كرة القدم تجتاح العالم في كل أركانه وقاراته، وملايين من البشر يتابعون مبارياتها حتى قيادات الدول وكبار القادة في العالم منشغلون بها يتجادلون، ويتحاورون، يختلفون ويتفقون، وما هي إلا كرة صغيرة يتنافس عليها الملايين.

يقال إن ثري حرب شاهد لعبة كرة القدم لأول مرة في حياته، وظن أن اللاعبين يتقاتلون من أجل الحصول على الكرة فأمر بشراء كرة لكل لاعب حتى يحل الإشكالية ويوقف الصراع على حد فهمه.

لا أحد انتبه لماذا تهتم هذه الملايين بهذه اللعبة ولم ننتبه أيضاً، لماذا لا نبدي اهتماماً بكرة القدم حينما تلعبها فرق غير معروفة؟ أو لأن لعبها متواضع لا يرتقي لفن اللعبة.

الواقع أن دراسات علم المسرح في إطار المنهج البريشتي تؤكد على ضرورة الانتباه إلى هذه اللعبة والاستفادة منها عندما نعمل على تكوين جمهور مسرح واع ومتذوق للفن.

كيف..؟ ما العلاقة بين المسرح أو الأنشطة الثقافية بشكل عام وكرة القدم؟

أنا أدعي أن أي نشاط ثقافي في أي بلد سيفشل إذا كان توقيته يتزامن مع توقيت لمباراة الفريق البرازيلي، أو الأرجنتيني، أو السعودي، أو الإنجليزي، أو أي فريق معروف.

وأذكر مرة أن توقيت محاضرة عن المسرح تزامن مع مباراة بين فريقي الإمارات والعراق ضمن كأس الخليج في بداية الثمانينات، وأذكر أنه لم يحضر لهذه المحاضرة سوى ثلاثة أشخاص هم المحاضر ومقدمه ومنظم الأمسية الثقافية فقط.

ومثل هذه الحكاية الكثير مما أذكره ويذكره غيري.

بريشت علّم طلابه ودعاهم للاستفادة من كرة القدم وبعدة اتجاهات، طلب منهم بناء ثقة عالية بين فرقهم المسرحية وبين جمهور المسرح، ثقة بفريق العمل، بمستواه، بفنه، بتأثيره، وبفكره، مما سيشكل أسباباً وعوامل لدى المتلقي بضرورة حضور أعمال هذا الفريق، وضرب لهم مثالاً بفرق كرة القدم العريقة والمشهورة في العالم، وعلاقة جمهور الكرة بسمعة الفريق، وبفن اللعب الذي تمتاز بها هذه الفرق.

طلب بريشت من طلابه أن يتمتعوا بالفن المسرحي، بالدور الذي يلعبونه على الخشبة، لأن التمتع حاله سيكولوجية سرعان ما تنتقل إلى المتلقي، وسيتمتع بدوره، وحذرهم من الملل والوظيفية الروتينية عند الممثل الذي سيلعب دوراً ما والملل يأكل الوقت، ويحفر في روحه وجسده حفراً عميقة سرعان ما سينتقل هذا الملل إلى المتلقي الذي سيرفض الجلوس في الصالة.

وأكد بريشت إلى ضرورة مراقبة لاعب كرة القدم المبدع، الذي يتمتع باللعبة قبل أن ينقل متعته إلى جمهوره، راقب رونالدو، أو بيليه، أو مارادونا أو عدنان درجال، أو الطلياني أيام زمان حيث كنت معجباً به، ستجد تطبيقاً عملياً لنظرية بريشت في تدريب الممثل، ومنهجه في العرض المسرحي، وتربيته للممثل والمتلقي معاً.

ليس اعتباطاً أن تسيطر كرة القدم على وجداننا وتسرق منا الوقت والعمل وأحياناً لا ننام من أجل مشاهدة مباراة لا يتزامن توقيتها مع وقت بلدنا. أقول لزملائي العاملين في الأوساط الثقافية، انتبهوا إلى كرة القدم.

ولا تأخذوا منها متعة المشاهدة فحسب، بل دعونا نبحث في أعماقها، في أساليبها، في تأثيرها، في إبداعاتها، علاقة اللعبة سيكولوجياً بنا، تاريخها، وأمور عديدة متعلقة بهذه اللعبة الذهبية، ودعونا نأخذ منها ما يفيدنا في عملنا، وأحذركم أيها السادة المتثاقفون من التزامن في التوقيت بين أنشطتكم الثقافية المتواضعة، ومع مباراة كأس العالم، ومونديال ألمانيا.