

إذا كانت الحرية شرط من شروط الإبداع فما هو دور الكاتب في الدفاع عنها؟ عن هذا السؤال أجاب يوسا: لا يستطيع الكاتب ان يبدع دون حرية، لان الكاتب يكتب بشغفه ومخيلته التي تأتي من أعماق أعماقه، ولكي يكون إبداعه أصيلا يجب أن يولد في مناخ حر، وكل الأنظمة القمعية تخاف من الأدب وتخاف الحركة الإبداعية للروح، كل الأنظمة التي حاولت إخضاع البشر.

وضعت أنظمة رقابة صارمة في وجه الأدب، لأنه يخلق عند القارئ شيئا من عدم الرضا وعدم قبول الواقع، الأدب يخلق الرغبة في التمرد، وكل الإنجازات التي أخذتنا من المغارات إلى الفضاء كان الخيال الحر وراءها، وعلى الكتّاب ان يدافعوا عن الحرية، كي يدافعوا عن وجودهم وعن نتاجهم، وكما يقول ماريو يوسا نفسه: «الكاتب المبدع قادر على زيادة حساسيتنا وتطوير الحس النقدي لدينا».

دمشق ـ تهامة الجندي: