تناسى أطراف الحزب الحاكم والمعارضة خلافاتهم الحادة حول البرنامج الاقتصادي للحكومة ونظام الضرائب، وتوقفت جلسات البرلمان العاصفة لمدة ثلاث ساعات حيث تجمع الأعضاء حول أجهزة التلفزيون التي وضعت في مقر البرلمان فيما توجهت المستشارة الألمانية انجيلا ميركل وبعض وزرائها ومساعديها من مقر البرلمان في العاصمة برلين إلى الملعب الأولمبي فيها لحضور مباراة ألمانيا والإكوادور في الجولة الأخيرة للمجموعة الأولى والتي حضرها أيضاً الرئيس الإكوادوري.

وفي خطبتها في البرلمان الألماني استغلت ميركل الفوز الألماني لتدعم موقف حكومتها حسب تقرير بثه التلفزيون الألماني الرسمي ( دويتشه فيلله) بعنوان (عندما تسود الكرة تفعل الحكومة ما تشاء)!، وجاء فيه : المستشارة الألمانية ميركل عبرت عن تفاؤلها من نشوة كأس العالم المنتشرة بين الألمان مؤكدة أن هذا لا يدعو إلى الخوف، بل على العكس إنه دليل على استعداد البلاد للتغلب على التحديات التي تواجهها، كما عبرت عن افتخار الألمان بلاعبيهم.

وقالت ميركل: عندما أرى الحماس والفرح في كل مكان، وعندما أرى كيف ينظر لنا العالم الخارجي هذه الأيام بحماس لا أخاف، بل أشعر بأننا قادرون على تذليل الصعوبات التي تواجهنا. وبينما ترى المستشارة ميركل في أجواء كأس العالم علامة على استعداد المواطنين لتجديد ألمانيا وتطويرها، ترتفع آراء أخرى معارضة لحمى كأس العالم، بل وتتمنى ألا تفوز ألمانيا.

ويعود السبب في ذلك إلى أنها تخشى من أن تؤدي نشوة الفوز إلى نسيان القضايا السياسية والاقتصادية الداخلية. وفي هذا السياق طرح مقال نشرته جريدة دي فيلت بعنوان عندما تسود كرة القدم، تفعل الحكومة ما تشاء، تساؤلاً حول أثر الانتصار على المشاكل الداخلية.

فمنذ بداية كأس العالم توقفت المناقشات حول الإصلاحات فيما يخص النظام الصحي أو مشاكل البطالة وغيرهما من المشاكل الاقتصادية، وما يخشاه بعض المراقبين هو أن يؤدي الانتصار الألماني المستمر في كرة القدم إلى الإحساس بالفخر الزائد وإهمال المشاكل الداخلية.

احتفالات غير مسبوقة

وفي برلين أيضا تجمع أكثر من 700 ألف ألماني في الشوارع العامة لمتابعة المباراة للاحتفال بعد فوز ألمانيا 3 ـ 0 لتجمع العلامة الكاملة من ثلاث مباريات وهو انجاز يتحقق للمرة الاولى في نهائيات كأس العالم منذ 36 عاما، وعمت الاحتفالات جميع المدن الألمانية في مشهد يجزم الجميع بأنه يتحقق للمرة الاولى في هذا البلد الذي يعشق كرة القدم وبات نبضه الآن يتحرك على وقع نتائج منتخبه في كأس العالم،

وبعد نهاية المباراة امتلأت شوارع المدن الألمانية بالملايين من الألمان والمقيمين ومن السياح الذين تدفقوا على المدن الألمانية للسياحة بشكل عام ولمشاهدة البطولة بشكل خاص، وطافت السيارات في الشوارع وهي تحمل الأعلام الألمانية وتطلق أبواقها احتفالا بالفوز وقال التلفزيون الألماني ان هذه المسيرات الجماهيرية وطواف السيارات في الشوارع احتفالا بالفوز بهذا العدد الكبير يعد تقليدا جديدا من الألمان يبدو أنهم اكتسبوه من المقيمين في ألمانيا من العرب والأتراك!

والملفت للنظر أن الجمهور الألماني لم يغن للفوز على الإكوادور وحسب بل أصبح يردد بحماس (فيناله) مطالبا فريقه الوطني ببلوغ المباراة النهائية للبطولة رغم أن اتحاد الكرة الألماني كان قد حدد بلوغ الدور ربع النهائي كسقف لطموحاته وتجديد عقد المدرب!،

وبعد أن كانت غالبية الألمان تتوقع خروجا مبكرا للمنتخب من البطولة قياسا على نتائجه في المباريات الودية التي سبقت المنافسات الرسمية وقياسا أيضا على عدم استقرار المدرب على التشكيلة الأساسية والإصابات التي طالت بعض اللاعبين المهمين ارتفعت أسهم المنتخب الألماني ومدربه وبات غالبية الألمان يرشحون منتخبهم للمباراة النهائية وحتى الفوز باللقب.

وقد تسابق الجمهور على خلع كل الملابس الرسمية وارتدى القمصان الرياضية وخاصة قمصان المنتخب الألماني وقد ظهر العديد من مديري الشركات والأقسام وهم يرتدون قميص المنتخب تحت الجاكيت أثناء الدوام الرسمي في الدوائر وأثناء التنقل بين العمل والبيت!

ولم يقتصر الأمر على الجمهور بل وصل إلى البرامج التلفزيونية التي تحولت جميعها للحديث عن كأس العالم وتأثيره على المجتمع الألماني كل من جهته التي يبحثها عادة في برنامجه، وفي حين تسابق الجمهور للتعبير عن تشجيعهم للمنتخب وحماستهم له وتسابقت البرامج والمحللون الكرويون لمغازلة مشاعر الجمهور وركوب الموجة،

فقد نشر أحد البرامج التلفزيونية توقعا بيانيا مبنيا على تحليلات العاملين فيه بأن المنتخب الألماني سيفوز في دور الـ 16 على السويد ثم سيصل إلى دور الثمانية والأربعة وسيهزم الأرجنتين في طريقه ليواجه البرازيل في النهائي وحينها لا يعرف أحد ماذا يمكن أن يحدث!

وكان المنتخب الألماني قد تعادل مع البرازيل والأرجنتين وديا ثم تعادل مع الأرجنتين1 ـ 1 رسمياً في كأس القارات وخسر أمام البرازيل 1 ـ 2 في الدور نصف النهائي للبطولة ذاتها وهو مرشح لمواجهتهما في الأدوار المقبلة حسب توقعات النقاد والمحللين التي زادت في الأيام الأخيرة.

الفوز بالمفارقات الحسابية

وكانت إحدى العمليات الحسابية التي أجريت في مايو المقبل قد توقعت إمكانية فوز المنتخب الألماني بكأس العالم الحالية وفقا لمفارقة رقمية هي أنه إذا تم طرح الرقم 1990 من حاصل ضرب 54 و74 تكون النتيجة هي 2006،

حيث يشير الرقمان 54 و74 إلى العامين اللذين حصل فيهما المنتخب الألماني على أول لقبين له في بطولات كأس العالم وهما 1954 بسويسرا و1974 بألمانيا كما يشير الرقم 1990 إلى العام الذي حصل فيه المنتخب على لقبه الثالث في كأس العالم بايطاليا فيما يشير الرقم 2006 إلى البطولة الحالية بألمانيا!!

غير أن المنتخب الألماني بات هذه المرة مرشحا للفوز بلقب البطولة، على الأقل حسب رأي جمهور، بفضل الأداء الجيد الذي قدمه لاعبوه وخاصة في المباراتين الأخيرتين اللتين لم تشهدا حدوث أخطاء دفاعية مثل السابق مما يبث الاطمئنان في صفوف جميع الألمان من المتخصصين في الكرة ومن الجمهور الذي يشجع لمجرد التشجيع،

كما بثت الانتصارات الألمانية الثلاثة في البطولة وخاصة الانتصار الأخير على الإكوادور الحماس في صفوف المشجعين للعودة لشراء تذكارات البطولة من كرات ومجسمات للتعويذة (الأسد غوليو) التي أفلست الشركة المنتجة لها بسبب العزوف الجماهيري عن شرائها قبل البطولة وحتى أثناء الأيام الاولى وعادت المحلات لتبيع كميات كبيرة منها وتطلب المزيد بسبب تنامي الطلب الألماني عليها بعد أن كان شراؤها يكاد يكون مقصورا على السياح الأجانب.

ارتفاع أسهم كلينسمان

صمتت كل الأصوات التي كانت تنتقد كلينسمان وعدم فاعلية خططه دفاعيا وهجوميا وبالتالي عدم قدرته على قيادة المنتخب الألماني في هذا التحدي الكبير الذي يزيد من صعوبته أنه يقام على الأرض الألمانية حيث يمكن أن يكون الجمهور سلاح ذا حدين يدعم الفريق القوي ويزيد الضغط على فريقه لو كان ضعيفا،

وقد جاءت الرياح الألمانية بما تشتهي سفن كلينسمان ورفعت من أسهمه وأسهم المنتخب، وفجأة ظهرت صور لكلينسمان بالحجم الطبيعي حملها الجمهور الألماني وغير الألماني وسار بها في الشوارع كما نافست صور احتفالات كلينسمان بكل هدف يتم تسجيله صور احتفالات اللاعبين أنفسهم الذين سجلوا الأهداف.